ماذا عن الاجتهاد في هذا العصر؟ ماذا عن الخلاف حول الديمقراطية؟ كيف نتمكن من تسيير الاختلافات داخل الدائرة الإسلامية الواسعة والثرية والغنية بمختلف التيارات الموسومة بهذا الاسم أو ذاك؟ كيف يكون الحوار الإسلامي الداخلي أولا قبل الحوار الإسلامي مع الآخر، ولماذا لا يزال أغلب سكان المعمورة من وثنيين وغيرهم إما لا يعرفون شيئا عن الإسلام وإما لا يعرفون صورته الصحيحة؟ وكيف نغير ذلك في عهد انتشار وسائل الاتصال.
أسئلة حملتها الخليج إلى العالم الموريتاني محمد عبد الله ولد المصطف الذي التقته في العاصمة نواكشوط فكان الحوار الآتي:
نقبل من الديمقراطية بما يتفق مع قواعد الشورى
بعد القرآن والسنة.. يعتبر الاجتهاد بوصلة المسلمين.. لكن تضارب المجتهدين يكاد يفقد العامة الاتجاه الصحيح.. كيف ترون شروط الاجتهاد في العصر الحديث؟
شروط الاجتهاد اليوم هي شروطه نفسها في الماضي فالاجتهاد هو الاجتهاد لأن الشريعة الإسلامية نفسها هي الشريعة التي لا زال معمولا بها اليوم، لكن الذي يتغير ويتبدل هو خطاب المجتهد أو إحاطة المجتهد أو كيف يحقق المناط عند اجتهاده فلا بد في هذه الأمور كلها من أن يخضع الاجتهاد إلى زمن الاجتهاد ويكون ذلك بالنظر إلى المسألة التي يجتهد فيها وذلك أن الاجتهاد يأتي بعد عدم وجود حكم المسألة في الكتاب والسنة وهنا لا يبقى للمجتهد إلا أن يجتهد رأيه ولا يألو فشروطه في هذا الزمن هي العلم الكامل بكتاب الله تعالى وعلى الأقل بآيات الأحكام منه والعلم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم أو على الأقل بأحاديث الأحكام منها بناسخها ومنسوخها بمطلقها ومقيدها بمجملها وظاهرها، والعلم بأحوال الناس لأن عدم الخبرة بأحوال الناس يفضي إلى خطأ الاجتهاد، ومن شروط الاجتهاد أيضا العلم بالأمور المستجدة على العصر وهي تلك التي تطرحها طبيعة العصر على الفقه الإسلامي.
هذه هي الشروط الأربعة الكبرى للاجتهاد وغيرها مندرج تحتها وبعد علم المجتهد بكل هذا يجب عليه الابتعاد عن التعصب لأي مذهب من المذاهب لأن المجتهد لا مذهب له إلا ما وافق كتاب الله وسنة نبيه أو ما فهم منهما، وهو ما يعرف بالاجتهاد، ولا بد له في هذا العصر من أن يكون خبيرا بتجليات ما يسمى اصطلاحا بالعولمة.
الديمقراطية والشورى
لا يزال المفكرون الإسلاميون مختلفين جدا في مسألة الديمقراطية، البعض يكفر بها والبعض الآخر يعتبرها واجبة بل وبضاعة سرقت من المسلمين بميزتهم المعروفة الشورى.. ماذا تقولون في هذا المجال؟
لست مع أولئك ولا مع هؤلاء، بل إنني أقول إنه علينا اليوم أكثر من أي وقت مضى أن نمعن النظر في قواعد الشورى في الإسلام وأن ننظر إلى الديمقراطية الآن فكل ما وافق الشرع، أي قواعد الشورى الموجودة في الإسلام، نقبله ونعمل به وكل ما خالفها من قواعد الديمقراطية الحديثة نرفضه ونبتعد عنه، فالديمقراطية اليوم عندما ظهرت اختلف العلماء وانقسموا إلى ثلاثة أقسام؛ الأول هم الرافضون لها جملة وتفصيلا وهؤلاء متشددون لأنهم لم ينظروا فيها حتى يعرفوا ما المقبول منها من المرفوض لأنهم لا يقبلون أي شيء اسمه الديمقراطية، والقول الثاني تلقف أصحابه هذه الديمقراطية العصرية بكل إيجابياتها وسلبياتها، وهؤلاء لم ينظروا في القواعد ولم يميزوا بين غثها وسمينها؟
إن كنت أعمى تقتدي بأعمي
متبعا بلا دليل زعما
أصبحت تنقاد لكل ناعق
لم تدر بين كاذب وصادق
وبين ما الهدى وما الضلال
وبين ما المهدي والدجال..
فيستوي النور لديك والظلم
ولم تميز بين شحم وورم.
والجهل في هذا الزمان الفاسد
هو المؤدي كثرة المفاسد.
المذهب الثالث هو الذي أراه معتدلا وهو الذي لا يرفض الديمقراطية مطلقا ولا يقبلها مطلقا وإنما ينقحها فما وافق منها الشورى التي يكرسها الإسلام ويعضدها نقبله ونرحب به لأنه ينمينا ويحافظ على هويتنا ويعضد أركان الدولة في عصرنا هذا وما خالف منها الشورى الإسلامية لا نقبله بأي حال من الأحوال.
قواعد الاجتهاد
نظرا لتعدد المجتمعات الإسلامية وتنوعها عرقيا وثقافيا وعاداتيا.. هل أصبح لكل مجتمع فقهه الخاص؟
من المعروف أن الاختلاف لا يعني الخلاف فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كالنجوم بأي منها اقتدينا اهتدينا.. وأصحاب المذاهب كلهم على بصيرة من ربهم وهناك مسائل كبرى محل اتفاق من كل الأمم والعلماء والمفكرين في كل العصور وهذه مبادئ لا تتبدل ولا تتغير لأن نصوصها صريحة صحيحة وواضحة وهناك قسم آخر من أحكام الشرع لم ينص عليه نصا صريحا أو اختلف الصحابة أو أهل المذاهب في مدلولات هذه الأوامر أو تلك النواهي فحكموا فيها أحكاما اختلفت عن بعضها، ولكن هذا الاختلاف بينهم لا يعني الخلاف.. وهذا لا يذهب للود قضية.
وخلاصة القول إن أحكام الشريعة الإسلامية تنقسم إلى قسمين: الأول هي مبادئ وأسس لا تقبل الخلاف والاختلاف فكل مفكري الأمة في أي مكان أو عصر متفقون عليها، وقسم آخر أوامر ونواه غير واضحة الدلالة بل هي من المجمل عند علماء الأصول، وهذه ينقح فيها المجتهد، وكل من المجتهدين الذين نظروا فيها بين هاد ومهتد، وإن اختلف الفقه في القرى والأمصار والمدن لأن العلماء دائما يجيبون سائليهم بحسب السائل لا المسائل فطورا يجملون وطورا يطلقون لأن عقول الناس وأحوالهم والنوازل التي تنزل بهم يختلف زمانها ومكانها ولا بد أن ينظر الفقيه إلى المصلحة العامة انطلاقا من ثلاث قواعد هي درء المفاسد وجلب المصالح والاتصاف بمحاسن الأخلاق والعادات، وكل يرى رأية داخل هذه القواعد الثلاث التي اتفق عليها علماء الشرع وحكماء العقل، وبهذا المعنى يمكن أن نقول بأنه لكل أهل قرية فقههم.
الحوار الإسلامي- الإسلامي
لدينا اليوم ما يعرف في الساحة بالإسلام السياسي.. لدينا الإسلام المحافظ، لدينا الإسلام المتشدد، لدينا الإسلام الطائفي.. لدينا، ربما، الإسلام المستغرب.. كيف يكون الحوار الإسلامي الداخلي أولا قبل الحوار الإسلامي مع الآخر؟
من المعلوم أن الصحابة الكبار وعلماء المذاهب اتفقوا على الأصول فكان ذلك حكمة واختلفوا في الفروع فكان ذلك رحمة.. ونحن علينا قبل أن ندعو الآخرين أن نتصف بما تعنيه هذه الدعوة، فليس بإمكاننا أن ندعو إلى الاتفاق والوفاق ونحن لا نطبق هذا في أنفسنا حتى يدل علينا قول الشاعر أبي الأسود الدؤلي:
يا أيها الرجل المعلم غيره
هلا لنفسك كان ذا التعليم.
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا
كيما يصح به وأنت سقيم.
،واراك تصلح بالرشاد عقولنا
أبدا وأنت من الرشاد عقيم.
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم.
إذن حوارنا الداخلي يمكن أن يتم بما يلي أن نعلم أن شريعة الله واحدة لا تتجزأ وليست فيها مراحل ولا شريعة تطرف أو تساهل، فالشريعة كلها واحدة، والله الذي اختارها لنا واحد، والنبي صلى الله عليه وسلم واحد وهو خاتم الأنبياء ومن شك في ذلك فهو كافر.
والقرآن الذي نستقي منه شريعتنا هذه واحد، والسنة التي بينت هذا القرآن واحدة.. البيت الذي نستقبله في صلاتنا واحد، وهذه كلها أمور تدعونا إلى الوحدة والانسجام والوفاق، لكن هناك ما لا يحاور بعضنا فيه البعض الآخر وهي الأمور الفرعية التي نختلف فيها ولا تؤدي إلى الخلاف.وما دمنا متفقين في الأصول والمبادئ فلا ينقصنا الحوار ولا يتعبنا، وإذا ما كان المسلمون اليوم يتفقون على وحدانية الله وعلى أن القرآن هو كتابه المنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم، وعلى أن الشريعة هي المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها الا هالك وأركان الإسلام والأصول والثوابت فليس يعنينا في الحوار بيننا أن نختلف في الجزئيات ولا في الفروع، فالمهم أن نكون صفا واحدا وهذا ما أراده لنا المولى عز وجل حين أمرنا بأن نصطف للصلاة في كل يوم خمس مرات حتى يعلمنا الوحدة والانسجام. وأن نكون صفا في الجهاد إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص.
والخلاصة أن المسلمين ومفكري الأمة اليوم إذا ما تعلقوا بماضيهم الجميل واتفقوا على الأصول فليس ينقص منهم اختلافهم على الفروع.
الدعوة إلى الله
رغم كل وسائل الإعلام والقرية الالكترونية الصغيرة جدا، ورغم الجامعات والمعاهد وجمعيات الدعوة والإرشاد... لا يزال أغلب سكان المعمورة لا يعرفون شيئا عن الإسلام وخاصة صورته الصحيحة، كيف نغير هذا الواقع؟
نغير هذا الواقع لينتفع الناس منا في حالة ما إذا رجعنا إلى صفائنا وشرعنا ومبادئ الدين الصحيح وطبقنا ذلك على أرض الواقع قبل أن ندعو الآخرين إليه، ويكون ذلك بالخطة المحكمة التي رسمها المنهج النبوي، فالنبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى الناس والأرض مليئة بالأوثان وكل أنواع الفسق والخزي والعار، العرب يقتتلون، ويئدون البنات، والإمبراطوريتان الرومية والفارسية تعبد فيهما النار والأوثان وأهواء الأشخاص، لكن النبي في خطته المحكمة تمكن من الحوار مع الآخرين، بالدعوة إلى معرفة الله الصحيحة، والدعوة إلى الله بالعلم والتربية والتنظيم والتخطيط الذي ينطلق من استراتجيات اجتماعية واقتصادية وثقافية محكمة ومطبقة تدريجيا.
وعلى الواحد منا اليوم أن يؤمن إيمانا تاما بالله عز وجل، ولا يكفي أن يكون إيمانه ذهنيا، بل لا بد أن يكون إيمانا قلبيا وعمليا ثم يدعو الآخرين إليه، وإذا قام كل فرد منا بهذا الواجب وطبقه في نفسه يمكننا إزاحة الوثنية من الأرض ويمكننا أن ندعو الناس دعوة صحيحة ومن المعلوم أن كلمة الداعي إلى الله كانت أحسن كلمة تقال في الأرض عندما تكون نابعة من إيمان صادق، قال تعالى ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين. صدق الله العظيم.
نحن اليوم في هذا الزمن نشاهد صدق قول النبي صلى الله عليه وسلم بدأ هذا الدين غريبا وسينتهي غريبا ويعود غريبا، والدين اليوم في غربته، وهو ما يستدعي منا الوقوف وقفة رجل واحد فنرجع إلى أصول الدين الحنيف لننجو في آخرتنا وتصلح دنيانا، لأن أكثر أهل الأرض لا يزالون لا يعلمون ولكن أكثر الناس لا يعلمون.. ولكن أكثر الناس لا يعقلون.
مكونات الخلق
علينا أن نتقي الله تعالى جميعا، فالتقوى هي رأس كل حكمة، ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض. ثم علينا بعد ذلك أن نعرف أن الله خلق الناس لحكم بالغة ومن هذه الحكم أنه جعل مكونات هذا الخلق تنحصر في الفرد والأسرة والمجتمع والدولة، وكل مكونة من هذه عليها ما ليس على المكونة التي بعدها وإذا فسدت إحدى هذه المكونات فسدت تلك التي بعدها، وإذا نقص عملها انعكس ذلك على المكونة التي بعدها، فعلى الفرد مثلا أن يتعلم أحكام صلاته وصيامه وزكاته وحجه بعد أن يصلح عقيدته وينقحها، وإذا كان الفرد ملتزما بكل ذلك فهل يمكنه أن يقوم بذلك نيابة عن زوجه، عن أخيه، عن ولده، عن أبيه؟ لا بالطبع لأنها أمور فردية، والفرد مخاطب من الله بأربع مسائل لابد له من تطبيقها وإلا فهو خاسر، وهذه المسائل ذكرها الله في قوله: والعصر إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر... أما واجب الأسرة فهو الانسجام والتنمية والبناء وصيانة الحقوق وهي معنية بأمور لا يخاطب بها الفرد ولا المجتمع ولا الدولة، ثم المجتمع وهو المخاطب بتعاونه على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان وإذا فسد الفرد أو الأسرة فإن هذا الفساد يظهر مباشرة في المجتمع.
أما الدولة في تعريفها الاجتماعي والقانوني فهي تلك المؤسسة الجمعية التي تقوم على أسس ثلاث هي الأرض والسكان ومجموع النظم التي تحكم العلاقة بين الحكام والمحكومين ومن خلال هذا التعريف يبرز المواطن كجوهر لا غنى عنه في الدولة لأن القوانين تنظم العلاقة بينه وبين إخوته ولأن الأرض تراد ليسكنها، وإذا فهمنا هذا نفهم الواجبات والحقوق التي على الدولة للمواطن والواجبات والحقوق التي على المواطن للدولة ومن هنا نخرج بنتيجة وهي أنه لا بد لهما أن يتقاربا وينسجما، فالدولة تعني كل الأفراد الذين يسكنون على رقعة مستقلة من الأرض لها حدود معروفة وكل من هو موجود على هذه الرقعة يتولى تسييرها سواء منهم الرئيس أو الملك أو القائد أو أبعد واحد منهم عن هذا التسيير، وعلى الجميع أن يتعاونوا على البر والتقوى ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان وأن يلتزم كل منهم بما يمكن أن يقوم به، فإذا ما فعل هذا فإن الهوة تضيق بين الحاكم والمحكوم ولا يضيع علينا الوقت في الأمور الخاطئة.