لم تعد مخاطر التقنيات الحديثة سواء أكانت حواسيب أو هواتف نقالة تقف عند حدود الآثار الصحية والنفسية والاجتماعية، إنما باتت تشغل مراكز الشرطة والجهات القضائية، فمنذ أن ظهرت وانتشرت تلك التقنيات بيننا، أصبح هناك ما يسمى بالجريمة الإلكترونية أو جرائم تقنية المعلومات . وتنفذ هذه الجرائم عبر تلك الأجهزة وقد تصل إلى خارجها لتمس الأشخاص على أرض الواقع، فما هي تلك الجرائم؟ وكيف يتم تنفيذها وكيف يتعامل القانون جراء ارتكابها؟ وهل بالامكان القبض على الضالعين بها؟ في هذا الإطار، جاء المؤتمر الدولي الرابع لمكافحة جرائم تقنية المعلومات الذي نظمه، أخيراً، معهد التدريب والدراسات القضائية، بالتعاون مع هيئة تنظيم الاتصالات وفريق الاستجابة لطوارئ الحاسب الآلي ووزارة الداخلية واتحاد منتجي برامج الكمبيوتر التجارية، ليسلط الضوء على ظاهرة بتنا نلحظ آثارها كل يوم بين الناس وعلى وسائل الإعلام، وهي جرائم تقنية المعلومات .

مسرحها بين أيدينا ولا حدود له

الوعي كلمة السر في مكافحة الجرائم الإلكترونية

حينما نعي أن استخدامنا للتقنيات الحديثة من أجهزة حاسب آلي مكتبي أو محمول أو تلك الهواتف المحمولة بين أيدينا قد تحمل لنا جرائم نحن في غنى عنها، فلابد لنا أن نتساءل: كيف يمكننا أن نحمي أنفسنا وننأى عن الجريمة؟ فليس منا من يرغب في أن يكون ضحية لجريمة مسرحها بين يديه، إذاً كيف يمكن أن نستخدم أجهزتنا التي أصبحت جزءاً من حياتنا اليومية من دون أن نكون ضحايا لها بدلاً من أن تسهل لنا الحياة؟

الرائد سعيد محمد الهاجري، مدير إدارة المباحث الإلكترونية في الادارة العامة للتحريات والبحث الجنائي بشرطة دبي يقول عن كيفية تجنب الجريمة الإلكترونية: لا توجد طريقة واحدة لحماية الأشخاص أنفسهم من الجرائم الإلكترونية، إنما يجب أن يزود الفرد نفسه بثقافة في أمن المعلومات، ويعرف أن من الضروري عدم دخول مواقع الدردشة والمواقع الإباحية، لأنها تفتح ثغرات أمنية في الجهاز الذي يستخدمه سواء كان هاتفاً أو جهاز حاسوب، فهي التي تعرض الشخص لاختراق معلوماته، كما أن تحصين الأجهزة من المسائل المهمة، من حيث وضع برامج ضد الفيروسات، ويجب على الفرد ألا يبخل على نفسه بأجهزة حماية وهناك المجانية منها، إلا أنه أيضاً في بعض البرامج المجانية يوجد برامج تخترق الأجهزة، ولكن يجب على الشخص أن يقتنيها من شركات معروفة بهذا المجال، والاستعانة بخبرات أصحاب المعرفة في الأجهزة التقنية، وبشكل مستمر يقوم بتحديث للبرامج الموجودة، لأن المخترقين يحاولون اختراق البرامج والبحث عن ثغرات أمنية واستغلالها، بينما تعمل الشركات المتخصصة على سد الثغرات، كما أن الاتصال الدائم بالإنترنت يجعل الفرد وأجهزته أكثر عرضة من غيره للاختراق، وهنا يجب على الأشخاص التحكم في استخدام الأجهزة، حيث يجب السيطرة على الاتصال بالإنترنت من خلال تشغيله فقط وقت الحاجة، وحول حجم المشكلة والتصدي لها يقول الهاجري: حجم المشكلة يزداد بزيادة عدد المستخدمين، ولذلك نسعى ونأمل بزيادة الوعي بالمقابل من الناس، سواء من خلال التثقيف الذاتي أو برامج التوعية في البرامج المجتمعية التي نطلقها في وسائل الإعلام، ولن نستطيع القول إننا بإمكاننا ذلك، حيث لا يمكن السيطرة على كل الجرائم، فكل يوم الجرائم بازدياد كمي ونوعي، وعدد القضايا كبير بهذا الجانب، ففي عام 2010 قمنا بضبط 444 جريمة إلكترونية، وفي عام 2011 وصل عدد الجرائم إلى أكثر من 550 .

وحول أكثر الجرائم التي يتعرض لها الناس، يقول: الاختراقات التقنية أي الحصول على معلومات من جهاز أو استخدامه لإجراء عمليات إجرامية، والنصب المالي كتحويل الحسابات، وكذلك التي تتم عن طريق الهاتف . وحول مد خطورة الجرائم الإلكترونية يقول الهاجري: إن الجرائم التقنية خبيثة وهي أصعب في الاستدلال على مرتكبيها، وهذا يعود لطبيعة الشبكة المعلوماتية، حيث تتم الجرائم عن طريق أشخاص افتراضيين، وهناك مجرمون ينبذهم المجتمع لجرائم قاموا بها، فيلجؤون إلى باب جديد من خلال الإنترنت من دون أن يعرفهم أحد، ويؤكد الهاجري أهمية القراءة والتوعية عن تلك الجرائم والتبليغ عنها، وتبليغ الشركات المزودة للخدمات عن الجريمة، وعدم الاستهانة بالتبليغ، حتى إن كان الجاني داخل الدولة أو خارجها، مشيراً إلى امتلاك الأجهزة الأمنية طرقاً خاصة لاكتشافه، وأن عدم الثقة بقدرة الجهات الأمنية على الوصول إلى الجاني يمنع الكثيرين من الابلاغ، هو إحدى الوسائل للحد من الجريمة .

ويقول القاضي د . عبدالوهاب العبدول رئيس المحكمة الاتحادية العليا حول الجريمة الإلكترونية ومعالجتها قانونياً: حول الاختلاف في العقاب الموجه للشخص مرتكب الجريمة الإلكترونية ومرتكب الجريمة التقليدية، العقوبات هي ذاتها المنصوص عليها إذا ضبط الشخص، كالسجن والغرامة والمصادرة وغيرها من الإجراءات، أخذاً في الاعتبار نوع الجريمة، ويمكن أيضاً أخذ عقوبات الغلق للموقع، إذ لا توجد نصوص خاصة، تنظم إجراءات الاستدلال والتحقيق والمحاكمة والإثبات لهذا النوع من الجرائم التقنية، لذلك فالقاضي يلجأ للقواعد العامة التي لها أسسها في الإثبات، والتي قد لا تتلاءم والجريمة الإلكترونية، لكن القاضي لا يستطيع عدم الفصل في الدعوى بل دائماً ما يجد النصوص للفصل فيها، فإذا لم تكن هناك نصوص خاصة مثلاً بموضوع الشهود في الجرائم الإلكترونية، فإن القاضي يرجع إلى القانون التقليدي، إنما لا يجتهد في العقوبات ولذلك يجب إيجاد تشريع حول الجرائم الإلكترونية .

ويقول سيرل فيزون، المستشار الأمني في مايكروسوفت الخليج: الجريمة الإلكترونية أصبحت جزءاً من حياتنا ونحن نعيش بين تلك التقنيات، ولذلك أسست مايكروسوفت وحدة مكافحة لتلك الجريمة مكونة من محامين ومحققين ومحللين وفنيين يعملون على معالجة المشكلات التقنية المعقدة، والوحدة مهمتها القضاء على المجرمين، إلا أن المشكلة التي تواجهنا هي أكبر مما نستطيع فعله، بينما ما نفعله هو التخفيف من عملياتهم، إلا أن المشكلة التي تواجهنا هي أنه ليس هناك قوانين دولية مفروضة عليهم، ولا عقوبات كبيرة، بخصوص الجرائم الإلكترونية، لكن الوعي بها ومكافحتها ممكنان من خلال عدد من الخطوات الاحترازية، من خلال تحديث كلمة المرور على الأجهزة أو البريد الإلكتروني حتى لا تسرق، والكثير من الإعلانات التي تظهر على الشاشات ما هي إلا مواقع لأولئك المجرمين وللفيروسات، كما أن هناك الكثير من المواقع المجانية التي تعتبر وسيلة للهجوم على الأجهزة والمواقع، ولذلك ننصح المستخدمين دوماً من خلال حملات التوعية بالتفكير قبل الإقبال على الاستخدام، وهذا هو السبيل الأمثل في مكافحة الجريمة الإلكترونية، وعدم شراء البرامج المقلدة لأنها قد تكون السبب في فقدان المعلومات على الأجهزة .

وتشير شيخة عبدالرحمن ماضي، دائرة القضاء في أبوظبي، إلى أن القراءة والتعرف إلى الأضرار التي يمكن أن تتم من خلال استخدام الأجهزة التقنية هما السبيل للوقاية من الجريمة الإلكترونية . وتضيف: فلنستخدم وسائل الحماية المتوفرة على أجهزتنا ككلمة المرور السرية على جهاز الحاسب أو الهاتف، ولنعمل على تحديثها بشكل دوري، هذه إحدى وسائل الأمان، وكذلك يجب عدم التعامل بثقة مطلقة مع الأجهزة، والحرص على عدم وضع المعلومات الشخصية جداً عليها، حيث إن نقص الوعي هو ما يضع الأفراد في مواجهة تلك المشكلات .

وترى موزة الشحي، هيئة الإمارات للهوية، أن ما يفاقم مشكلة جرائم تقنية المعلومات، خوف الناس من التبليغ بها، إذ يشعر المستخدمون أن الجريمة الإلكترونية من المستحيل ملاحقة مرتكبها، وهذا يعود إلى ضعف وعي المستخدمين بقدرات الجهات المختصة تقنياً . وتضيف: برغم أن الجريمة التقليدية والجريمة الإلكترونية قد يكون لهما النتيجة ذاتها كسرقة الأموال مثلاً، إلا أن الاختلاف بينهما بأن من الصعوبة ملاحقة مرتكبي الثانية، لكن الأمر ليس بالمستحيل، حيث إن الأجهزة الأمنية تطورت بتطور تلك التقنيات وبالإمكان ولو بنسبة معينة ملاحقة مرتكبي تلك الجرائم .

ويقول محمد المزروعي، القيادة العامة لشرطة أبوظبي: تعددت أشكال الجرائم الإلكترونية في الآونة الأخيرة، ولعل أكثرها لفتاً للانتباه تلك التي انتشرت عبر وسائل الإعلام حول ربح مبالغ كبيرة عبر الهواتف النقالة، إلا أن حملة التوعية التي أطلقت حينها ومساهمة أفراد المجتمع في التبليغ عنها جعلتا من الممكن السيطرة عليها، إلا أن الناس إلى الآن لا يعون أن مرتكبي تلك الجرائم هم أناس على مستوى عال من الذكاء والحرفية، وقادرون على اختراق المعلومات الخاصة بالشخص وإيهامه بأنهم من جهة موثوقة، وخجل المجني عليه من أن يبلغ في نوع تلك الجرائم كي لا يظهر بمظهر غير العارف بالأمور يفاقم من المشكلة .

رشيد حلبي، شركة اتصالات، يشير إلى حالة لاحظها بنفسه في هذا الصدد، ويقول: ورد لصديقي بريد إلكتروني يبلغه بأنه ربح مبلغاً مالياً كبيراً تم تحديد قيمته من قبل بنك ذكر اسمه، كما وردت بعض المعلومات عن حسابه في هذا البنك، وطلب منه الشخص المرسل رقم الحساب لكي يتمم له إجراءات المكافأة، ونظراً لصحة البيانات الواردة له بالرسالة، فقد اقتنع نسبياً بأنه ربح فعلاً، لكنه في اللحظة الأخيرة استشار أحد الأشخاص العارفين بتلك الأمور فنبهه إلى أن الأمر قد يكون عملية نصب، وفعلاً لم يتمم الإجراءات، وتأكد بعد حين من البنك أنه لا صحة لما ورد في الرسالة .

ومن وجهة نظر أحمد محمد الرميثي، هيئة الإمارات للهوية، فإن التشريعات والقوانين الحالية غير كافية لردع المجرمين الإلكترونيين، ويضيف: علمت أن السجن لا يزيد على الستة أشهر، والغرامة لا تزيد على 100 ألف درهم لمرتكب الجريمة الإلكترونية، ولا أجد هذا رادعاً كافياً ليسهل مكافحة الجريمة . ويشير الرميثي إلى أن هوس الشباب بالتقنيات الحديثة وانشغالهم الدائم بها يجعلهم عرضة لتلك الجرائم . أما زميله عيسى المهري فيجد أن حضور الدورات والمؤتمرات وورش العمل والالتفات إلى الحملات التوعوية من الممكن أن يجنبا الفرد الوقوع ضحية للجريمة الإلكترونية . ويضيف: الكثير من الناس يعون أن هناك جريمة إلكترونية، لكنهم لا يتخذون أي إجراءات احترازية تجاهها رغم معرفتهم بأهميتها، لكن عدم تعرض الكثير لها يجعلهم معتقدين بأنهم بمنأى عنها وهذا خطر حقيقي، ويقول طارق سلطان، القيادة العامة لشرطة أبوظبي: إن أغلب المستخدمين لا يعون الأمور التقنية إنما هم مستخدمون فقط، ولهذا فهم أكثر عرضة للنصب والاحتيال من غيرهم، كما أن عدم التبليغ عن الجرائم التقنية من قِبَل الكثيرين قد يكون لأسباب تتعلق بصور تم اختراقها ومعلومات خاصة جداً يتفادى أن يكشف المجني عليه أمره من خلال التبليغ، ولذلك يفضل السكوت عن الجريمة، إلا أنه لا يدرك أن ذلك يعرض الكثيرين غيره للجريمة ذاتها . وتقول موزة الرميثي، قسم أمن المعلومات هيئة الإمارات للهوية: الناس لا يشعرون بقيمة الشيء إلا حين يفقدونه، فلا شيء يجعل الشخص حريصاً على الخصوصية عبر أجهزته، إلا حينما يشعر بأنه تعرض لخطر، والسبب في ذلك إدمان الكثيرين على الأجهزة التقنية، ما ينسيهم أن هناك مضار من كثرة الاستخدام، ولذلك يجب خلق بيئة توعوية شاملة للمجتمع لتتشكل لهم بيئة أمنية خالية من الجرائم الإلكترونية .

* * *

سباق محموم بين التطور واستغلاله السيئ

خطوط المواجهة تتسلح بالقوانين والتثقيف

تسابق الجرائم الإلكترونية التطور في التقنيات مشوهة وجهها النافع الذي يطل على مجالات حياتنا كافة . والإحصاءات في مجال الجرائم الإلكترونية صادمة لدرجة تستنفر الجهات المخولة بمواجهتها للدخول على خط السباق بين الوجهين المضيء والمظلم للتكنولوجيا .

ولأن الدولة تحتل مكانة مهمة على خريطة التقنية، فلا غريب أن تستهدفها الجرائم الإلكترونية التي تنشط جهات عدة لمكافحتها تشريعياً واجتماعياً، وهو أمر لا يتحقق بغير مشاركة المستخدمين .

يشير المستشار د . محمد محمود الكمالي، المدير العام لمعهد التدريب والدراسات القضائية، إلى أن الجريمة الإلكترونية تختلف من حيث طبيعتها عن الجرائم العادية، وإن كانت لا تنفصل عنها من حيث وضاعة الأهداف ودورانها حول محور الإضرار بالناس لجلب المنافع الشخصية، على اختلاف تلك المنافع مادية أو معنوية، عاجلة أو آجلة، ويسلك أربابها طرقاً شتى لتمرير أغراضهم ونيل أهدافهم عبر الوصول إلى المعلومات بشكل غير قانوني وسرقتها، أو الاطلاع عليها أو حذفها أو تعديلها أو اختراق المواقع الإلكترونية وتخريب أنظمة المؤسسات العامة، أو الوصول إلى الأشخاص أو الجهات المستخدمة للتكنولوجيا بغرض التهديد أو الابتزاز .

ويلفت الكمالي إلى دراسة حديثة عرضتها شركة نورتن التابعة لسيمانتيك، بالتعاون مع شركة ستراتيجي ون، جاء فيها أن دولة الإمارات تحتل مكانة متقدمة بين طليعة بلدان المنطقة من حيث انتشار استخدام الإنترنت، وأن نسبة الجرائم الإلكترونية التي يتعرض لها مستخدمو الإنترنت في الدولة أكبر منها بكثير مقارنة بالجرائم العادية، إذ تبلغ نسبة من تعرّضوا لجرائم إلكترونية 55% مقارنة ب18% فقط من المستخدمين تعرضوا لجرائم عادية .

ويقول في هذا الصدد المستشار د . محمد عبيد الكعبي، رئيس محكمة الفجيرة الاتحادية الابتدائية: يوجد في الإمارات قانون اتحادي صدر في عام 2006 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، ويتصدى القانون للجرائم الناتجة من استخدام التقنيات الحديثة وخاصة شبكة الإنترنت، ويعالج الدخول غير المشروع للمواقع والأنظمة وإتلاف البيانات والأنظمة والبرامج وتزوير المستندات الإلكترونية وبث البرامج الخبيثة والتنصت على الغير والبرامج الماسة بالأخلاق، والاتجار بالبشر الإلكتروني والإرهاب عن طريقها والمواقع المروجة للمخدرات وغير ذلك، إلا أن التعامل مع ذلك النوع من الجرائم يجب أن يواكب الأجهزة التقنية، ولذلك باشرنا تعديل قانون جرائم تقنية المعلومات من خلال لجنة خاصة، ويأتي التعديل وفق تطور الجرائم، حيث لم يتصد القانون لعدد منها، وخاصة الجرائم التي تتم عبر التقنيات المتعلقة بالجيلين الثالث والرابع من الهواتف الذكية، وذلك من خلال إضافة بعض الجرائم الحديثة التي لم يغطها القانون . وحول كيفية اكتشاف تلك الجرائم من قِبَل الأشخاص يقول: يعود الأمر إلى إلمام الشخص بالتقنية، حيث نلاحظ أن أغلب المستخدمين للتقنيات غير ملمين بها، وأحياناً كثيرة يقعون ضحية وهم لا يعرفون ذلك، وأقلها حينما يتعرضون لفيروس عبر شبكة الإنترنت وهو بحد ذاته جريمة، ويبقى الحل بتثقيف الشخص والوعي بالتقنية قبل استخدامها، ولا يعفي المستخدم تواصله فقط مع الاشخاص المعروفين له من التعرض للجريمة حيث أيضاً ممكن أن يكون عرضة من قبلهم، ولذلك فالمهم محافظة المستخدمين على الخصوصية وعدم وضعها أبداً على الأجهزة الخاصة كالصور الخاصة والبيانات السرية، وحيث يتطلب الدخول لبعض المواقع بيانات معينة فقبل الدخول يجب أن يتيقن الشخص أن الموقع موثوق به، لأن كثيراً من المواقع تأخذ البيانات وتعيد استخدامها لأغراض أخرى، أما الشبكات الاجتماعية فلا مانع من الدخول إليها على ألا يتمادى الأشخاص في الإفصاح عن خصوصيتهم من خلالها، وفعلاً حصلت جرائم عن طريق الوصول إلى الخصوصيات كالصور ومن ثم استدراجهم وابتزازهم وتهديدهم بها . وحول كيفية التعامل مع الجرائم القادمة من خارج الدولة، يقول الكعبي: تخضع تلك الجرائم للتعاون بيننا وبين الدولة الأخرى إذا كان هناك اتفاقية بيننا، ومن الجيد أن أغلب الدول متعاونة في مكافحة الجرائم من هذا النوع، ولكن لا يوجد قانون دولي حول جرائم تقنية المعلومات وهذه إشكالية، بينما توجد اتفاقية عربية لمكافحة جرائم تقنيات المعلومات اعتمدت من وزراء العدل العرب، وانضمت إليها أغلب الدول العربية، وتظل هناك حاجة إلى اتفاقية دولية بهذا الشأن .

ويقول د . إبراهيم بقيلي، مدير مختبر جامعة زايد للأبحاث الجنائية الإلكترونية المتطورة: الجريمة الإلكترونية تواصل التغيير والتطور كل يوم، وذلك تبعاً لتطور التقنيات، فكل يوم تتغير الهواتف الذكية وتتطور الجريمة مع هذا، ومن الأمور التي يجب أن نبدأ بها البحث العلمي لتحديد شكل المشكلة وحجمها لنصل إلى حلها، حيث تعد الاستبيانات واستطلاعات الرأي مهمة جداً على صعيد هذا الجانب، حيث إن الإحصاءات على المستوى العالمي في موضوع جريمة تقنية المعلومات وصلت إلى مستوى كبير، ومن هذه الإحصاءات يمكن تحديد أنواع الجرائم وحلولها . ويشير إلى أن أحد التقارير البحثية أشار إلى عدد الشكاوى المتزايد بشأن الأموال التي يتم فقدانها من خلال تزوير البطاقات الائتمانية، وترك البلوتوث مفتوحاً على الهاتف يسهل من عملية السيطرة عليه، كما ان وضع ارقام حساب البطاقات الائتمانية وغيرها من البيانات الشخصية المهمة خطر، وهناك دراسة أثبتت أن الجرائم التقنية سجلت زيادة ألف في المئة حتى عام 2009 في تسجيل القضايا بمحاكم أبوظبي . ويضيف: المشكلة الأكبر لدينا هو أن كل الأبحاث في هذا المجال باللغة الإنجليزية، لكننا نود أن تكون هناك أبحاث باللغة العربية ليستطيع المجتمع فهم هذه القضايا، ولعل المشكلة التي نعانينها أن هناك 39% نسبة زيادة عدد الهواتف النقالة من الناس، وهذا ما يجعلنا نود دائماً الحصول على معلومات كمية من أجل وضع حد للمشكلة، فالمشكلة اليوم أصبحت أننا نعيش في عالم تقنيات، فكل ما نحمل من معلومات وصور وأرقام حساب على الهاتف وعلى أجهزتنا الأخرى، فإذا تم اختراق تلك الجهزة فإنما اخترقت حياتنا، ونعمل اليوم على دراسة ادخال التوعية إلى المناهج المدرسية، ويؤكد بقيلي أنه يجب تخصيص ميزانية كبيرة للأبحاث في هذا المجال، لأنه يمس حياتنا اليومية، كما يجب تخصيص مركز يستقبل شكاوى تقنيات المعلومات، وليصبح هناك قاعدة بيانات يتم التعرف من خلالها إلى شكل المشكلات وحجمها وإحصائها سنوياً للتمكن من حلها .

ويقول المهندس أحمد الكتبي، محلل أدلة إلكترونية في فريق الاستجابة لطوارئ الحاسب الآلي في الهيئة العامة لتنظيم الاتصالات: إن الفريق هو إحدى مبادرات الهيئة، ويقدم خدمات للمنتسبين إليه من الجهات الحكومية حول أمن المعلومات، ويهدف عمل الفريق إلى دعم البنية التحتية لأمن المعلومات والمحافظة عليها من تهديدات الجرائم في هذا المجال . ويضيف: تعمل الحوادث التقنية على اختراق الحواسيب والمواقع الإلكترونية، من خلال الفيروسات التي تصل عبر البريد الإلكتروني أو الدخول إلى مواقع معينة، ويعمل الفريق من خلال الهيئة على استهداف الموظفين في المؤسسات، سواء كانوا عاديين أو فنيين أو إداريين، من خلال تقديم خدمات توعية بورش تعليمية يتم التركيز خلالها على المخاطر الإلكترونية وكيفية ضمان بيئة إلكترونية آمنة خالية من الجرائم . ويشير الكتبي إلى أن وعي الشباب ليس بالمقدار الكافي ليجنبهم الجرائم الإلكترونية، فمن خلال ملاحظته، وجد أن الكثير منهم يعتقد أن الفيروسات أو البرامج الخبيثة هي ما تنتقل فقط عبر (usb)، ويقول: نعمل اليوم على استهداف أطفال المدارس، لأنهم أيضاً من المستخدمين للتقنيات، ونسعى إلى أن يزداد الوعي لدى المجتمع بالجرائم الإلكترونية لتجنب المخاطر، ويتم ذلك من خلال الاطلاع الواسع على تلك الجوانب سواء عن طريق موقعنا الإلكتروني أو المواقع التي تقدم معلومات تضمن سلامته أمنياً، كما يجب الحرص على استخدام برامج مضادة للفيروسات وتحديثها بشكل مستمر، وعدم ربط الأجهزة الخاصة بشبكة الإنترنت في أي مكان وعدم إجراء الإجراءات الأمنية كذلك في كل مكان عن طريق الأجهزة، والحرص على نشر المعلومات بين الأصدقاء .

ضحيتان كل دقيقة

يشير المستشار د . محمد عبيد الكعبي، رئيس محكمة الفجيرة الاتحادية الابتدائية، في ورقة عمل قدمها خلال المؤتمر، إلى أن شخصين، على أقل تقدير، من القاطنين في دولة الإمارات يقعان ضحية للجرائم الإلكترونية في الدقيقة الواحدة بفعل الفيروسات ورسائل التحايل الإلكترونية وهجمات تصيّد المعلومات السرية والمصرفية وغيرها، أي ان أكثر من 4 .1 مليون مستخدم في الإمارات يتعرضون لهجمات إلكترونية يومياً .

ويوضح أن خسائر قيمتها 209 ملايين دولار سنوياً ناتجة من الهجمات الإلكترونية في الإمارات ومتطلبات إصلاح الأضرار المترتبة عليها، وأن أكثر أشكال الجريمة الإلكترونية انتشاراً في الإمارات هي: بنسبة 51% الفيروسات أو البرمجيات الخبيثة التي تستهدف الحواسيب ومن السّهل تجنبها، ورسائل الاحتيال الإلكترونية بنسبة 19%، وهجمات تصيّد المعلومات الخاصة والسرية بنسبة 18% .

* * *

الصغار في مصيدة الأشرار

الطفل ليس بعيداً عن جرائم تقنية المعلومات، فمادام ضمن فئة المستخدمين فهو ليس ببعيد عن مسرح الجريمة، وهناك من يعبث ببراءته ليحولها إلى مقر لجريمته التي لا يستطيع المجني عليه فيها أن يدافع عن نفسه، وهنا يأتي دور القانون في التصدي لتلك الجرائم .

تقول سلامة المزروعي، هيئة تنظيم الاتصالات، عن كيفية وقاية الأطفال من التعرض للجريمة الإلكترونية: عادة ما يؤثر التفكك الأسري أو انشغال كل من الأب والأم في خصوصياتهما إلى لجوء الطفل إلى الوسائل التي توفر له بيئة اجتماعية، ومنها الإنترنت، وهنا تكمن المشكلة، حيث يوضع الطفل بمواجهة الشاشة وبعيداً عن أضرارها الصحية والنفسية يتعرض لمشاهد بعيدة عن سنه، وهذا ما يجعله عرضة أكثر من غيره لعدم إدراكه خطورة الأمر للجريمة، ويشير عبدالله الحمادي، شرطة أبوظبي، إلى أن مراقبة الأهل لاستخدام أطفالهم للأجهزة الإلكترونية هو الأمر الوحيد الذي يمكن أن يجنبهم الخطورة، ويضيف: لا يمكن أن ندعي أننا بمقدورنا توعية الأطفال بمدى مخاطر الأجهزة التقنية، لكن دورنا الرئيس هو مراقبتهم في حال الاستخدام، إضافة إلى عدم توافر أجهزة الهاتف النقال الخاصة بهم في سن مبكرة، لأن هذا ما يعرضهم للجريمة أكثر من غيرهم، أما ابتسام العلي، اتصالات، فتؤكد أن القوانين التي تسن لحماية الطفل أمر مهم، لكن الأهم منه هو تفادي وقوع الجريمة، وتتساءل: لماذا ندع أطفالنا عرضة للجريمة ونطالب بقانون؟ لماذا لا نكون نحن من يضبط سلوكهم إلى أن يصلوا إلى سن الرشد ويعوا ما هو خطر عليهم، وتضيف: نحن اليوم نعيش ورطة كبيرة وضعت أمامنا من خلال التقنيات الحديثة، ولا نرجو سوى أن نستطيع السيطرة على أنفسنا وأبنائنا . ويشير علي الكثيري، هيئة الإمارات للهوية، إلى أن إيصال المعلومات والصور بطريقة سريعة وسهلة عن طريق التقنيات الحديثة، منح الأطفال فرصة لأن يشاهدوا ما لا يمكنهم مشاهدته في الواقع، وهذا ما جعلهم أكثر رغبة في الإطلاع . ويضيف: من الأفضل تحديد ساعات استخدام الأطفال لتلك الأجهزة، لأن السيطرة على استخدامها ضمنياً لا يمكن، والأفضل هو تحديد أوقات استخدامها واللجوء إلى طرق تحد من قدرة الطفل على الدخول إلى جميع المواقع .

ويقول المستشار محمد أحمد الحمادي، عضو اللجنة العليا لحماية الطفل بوزارة الداخلية، عن القوانين التي وضعت لحماية الطفل: استغلال الطفل في صور إباحية غير مجرم صراحة إلى اليوم، وهذا ما نطالب بتداركه، وفق ما طالبت به المدونات الدولية مثل البروتوكول الملحق باتفاقية حماية الطفل، ولذلك نطالب بتعريف نصي لقانون إباحية الأطفال، وأن تجرم مجموعة من الأفعال منها حيازة صور إباحية للأطفال أو فيديوهات، حيث ما هو مجرم لدينا في القوانين هو عرض الصور ونشرها على الآخرين، ولكن حيازتها وتجميعها غير مجرمين لليوم، كما أن من أخطر الجرائم، الاستغلال الجنسي للأطفال ونشر الصور الإباحية لهم والفيديوهات، واستخدام الصور لاستدراج الأطفال لاغتصابهم أو خطفهم، ذلك أن الطفل يتعامل مع شخص وهمي، قد يكون أكبر منه، لكنه يوهم الطفل بأنه في عمره، فيستدرجه ويعده بأشياء ومن ثم يلتقي به فتقع عليه جريمة أخرى كالضرب أو الخطف أو الاغتصاب، ولذلك نعمل، وأنا بدوري كرئيس اللجنة التشريعية في اللجنة العليا لحماية الطفل بالداخلية، على إعداد مشروع متكامل للطفل برئاسة اللواء ناصر لخريباني النعيمي، الأمين العام لمكتب سمو نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، رئيس اللجنة العليا لحماية الطفل في الوزارة، وانتهت اللجنة من إعداد المسودة الأولى للمشروع وجمعنا فيه كل ما يتعلق بالطفل من قوانين في الدولة، وقدمنا نصوصاً جديدة من قوانين المقارنة العربية والأجنبية، ومن ضمنها جرائم إباحية الأطفال، وطالبنا بإعداد سجل جنائي متكامل خاص بالمجرمين المدانين بجرائم جنسية ضد الأطفال، وهذا السجل يضمن ملاحقة المجرم دولياً، فإذا كان ارتكب جريمة ضد طفل سواء خارج أو داخل الدولة يحظر عمله في أي مجال له علاقة بأطفال، ويصبح هناك تعاون دولي بين الدول بشأن متابعة هذا السجل . ويضيف: ومن خلال مشروعنا نطالب بشرطة خاصة للطفل ونيابة له يتوفر فيها أشخاص مؤهلون كما نطالب بمحاكم للطفل، ومرشد حماية للتعامل مع الطفل في التحقيق .