يحاول خصوم الإسلام في الداخل والخارج حرمان المسلمين من هداية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيروّجون الأكاذيب والأباطيل عن شخص رسول الله، ويثيرون المغالطات
حول ما نقل إلينا من هدي النبي الكريم، وقد كشفت حملات الإساءة المتجددة الحقد الدفين على نبي الله وخاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه.
هذه الحملات المغرضة وهذا التشويه المتعمد ينبغي أن يزيد المسلمين إصراراً على الدفاع عن نبيهم والاهتداء بهديه والسير على نهجه والتأدب بأدبه والتخلق بأخلاقه الكريمة.
فالرسول صلوات الله وسلامه عليه كما يؤكد الدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر هو المثل الأعلى لكل المسلمين، فهو في مجال العبادة المثل والقدوة، فقد كان عابدا لربه حق العبادة وكانت قرة عينه في الصلاة، وكان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، ويبكي حتى تبلل دموعه لحيته، وهذا ما جعل زوجته الكريمة السيدة عائشة رضي الله عنها تعجب من شدة حرصه على العبادة، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وكان يقول لها لكي يمحو علامات الدهشة والقلق: أفلا أكون عبداً شكوراً.
وكان صلى الله عليه وسلم يصوم الاثنين والخميس من كل أسبوع غالباً، وأحياناً يديم الصيام حتى يظن من حوله أنه سيصوم الدهر كله.
أروع معاني العبودية
وكان صلى الله عليه وسلم دائم الذكر لله تعالى في كل أحواله، بقلبه ولسانه وأذكاره وأدعيته ومناجاته لربه، وكانت تتجلى في كل هذه الأذكار والأدعية قيم الصدق والإخلاص لله تعالى، والعبودية المتجردة لربه، كما أنها تمثل أروع المعاني، وأوضح الطموحات التي ينبغي أن ينشدها الإنسان الحريص على إرضاء ربه، وقد حفلت كتب الحديث والسيرة قديما وحديثا بأروع صور الذكر والدعاء التي كان يناجي بها خاتم المرسلين ربه عز وجل.
وكان صلى الله عليه وسلم برغم تعبده لربه واشتغاله بذكره وقيامه الدائم بالدعوة إلى دينه، والجهاد في سبيله، دائم الخشية له سبحانه، كثير الاستغفار كثير التوبة، وهذا من كمال عبوديته وعظيم مقام الإلوهية عنده، وفي هذا كان يقول :يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، فإني أتوب إلى الله عز وجل في اليوم مائة مرة.
وكان صلى الله عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا، وأرضاهم باليسير منها فمع ما فتح الله له من الفتوح، وأفاء عليه من الغنائم، وبعد أن أصبح سيد الجزيرة، إلا أنه لقي ربه ولم يشبع من خبز الشعير ثلاثة أيام متوالية وكان الشهر يمر عليه تلو الشهر ولا توقد في بيته نار، إنما عيشه على التمر والماء، وكان ينام على الحصير حتى يؤثر في جنبيه، ورآه عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوماً كذلك، فبكى توجعا له وإشفاقا عليه، واقترح عليه بعضهم أن يهيئوا له فرشا ألين من هذا فقال لهم: ما لي وللدنيا؟ ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها.
إنسانية الرسول
عن إنسانية رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الداعية والفقيه الدكتور يوسف القرضاوي: مع مثاليته النادرة صلى الله عليه وسلم في أداء الواجبات الدينية، ومع روحانيته العالية في ذكره وشكره وحسن عبادته لربه، ومع زهده في دنيا الناس، وعيشه فيها بشعور الغريب وعابر السبيل، لم يغفل الجوانب الأخرى من الحياة بما تفرضه من أعباء، وما تمثله من مطالب فلم ينس أنه إنسان وزوج وأب وجد، وقريب، وجار وصديق، ورئيس، وقائد، وان كل علاقة من هذه لها حقوقها.
ولهذا رأيناه صلى الله عليه وسلم إنسانا يرضى كما يرضى كل البشر، ويغضب كما يغضب البشر، ويفرح كما يفرحون، ويحزن كما يحزنون، وكان إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق وإذا فرح لم يفرح بغير الحق، وإذا حزن لم يخرجه حزنه عن الصبر والرضا، ويشارك أصحابه في مسراتهم، ولا يخرجه ذلك عن الاحترام والوقار الذي يليق بخاتم رسل الله أجمعين.
كانت الجدية كلها تتجسد في سلوكيات الرسول وأخلاقياته وكان المثل في الالتزام والحزم والصرامة وكل ما تتطلبه القيادة لكنه لم ينس أنه بشر يحتاج إلى أن يرفه عن نفسه وأن يعطي لجسده حقه من الراحة، فكان يضحك ويضاحك الآخرين، كان يمزح ولكن لا يقول إلا حقا ويأذن للحبشة أن يرقصوا بحرابهم في مسجده.
الزوج والأب والجد
إن كل ما نقل إلينا عن سيرته وما تعلمناه من هديه يؤكد لنا أنه كان صلى الله عليه وسلم زوجا مثاليا يحسن عشرة أزواجه، ويعدل بينهن فيما يقدر عليه، ويطيب أنفسهن، ويصالح بينهن، ويقدر الظروف الخاصة لكل منهن، ويستمع أحيانا إلى قصصهن وإن طالت رغم همومه ومشاغله التي تنوء بها الجبال.
رأيناه صلى الله عليه وسلم أبا يحب أبناءه وبناته، ويحرص على كل خير لهم في الدنيا والآخرة، مات ابنه إبراهيم فحزن عليه، ودمعت عيناه، ولم يجد في ذلك ما ينافي الصبر والرضا، بل قال: تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، والله إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون. وحين أراد علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يتزوج على فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ابنة أبي جهل لعنه الله، غضب وقال: إن فاطمة بضعة مني، وانأ أتخوف أن تفتن في دينها، وإني لست احرم حلالا، ولا أحل حراما ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله تحت رجل واحد أبداً.
ورأينا جداً ودودا يلاعب ويلاطف أحفاده، وقد تعددت الروايات التي نقلت لنا صور مداعبته وملاعبته لحفيديه الحسن والحسين رضي الله عنهما حتى إنه كان يوطئ لهما ظهره ليركباه.
وعلى مستوى العلاقات الاجتماعية تؤكد كل الأحاديث والتوجيهات النبوية الكريمة أنه كان يرعى حقوق الآخرين جيداً، فقد رأيناه يرعى حق الرحم والقرابة، ورأيناه يرعى حق الجار، وإن ظلم وجار، وإن كان يهوديا من أهل الكتاب ويقول في ذلك: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت انه سيورثه، رأيناه صديقا يرعى حقوق الصداقة والصحبة، وكان أوفى الناس لأصحابه، ولكل من تربطه به أو بأهل بيته صلة، حتى كان يكرم بعض العجائز، ويهدي إليهن، وعندما سئل في ذلك قال: إن هذه كانت صديقة خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان.
تعلمنا منه صلى الله عليه وسلم أن نأخذ بالأسباب ونبذل أقصى ما نستطيع من جهد ثم نترك النتائج على الله عز وجل.
هذا الرسول الكريم لماذا نهمل هديه ونترك سنته ونحرم أنفسنا من حياة الطمأنينة والرضا والاستقامة التي رسمها لنا؟
دعوات هدامة
يحاول البعض أن يطعن في السنة النبوية عن طريق المطالبة بالاعتماد على القرآن الكريم وحده باعتباره دستور المسلمين الخالد، وهؤلاء كما يقول الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر لا يريدون بالمسلمين خيرًا، وبهذه الدعوات الخبيثة يؤكدون أن هدفهم تدمير الإسلام كله، فالله سبحانه وتعالى هو القائل في قرآنه الكريم: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، وهو عز وجل القائل: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وهناك العديد من النصوص القرآنية التي تطالب المسلم بالأخذ بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لكي يفهم حقائق دينه كما ينبغي، فالقرآن قد أجمل في كثير من الأمور وجاءت السنة النبوية شارحة ومفسرة وموضحة لما جاء في كتاب الله عز وجل.
ويؤكد الدكتور هاشم أن هذه الدعوات الهدامة لن تجد صدى في نفوس المسلمين، بل ستضاعف من حبهم لرسولهم الكريم، وصدق عليه الصلاة والسلام عندما قال: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين. ومن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم نصرة سنته والدفاع عن شريعته، ولا يتحقق كمال الإيمان إلا بتحقيق إعلاء مكانة النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلته على كل والد وولد ومحسن.
يقول صلوات الله وسلامه عليه: ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار.
ما أحوجنا نحن المسلمين الآن إلى تعلم كل الفضائل من رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.