رغم ما تتميز بها لغتنا بين اللغات الأخرى، فإن بعض أبنائها من الجيل الجديد يعاني من ضعف بها لأسباب عديدة، أهمها الاعتماد على الإنجليزية، لذا تحولت مراكز وجمعيات تعلم اللغة العربية لغير الناطقين بها إلى مراكز لتعليم العرب أنفسهم . ونتيجة لذلك ظهر دور بارز للمدارس التي تدرس بمنهاج أمريكي أو بريطاني ونقص الاهتمام بدور اللغة العربية بها، وهنا نسأل أنفسنا: هل نحن مسؤولون عن حماية هذه اللغة في بيوتنا بإحيائها على لساننا وأبنائنا، أم أنه دور جمعيات حماية اللغة، ومن هو المسؤول عن الأخطاء الإملائية التي نقرأها على اللافتات في الشوارع والطرقات من دون التدخل لتصحيحها رغم جهود الدولة للحفاظ على لغتنا . وأحدث هذه الجهود اعتماد إنشاء المجلس الاستشاري للغة العربية بتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي .

المراكز المخصصة للأجانب تستقبل عرباً

لغتنا تترنح على لسان أبنائنا

رغم الاهتمام باللغة العربية على مختلف المستويات، أصبحنا في وقت يحتاج فيه بعضنا لدورات تعليم وتقوية في المراكز المفترض أن تكون مخصصة لغير الناطقين بها، فأصبحت تستقبل أطيافاً متعددة من المجتمع، منها الطلبة، بالإضافة إلى الموظفين بنسبة بسيطة، علماً بأن شرط التوظيف أصبح إتقان اللغة الإنجليزية، ولكن ما أسباب القصور ودور مراكز التعلم والجمعيات في حماية اللغة العربية؟ وما المحاولات التي تقوم بها لسد هذا الفراغ الذي نتج عن هذا الضعف؟

يختلف الناس في تعلقهم بلغتهم ولا يحفظها سوى من يربطه بها رابط المحبة والانتماء إليها، وانطلق مازن عبد ربه مهندس معماري من تجربته الشخصية مع لغته الأم وحرصه على إتقانها ونقل ما تعلمه لأبنائه وبناته، وقال: إن كان كل الناس لديهم محبتي للغتي لما وجدنا طلاب المدارس وحتى الجامعات في هذا الوقت يشتكون من ضعف واضح بها مع الاعتماد على المرادفات الإنجليزية بدلاً من العربية الأصيلة .

وعن أهم أسباب ضعف الاهتمام باللغة العربية لدى بعضهم أضاف: ما يزيدنا تخوفاً من ضعف لغتنا هي الابتكارات العلمية الجديدة التي تقيد بأسماء ولوائح استخدام باللغة الإنجليزية من دون مراعاة المستخدمين باللغات الأخرى، ما يوحي أنه ستختفي لغتنا في الأيام المقبلة .

واستغربت غدير محروس موظفة متقاعدة من الموظفين الذين يدرسون لسنوات طويلة في مدارس وجامعات عربية ويتلقون أنواع العلوم المختلفة وعلى رأسها اللغة العربية التي تلازمهم في صفوف التعليم كافة، واعتبرت أن وجود أي خلل دليل ضعف اهتمام من قبل الطلبة بمحتوى المواد التي يدرسونها واعتبارها وسيلة للنجاح فقط وليس التسلح بنوع معين من العلم .

واستحضرت محروس ذكرياتها في المدرسة والجامعة قائلة: كنا نعتمد على أنفسنا في حفظ الدروس والرجوع للمعلم أو مدرس المادة في حال وجود أية نقطة غامضة يستعصي علينا فهمها وليس تراكم هذه الثغرات إلى أن تظهر كعيب في ملكات الخريج الجامعي الذي يتقدم لوظيفة ولا يقبل لوجود خلل في لغته الأم قبوله رغم أخطائه شرط أن يقوي نفسه ويسد الثغرات التي يعاني منها .

وبدورهم أكد القائمون في مراكز تعلم اللغة أن أغلب المنتسبين يعانون من ضعف واضح ويقومون بمساعدتهم لتلافيه . وقال صالح الدليمي، الرئيس التنفيذي لمعهد بغداد لتعليم اللغات في الشارقة: نستقبل غير الناطقين بالعربية من كل الجنسيات ولكنهم لا يستمرون لفترة طويلة وبالتالي لا يتعلمون العربية بشكل جيد لأنها بحاجة إلى متابعة طويلة، بالإضافة لاستقبالنا العرب الذين يعانون من ضعف في لغتهم الأصلية ومنهم من لم يدخلوا المدارس لذا لا يعلمون القراءة والكتابة، وبدورنا نركز على تعليمهم الكتابة وتعلم القواعد، ونحاول خلال 3 أسابيع في كل مرحلة أن نعطيهم أكبر قدر من المعلومات وأن نطور مهاراتهم، وذلك يتطلب منهم تركيزاً ومتابعة . وعن مستقبل اللغة العربية على ضوء الحالات التي تقصد المركز قال الدليمي: إن استمررنا على هذا النحو في الاعتماد على اللغة الإنجليزية أو اللغات الأخرى مثل الفرنسية في الحضانة والثانوية فإننا بعد 10 أو 15 سنة سوف نفتقد الطلبة الذين يتحدثون لغتهم . واعتبارها المسؤولة عن تخريج الأجيال يجب أن يكون لوزارة التربية والتعليم دور أكبر في الحد من هذه الظاهرة عبر التركيز بنسبة أكبر على العربية .

وعن دورهم كجهة تعليمية للغة العربية، قالت عواطف حامد، مسؤولة قسم التسجيل في مركز اقرأ لتعليم اللغة العربية في أبوظبي: نعلّم الطلبة القرآن الكريم واللغة العربية من الألف إلى الياء للناطقين وغير الناطقين بها، ويوجد لدينا دورات لمحو الأمية وتقوية طلاب المدارس الذين يعانون من ضعف في اللغة العربية بسب عدم التركيز على هذه المادة، بخاصة الدارسين في مدارس بنظام تعليم إنجليزي ممن يعدون العربية مادة ثانوية ويكون عدد حصصها قليلاً بعكس الطلبة الذين يدرسون بنظام تعليم حكومي، وبالتالي يصبح لديهم نقص فيها فيلجؤون إلينا لسده عبر الدورات التي نعطيها لهم، بالإضافة إلى طلبة الجامعات الذين يأتون لتعليم الصرف والنحو وكتابة البحوث .

دورات

بالنسبة للأسباب التي دفعت بعض الموظفين للجوء إلى دورات تقوية في اللغة العربية، قال منذر شريف، خريج جامعي: للأسف بات الشرط الأساسي للتوظيف في أي دائرة حكومية أو خاصة إتقان اللغة الإنجليزية، لذا فإن أولياء الأمور يوجهون أبناءهم لمدارس تدرس بالإنجليزية منذ المراحل الأولى وفي المرحلة الجامعية يصبون اهتمامهم على إتقان هذه اللغة ويكثفون الدورات للحصول على شهادات دولية تؤكد تمكنهم منها باعتبارها من شروط التوظيف الأساسية، وكل هذا على حساب اللغة العربية، لذا نجد أغلبية الموظفين من الجيل الجديد يشتكون من ضعف واضح في اللغة العربية تصل لدى بعضهم لارتكاب أخطاء إملائية لا يقع فيها الصغار وعدم تمكنهم من صياغة رسالة متكاملة باللغة الأم، لذا فإن مثل هذه الفئة بحاجة إلى دورات تقوية أو تعليم متقدمة .

ورأى أن الاعتماد المفرط على الوسائل الإلكترونية كان سبباً في تدني الكتابة باليد وبالتالي فإننا نتفاجأ بأحد الموظفين الشباب يكتب بخط ركيك وغير مفهوم، ما يسبب مشكلة في سير بعض المعاملات والمستندات، بخاصة المالية .

وحدثنا منير صافي مدقق حسابات في شركة تسوية ميزانيات في الشارقة قائلاً: بعد تخرجي في الجامعة والحصول على الخبرة الكافية ودورات لغة إنجليزية مكثفة وإجراء أكثر من مقابلة عمل واجهتني مشكلة كتابة الأرقام باللغة العربية لارتكابي بعض الأخطاء، وللأسف فإن أي خطأ من الممكن أن يخلف ضرراً مادياً بالجهات المعنية بالكشوفات التي نصدرها والميزانيات السنوية للشركات، لذا ارتأيت أن ألتحق بدورة للغة العربية ولعدم توفر دورات خاصة بالأرقام والأعداد لذا لجأت لأحد أقاربي من معلمي اللغة العربية ويملك خبرة واسعة وقام بتعليمي القواعد الأساسية لكتابة الأرقام، وبعد إتقانها تم قبولي في مكان عملي .

وأكد صافي أننا لو راجعنا أنفسنا لوجدنا أن الأغلبية منا يعانون من مشكلات لغوية أو قواعدية أو حتى إملائية، لذا من الضروري توفر مراكز معينة بهذا الشأن يساعدها الإعلام في الإعلان عن نشاطاتها الدورية للأعمار كافة والاختصاصات العلمية .

بلال البدور: التحديات عديدة

أكد بلال البدور الوكيل المساعد للثقافة والفنون في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع ورئيس مجلس إدارة جمعية حماية اللغة العربية أنه يجب أن نأخذ موضوع ضعف اللغة العربية كوحدة متكاملة، لأن التحديات التي نواجهها عديدة، أهمها جهل الأبناء باللغة وقال: التحدي الأول هو تعليم أبنائنا مهارات اللغة العربية، وهناك جوانب مهمة لتقويم اللسان العربي، ومنها البرامج الإعلامية يكون المنتج الإعلامي مساعداً لتقويم اللسان العربي من حيث الموضوعات وأسلوب عرض ذلك المحتوى والرسالة الإعلامية .

وعن خطتهم الجديدة قال: نحن في الجمعية بدأنا العديد من البرامج من أبرزها تعريف الناس بملاحقة الأخطاء اللغوية والعمل على تصويبها بالتعاون مع المؤسسات المعنية، مثل البلديات والدوائر الاقتصادية، وقمنا ببرنامج اللغة العربية لغير الناطقين بها، وطرحنا مشروعاً لتعليم أبنائنا مهارات اللغة العربية ولكنه لم ير النور لعدم توفر التمويل .

وتابع لدينا برنامج المحاكاة للأطفال عبر عرض المسلسلات الخاصة بهم ليستمعوا للغة سليمة مثل برنامج افتح يا سمسم الذي تربى عليه عدد من أجيال أمتنا من خريجي اللغة العربية، ونأمل أن يلتقط الطفل ما يسمع من مفردات سليمة لتكوين منظومة لفظية سليمة، وقد ننتقل إلى التعاون مع مؤسسات النشر لإيجاد بعض الكتب للثقافة العامة ذات اللغة الرصينة والمقبولة .

واختتم البدور حديثه قائلاً: هذه هي مجموعة محاولات قد ترى النور ويكون لها تأثير إيجابي في تغيير الصورة النمطية عن اللغة في أذهان أبنائنا، والمهم أن تكون هناك جرأة في طرح البرامج البديلة التي تساعد على بناء جيل جديد وفق رؤية جديدة، ويجب ألا نستعجل النتائج .

* * *

أسبابها عديدة ونتائجها مخيفة

هجرة عربية إلى مدارس أجنبية

نظراً للتحولات الجديدة في قوالب الدراسة والعزوف عن اللغة العربية يتوجه قسم كبير من الطلبة العرب إلى مدارس إنجليزية بنظام أمريكي أو بريطاني، ويزداد الإقبال عليها لأكثر من سبب أهمها الرغبة في إتقان اللغة الإنجليزية لتكوين أساس قوي للمرحلة الجامعية وتوفير الوظيفة المناسبة مستقبلاً وتباهي الوالدين بإتقان أبنائهما وبناتهما اللغة الإنجليزية في سن صغيرة، من دون أن يعلما الضريبة على المدى البعيد .

حدثنا محمد كامل ''طالب صف تاسع في مدرسة دبي الدولية في القرهود'' عن واقع التعليم في مدرستهم وبقية المدارس التي تعلم بنظام تعليم بريطاني أو أمريكي للطلبة العرب قائلاً: ندرس أكثر من مادة باللغة الأم، وهي التربية الإسلامية والتربية الوطنية والجغرافيا واللغة العربية، التي نتعلم فيها القواعد على يد المعلم الذي يكلمنا بالفصحى، ويتم التساهل معنا في الامتحانات مقارنة بالطلبة الذين يدرسون في النظام الوزاري ممن يتفوقون علينا كثيراً في اللغة العربية وأضاف: رغم أننا ندرس في مدرسة نظامها ليس عربياً ولكن لغتي سليمة ومعدلي فيها عال بالاعتماد على معلمي ومجهودي الشخصي .

وعن الفروق بين المدارس العربية والإنجليزية، قال براء منيب طالب الصف ال12علمي في مدرسة المعرفة الدولية في الشارقة ويدرس في القسم الوزاري: يتكلم الطلبة العرب مع بعضهم بعضاً بلهجاتهم العامية في كل المدارس، وفي القسم البريطاني في مدرستنا لا يحصلون على الدروس المكثفة في اللغة العربية مثلنا، لذا فإننا أقوى منهم ولا يستطيعون أن يتكلموا الفصحى مثلنا باستثناء بعضهم، وقد يكون السبب أنهم يتكلمون الإنجليزية في بيوتهم بحجة أنها لغة المستقبل، وهذا لا ينفي أن نستخدمها في بيوتنا ولكن بشكل محدود .

ورجّح زهير محمود خريج جامعي في الشارقة أن الاهتمام الكبير والإقبال على الإنجليزية باعتبارها لغة العصر كان ولا يزال له أثر كبير على اللغات الأخرى، وهو ما خلّف تأثيراً كبيراً علينا نحن العرب واللجوء إلى المدارس التي تعلم بنظام تعليمي بريطاني أو أمريكي ليتمكن الأبناء التحدث بالإنجليزية بطلاقة منذ صغرهم والتباهي بذلك، بالإضافة إلى تأمين المستقبل العملي، لأن الأغلبية العظمى من جهات العمل تطلب موظفين يتقنون الإنجليزية نطقاً وكتابة . وأوضح أن المفاجأة تكون عند اختبار اللغة العربية التي تضع المتقدمين أمام اختبار صعب يثبت فيها ضعفهم .

وقال: للأسف أصبحنا بالفعل نعاني من خلل في لغتنا، إذ أننا أقبلنا على عصر تحكمه التكنولوجيا والابتكارات العلمية الجديدة وتقليد الغرب في لبسهم ولغتهم، وإن كنا تمكنا من ذلك لكننا أضعنا جزءاً كبيراً من ثقافتنا وموروثنا الذي يحدثنا عنه الآباء والأجداد والمفردات الشعبية المتداولة واللجوء إلى مرادفات إنجليزية للتعبير عنها ما يضعنا في مواقف محرجة من قبل المتمسكين بلغتهم العربية، بخاصة من الكبار في السن الذين يتحسرون على مستقبل اللغة على أيدينا .

وقال وائل طه معلم لغة عربية في مدرسة الكمال الأمريكية في الشارقة: في المدارس الإنجليزية يوجد نوعان من مواد اللغة العربية، الأول يدرس للطلبة العرب والثاني للأجانب، ويختلفان من حيث المضمون، ورغم أن المنهاج موحد بينهما، لكنه مخفض لدينا مقارنة بالمدارس الحكومية والخاصة العربية، حيث يتم حذف نصف الدروس لطلابنا .

وأضاف طه: الطلاب في المدارس العربية يولون اهتماماً كبيراً للغة العربية، ويكون مستواهم في مدارسنا ضعيفاً لاهتمامهم باللغة الإنجليزية، وباعتباري معلم لغة عربية في مدرسة إنجليزية فإنني أقوم بسد هذا العجز عبر القيام بأبحاث وندوات ومحاضرات واستخدام وسائل تعليمية واصطحابهم لجمعية حماية اللغة العربية وخضوعهم لمحاضرات وندوات ومنحهم شهادات فيها .

ومن جهته قال أحمد الكود معلم في مدرسة المهارات الحديثة في دبي: أقوم بتدريس اللغة العربية لطلاب الصفوف الخامس والسادس والسابع، ونختصر لهم الدروس لقلة عدد ساعات التدريس مقارنة بحجم المنهاج وبالتالي يصيبهم ضعف في هذه المادة، خاصة في ما يتعلق بالقراءة واستيعاب مادة النحو حصراً، و للأسف يصل الطلاب للصف التاسع أو العاشر وهم يعانون من ركاكة الخط العربي، ونعطيهم خلال تلك الفترة معلومات تفيدهم في الحياة العامة مثل القواعد، ونشدد أثناء الدروس والامتحانات، لكن إدارات المدارس تتساهل معهم كي ينجحوا، ورغم أننا نبلغ أولياء أمورهم بوجود دورات مجانية لأبنائهم في المدرسة خارج أوقات الدوام لا يستجيبون ولا يبالون بقيمتها ما ينعكس سلباً على أبنائهم .

وأشارت ليلى الزبدة رئيسة قسم اللغة العربية والتربية الإسلامية في مدرسة البحث العلمي في دبي إلى أنهم يتبعون نظام التعليم البريطاني . وقالت: نهتم كثيراً بالتربية الإسلامية واللغة العربية التي لا تقل أهمية عن الإنجليزية بالنسبة إلينا، والدليل أن مدرستنا نالت درجة متميزة في هاتين المادتين بشهادة هيئة المعرفة .

وأضافت الزبدة: نركز على اللغة لحفظ هوية الطلاب، لأنها أساس الدين والهوية الوطنية، لذا نحث أولياء الأمور على ضرورة التحدث بها في بيوتهم، ولا ننصح التحدث بالإنجليزية أثناء الاستراحات في المدرسة، ومنذ بداية رياض الأطفال نقوم ببرمجة عصبية ينال فيها الطفل العلوم باللغة الإنجليزية لتقوية المحادثة لديهم، باستثناء معلم اللغة الإنجليزية لأنه بريطاني .

ونرعى مسابقة قطار المعرفة منذ عام 1998 والهدف الأسمى لها دعم القراءة باللغة العربية، وبموجبها يقرأ الطلاب الكتب العربية، وفي السنة الماضية شارك فيها 13 ألف مشترك و 400 مدرسة من دول عربية وخليجية .

وقال حاتم مطاوع معلم لغة عربية في مدرسة الإبداع العلمي في الشارقة: لدي 24 طالباً من جنسيات أجنبية وعربية مختلفة، نعتمد على اللغة العربية في الحديث والحوار معهم في حصص اللغة العربية، وإن كانت هناك بعض الكلمات غامضة بالنسبة لبعض الطلبة أقوم بترجمتها إلى الإنجليزية، كذلك بالنسبة لدروس التربية الإسلامية والاجتماعية .

وأضاف مطاوع: أعمل مدرساً للغة العربية منذ 16 سنة ولاحظت خلال هذه الفترة أن حث الطلاب على الاهتمام بها يجعلهم يتقنونها بصورة صحيحة، خاصة أن مدرستنا إسلامية، ويوجد لدينا نسبة من الطلاب الأجانب يتقنون العربية أكثر من الطلبة العرب ويتفوقون في المواد التي تدرس بها عليهم .

وأكد أن العملية التعليمية تتطلب توافق الظروف بين المدرسة والطلبة وأولياء الأمور، الذين من واجبهم أن يكلموا أبناءهم وبناتهم بالعربية ويحثوهم على قراءة القرآن الكريم في البيت، وأن يكون هناك شيئاً من الالتزام من قبل المعلمين وإدارات المدارس بخصوص التكلم باللغة العربية الفصحى المبسطة وليس اللهجة العامية حفاظاً على اللغة العربية .

وعن تجربتهم قالت غادة أبو سميك مشرفة قسم الطالبات في المرحلة المتوسطة ومسؤولة قسم الناطقين بغير العربية في مدرسة دبي الوطنية، فرع الطوار: مدرستنا تلتزم بالمنهج الوزاري بالنسبة للغة العربية والتربية الإسلامية ولا نختصر شيئاً من المنهاج بل ندعمه ونضيف إليه المسابقات الدينية، مثل مسابقة أهل الله التي نستقبل فيها طلاباً من مدارس أخرى .

وأضافت يتكلم معلمو اللغة العربية والتربية الإسلامية بالعربية وفي بقية المواد بالإنجليزية، وخارج الدرس نحث الطلبة على التحدث بالعربية من باب الإثراء، ونخصص أسبوعاً للغة العربية للتشجيع والتكلم بها، ويتم التحدث بين العرب بلغتهم، وبينهم والأجانب بالإنجليزية، وهذا لا يؤثر على مستواهم في المستقبل، ودرس ابناي في هذه المدرسة وأحد منهم طبيب أسنان والثاني طالب دراسات دولية ولغتهما العربية قوية .

* * *

حماية اللغة مسؤولية الكل

في ظل انحدار العربية نحو نتائج مجهولة يلح السؤال: هل حمايتها هي مسؤولية جمعيات اللغة العربية أم مسؤوليتنا، خاصة أن هناك بيوتاً يتكلم فيها أهلها الإنجليزية ولا يولون لغتهم الأم أية أهمية وصولاً إلى مرورنا المتكرر أمام لوحات عربية في الشارع تحوي أخطاء لغوية؟ والأهم من ذلك كله، هل يكفي أن نريد تصحيحها من دون تدخل والإبلاغ عنها بحجة أنها واضحة للكل ولا تحتاج إلى من يشير إليها .

أشار سعدون أحمد محاسب إلى أن أول بوادر العزوف عن اللغة الأم تكون مع أولياء الأمور الذين يتفاخرون بتسجيل أبنائهم وبناتهم في مدارس أجنبية لتعليم اللغة الإنجليزية بطلاقة، ولكنهم لا يعلمون أن ذلك سيكون على حساب اللغة العربية الأم ودخول مفردات أجنبية فيها وركاكة في الكتابة، خاصة بالاعتماد على الوسائل الإلكترونية الكتابية، لذلك نجد الطلاب العرب يقعون في أخطاء صغيرة تكون معروفة عند سابقهم بفضل الاهتمام بلغتهم الأم والتربية الصحيحة التي كانوا يتلقونها على يد آبائهم وأمهاتهم .

وأضاف أحمد: الأغلبية يفضلون المدارس الإنجليزية على العربية، وقد يكون معهم الحق نوعاً ما إن قارنا الموضوع بالتوظيف الذي بات من أول شروطه إتقان الإنجليزية، لأنهم يأخذون في الاعتبار أن الموظف العربي يتقن اللغة العربية مسبقاً ولكنهم لا يعلمون أن هذا الشرط يكون سبباً في ضعف لغتنا .

وقال مصطفى زين العابدين مطوّر مواقع إلكترونية: من خلال احتكاكي اليومي بالمواقع الإلكترونية والاطلاع على التجارب العالمية في الحفاظ على اللغة اكتشفت أن شعوب أغلب دول العالم تتقن لغتها الأم بالإضافة إلى الإنجليزية كلغة ثانية ومنهم من يتقن لغة إضافية حسب ما تقضيه مصلحة عملهم أو اهتماماتهم وحياتهم الاجتماعية، وللأسف فإن بعضنا يجهل أهمية الإنجليزية وآخرون يهتمون بها بشكل مفرط، ما ينعكس سلباً على اللغة الأم، لذا لا بد أن يكون لدينا خط معتدل للحفاظ على لغتنا وإتقان اللغات الأخرى .

وبرأيه، فإن أكثر الأسباب التي تؤدي إلى ضعف لغتنا هي اعتماد الجيل الجديد على الكتابة عبر الوسائل الإلكترونية باللغة الإنجليزية، أو العربية بالحروف الإنجليزية التي لا يفهمها إلإ من يتعامل معها باستمرار . وقال: وهو إنذار خطر من تدهور لغتنا وتحول مسارها إلى منحى مغاير للذي رسم لها، وما يدعو للخوف من هذه الظاهرة هي ظهورها مع الوسائل الإلكترونية التي نتعامل معها الآن، ولا نعرف ما الذي سيخبئه لنا الزمن من ابتكارات علمية وأجهزة تواصلية جديدة، وبالتالي اتباع طرق قد يؤدي استخدامها السيئ إلى ضرر أكبر بعاداتنا وتقاليدنا المتبعة ولغتنا التي توحدنا .

وأشار سعيد مبارك موظف إلى خطر توجه بعض الأسر إلى تعليم أطفالهما مبادئ النطق باللغة الإنجليزية لاتقانها في المستقبل باعتبارها لغة العصر والدخول لسوق العمل من أوسع باب، والحقيقة أنهم يتجهون تدريجياً لنمط حياة أجنبي يتخلون فيها عن أهم مقومات الأسرة العربية، ألا وهو اللغة .

وأكد مبارك أنه يعد نفسه وكل رب أسرة مسؤولاً عن بناء مجتمع متكامل، خال من الشوائب، وأن الذريعة التي يتقدم بها الآباء والأمهات بخصوص اللغة الإنجليزية ومستقبل أبنائهم إنما هي مرض تفشى بين طبقة معينة من المجتمعات العربية وعدوى بالنسبة لآخرين . وأضاف: تربينا على تعلم لغتنا العربية وانتمائنا لوطننا وتعلمنا على مقاعد الدراسة اللغة الإنجليزية وصقلناها فيما بعد ونستخدمها في العمل بما يخدم مجالنا واختصاصنا، لذا فإن العودة إلى لغتنا ضرورة .

وأكدت شيماء عبدالرزاق ربة منزل أنها علمت من أكثر من أب وأم أنهم تعرضوا لمواقف عديدة نتيجة عدم اتقانهم الإنجليزية، ما جعلهم يتجنبون المواقف التي حصلت معهم فيها تلك المواقف كي لا تتكرر ويشعرون بالإحراج ثانية، وهو ما ضيّق عليهم أفق التعامل مع الآخرين، خاصة بالنسبة للأمور الضرورية في حياتهم، وكي يخففوا هذا العناء عن أبنائهم وبناتهم فإنهم يوجهونهم منذ صغرهم إلى تعلم الإنجليزية والتحدث بها لتعويض النقص لديهم .

وأوضحت أن الحقيقة ليست كما نتصورها نحن في أذهاننا، إذ أن أبناء وبنات هذه الفئة من الناس ينعزلون عن أقرانهم العرب ويتوددون أكثر في علاقاتهم الاجتماعية مع الأجانب والعرب الذين لا يتكلمون بلغتهم .

وأشارت أماني الفاروق ربة منزل إلى أنها ولدت في أوروبا وعاشت هناك إلى أن تزوجت من أحد أقربائها من الجزائر وأتت معه إلى الإمارات لغرض العمل . وقالت: طوال تلك الفترة لم أتكلم مع أهلي إلا بلغتي، على الرغم من اتقاني اللغة الفرنسية التي كنت أستعين بها في تعاملي مع الناس خارج البيت وفي الدراسة والعمل لاحقاً، وأتكلم مع ابني الصغير بلهجتي ولم أفكر مطلقاً في أن أعلمه لغة أخرى في مرحلة تكوينه الأولى، لأن اللغة في هذه المرحلة يكون لها تأثير بالغ على الطفل وتكوين شخصيته، خاصة أن الكثير من الناس فقدوا هويتهم عبر تخليهم عن لغتهم الأصلية وانخراطهم في مجتمعات أخرى .

عماد درويش كاتب ملفات قال: المادة التلفزيونية لها تأثيرها البالغ على تعلم اللغة، خاصة بالنسبة للأطفال، لذا لا أسمح لأطفالي بمتابعة أفلام الكرتون بالأجنبية كثيراً، كي لا يتأثروا بشخصياتها وبالتالي تقليدهم ولغتهم، بل التركيز على القنوات العربية التي تبث المحتوى نفسه، مع ترك المجال لتعلم اللغات الأخرى ولكن ليس على حساب لغتهم الأصلية .

وأعرب عبدالله المنصوري موظف حكومي عن حزنه الذي بلغ درجة كبيرة نتيجة الأخطاء اللغوية الواردة في اليافطات واللوائح وأسماء المحال والشركات التجارية في الطرق العامة لأنها تشوه الشكل الجميل لحروف اللغة العربية وتنقل رسالة خاطئة عن لغتنا إلى غير الناطقين بها .

وأشار المنصوري إلى أنه رغم سماعه شكاوى عبر المذياع تؤكد رغبة الناس بالاهتمام بهذه الجزئية المهمة في الشارع ولكنه ما زال يجد بعض الكلمات العربية المغلوطة في الطرق والشوارع من دون أن تثير اهتمام أحد بدليل أنه لا يتم تغييرها . وأضاف: رغم كل هذا يجب علينا أن نتكاتف للتشديد على من يكتبون اليافطات أن يكونوا من جنسية عربية ومتقنين لهذه اللغة نطقاً وكتابة كي نتخلص من هذه الأخطاء التي تلاحقنا ويزداد الخطر من تطورها أكثر أو الاعتماد على الإنجليزية بشكل تام، لأنها لغة العصر كما يدّعي بعضهم .