المنتج الصيني في كل مكان، حقيقة يعرفها الجميع، بل نعايشها يومياً، ولكن ماذا عن الثقافة الصينية؟ ما هو حجم معرفتنا بذلك الكيان البشري الضخم، والمساحة الجغرافية الشاسعة والحضارة الممتدة لآلاف السنوات؟ ربما يكون من باب الحرج إذا قلنا إن أسئلة عديدة تخرج من آفاق السؤالين السابقين ينبغي توجيهها إلى النخبة وليس المواطن العادي ، ماذا فعلت النخبة للتعرف إلى الصين؟ بل ما هي الخطة التي ربما فكرت فيها هذه النخبة لإجراء هذا التعرف؟ الموسيقا، المسرح، الشعر، القصة القصيرة . . إلخ مجالات يصل اطلاعنا على المنتج الصيني فيها إلى حالة الصفرية، تتحول الصفرية إلى كسور عشرية في حالة الفلسفة والرواية ويتصاعد مسار المعرفة ببطء عند الحديث عن السينما . . سينما العنف والسينما التجارية .

يقول الصحافي أحمد بزون عندما نتحدث عن الصين علينا أن ننتبه قبل كل شيء أننا نقصد دولة عظمى، بل قارة، يعود تاريخها الثقافي إلى ما بين 6 و7 آلاف سنة من الحضارة . فالثقافة الصينية ترتكز على إرث لا يستهان به، وهو ماثل أمام الصينيين، قبل العالم، من خلال المتاحف الكثيرة التي تنتشر في أنحاء المقاطعات الصينية، إذ ليس قليلاً القول إن عدد المتاحف في الصين سوف يبلغ 2500 متحف في العام ،2015 وان بكين وحدها، التي يساوي عدد سكانها عدد سكان العاصمة المصرية مثلاً، تحتوي اليوم أكثر من 140 متحفاً . لكن مشكلة الصين تكمن في ما تعرضت له من حروب، في مرحلة النهوض الثقافي الغربي، مع نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وفي قرار زعمائها الشيوعيين عزلها عن العالم بحجة تعزيز قدراتها الذاتية، وأحياناً عزل العالم لها بهدف خنق سياستها . ربما أتت سياسة الانفتاح متأخرة، لكنها أفضل من ألا تأتي، وانتبه الصينيون إلى مسألة انفتاحهم الثقافي على العالم، ليس كأولوية في علاقاتهم به، إنما كرديف للانفتاح الاقتصادي الذي ساد مع تجديد شباب القيادة الصينية . وحتى الآن لم يفكر الصينيون في استخدام الثقافة كسلعة تجارية، كما يفعل الغرب، فذلك يتضمن صعوبات كثيرة، على أن الأمر ربما يحتاج إلى وقت أطول حتى تدخل الثقافة الصينية في نسيج ثقافات العالم .

لا يزال العالم يتعامل مع الصين بحذر، ومنه العالم العربي، وهو يتعامل مع الثقافة الصينية كوافد غريب وسوريالي، وأحياناً كأنها تسقط من كوكب آخر . مع أن الصينيين يبذلون من جهتهم جهوداً كبيرة في سبيل أكثر من 700 برنامج للتبادل الثقافي مع العالم، شملت معظم الدول العربية، وهي تصدر حالياً أربع مجلات باللغة العربية، وتخصص 7 دور نشر للتعامل مع اللغات الأجنبية ومنها العربية، أما متعلمو اللغة العربية ففي ازدياد، وهم بعشرات الآلاف، بعضهم يتعلم لغرض دبلوماسي والبعض الآخر للتبادل الثقافي .

من جهة ثانية فإن الإقبال على اللغة الصينية، حاملة الثقافة الصينية، من قبل العرب، لا يزال ضعيفاً، ففتح عدد قليل من صفوف اللغة الصينية في جامعات عربية لا يزال شكلياً . كذلك هي الترجمة، فالصينيون لديهم رغبة في ترجمة بعض التراث العربي، وهم ترجموا جبران خليل جبران مثلاً، في بداية ثلاثينات القرن الماضي، ويترجمون الكثير من التراث العربي، لكن دولاب الترجمة العكسية لم يتحرك بعد، وما نقرأه عن الثقافة الصينية مترجم عن لغات أخرى، وكتّابه في غالب الأحيان ليسوا صينيين .

نعم استطاعت الصناعات الصينية غزو العالم، لكن الثقافة الصينية لم تتعدَ بعدُ التأثير في دول الجوار، أي في الثقافة اليابانية التي اعتمدت في لغتها الكتابة الصينية، والثقافة الفيتنامية والكورية والماليزية والإندونيسية، وانتشرت فيها حكاياتها الشعبية وأساطيرها وأديانها . بعض المثقفين الصينيين المهاجرين نقلوا معهم تجاربهم، ومُنحوا جوائز عالمية، إلا أن هذه الجوائز كانت محط اعتراض صيني رسمي، ولم يرحب النظام في بكبن بجائزة نوبل للآداب التي منحت لغاو كسينغ جيانغ، وحذرت من منح جوائز أخرى للمنشقين . وهذا جزء من ارتباك السياسة الثقافية الصينية في العالم .

مهما يكن، فإن جذور العلاقة العربية - الصينية التي تمتد من زمن طريق الحرير، وزمن رحلات ابن بطوطة، الذي وصل إلى أطراف الصين الجنوبية، وزمن صحابة الرسول صلى الله، الذين لا يزال ضريحا اثنين منهم قائمين في إحدى مدن الجنوب الصيني، إن جذور العلاقة الثقافية تلك يمكن أن تكون أساساً تبنى عليه علاقات، تبقى غير مرتهنة للأغراض التجارية .

حضور

ويقول الفنان التشكيلي فيصل سلطان: إذا تذكرنا الحديث النبوي الذي يقول: اطلبوا العلم ولو في الصين، فلا بد أن نكتشف مرارة الحال التي نحن عليها اليوم بخصوص ما نعرفه عن الثقافة الصينية وعلاقتنا الواهية بها . والأنكى أن هذه العلاقة ليست واهية في الطرف الآخر، إذْ نسمع ونقرأ بين الحين والآخر عن مبادرات وخطوات ومشاريع للتبادل الثقافي من قبل الجهات الصينية، ولا نجد لها صدى أو شيئاً ملموساً عندنا . والحقيقة أني لا أعلم ما هي الأسباب التي تجعل هذا التبادل ضعيفاً وغير فاعل .

منذ أيام قرأت نصاً كتبه الشاعر العراقي سعدي يوسف لمناسبة صدور ديوانٍ له مترجماً إلى اللغة الصينية، وجاء فيه أن عميد قسم الدراسات العربية في جامعة بكين أخبره بأنه يُشرف حالياً على مشروع ضخم لترجمة 400 شاعر عربي من مختلف العصور إلى الصينية . والسؤال هو: هل هناك أي مشروع عربي معلن لترجمة الأدب الصيني إلى لغة الضاد؟ لا نريد أن نترجم نفس العدد من الشعراء، بل نريد على الأقل أن يكون حضورنا لائقاً ومتناسباً مع الصورة الثقافية والحضارية التي نتمناها لأنفسنا في العالم .

علينا أن نعترف أن التنين الصيني حاضرٌ في وعينا من خلال السياسة والاقتصاد وليس من خلال الثقافة والأدب . نعرف بعض الأدباء الصينين، وخصوصاً المنفيين أو المنشقين الذين يعيشون خارج الصين كما هي الحال، على سبيل المثال، مع غاو كيسينغيان حامل جائزة نوبل، وداي سيجي الحاصل على غونكور، وليونغ تشانغ صاحبة بجعات برية، ووي هيوي صاحبة شانغهاي بيبي، لقد قرأنا لهؤلاء روايات مترجمة إلى العربية، ولكن هذه الترجمة كانت انعكاساً لشهرة هؤلاء الكتاب ونجاحاتهم في الغرب .

الصينيون يعملون على تحسين صورتهم وإبراز حضورهم من خلال وسائل متعددة . لقد قرأت قبل أشهر أن الصينيين أطلقوا قناة تلفزيونية تبث باللغة العربية، ويمكن مشاهدتها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا . وكانت فكرة القناة واحدة من نتائج ندوة الحوار بين الحضارتين الصينية والعربية التي عقدت في بكين عام 2005 أتذكر أن تلك الندوة تضمنت اتفاقات وخططاً عديدة للتبادب الثقافي بين الجانبين العربي والصيني، ولكننا على مستوى الحياة الثقافية اليومية لا نلمس تغيراً ملموساً لهذه الخطط . هل تم تنفيذها؟ ما هي العوائق التي تمنع الجانب العربي من القيام بما هو مطلوب منه؟ أسئلة وأسئلة بلا إجابات شافية .

تجارب أخرى

ويرى د .عبد العزيز حمدي أستاذ الدراسات الصينية بكلية اللغات والترجمة جامعة الأزهر أن العلاقات الثقافية بين العرب والصين ليست على المستوى المطلوب، فالصين حضارة قبل أن تكون دولة، وكل ما نعلمه عن الصين أنها بلد ناء وبعيد ونحن نتحدث عن بلد تاريخه الحضاري يمتد تاريخه إلى ثلاثة آلاف عام والتاريخ هو عصر المعرفة في الصين والتاريخ في نظر المؤرخين هو ثقافة الصين .

ونصيبنا من الثقافة الصينية في العالم العربي قليل وتكاد تقتصر معارفنا على كونفوِشيوس المعلم الأول في الصين الذي استحوذ على أفكار وأقلام بعض الكتّاب في وطننا العربي، وصدرت بعض الكتب في هذا الخصوص انطلاقا من اهتمامنا بالحكمة والثقافة الصينية في إطار دراسة الفلسفات القديمة .

حاجتنا إلى دراسة الثقافة الصينية تزداد لأنها ثقافة فريدة ومتنورة ومغايرة عن الثقافات الأجنبية خاصة في الغرب، فكل شيء يرتبط بالثقافة والتاريخ، وقد بدأ التأثير والتأثير الحقيقي بين الثقافتين العربية والصينية مع دخول الإسلام الصين عام 615م حيث قام التجار العرب بنقل البضائع العربية إلى الصين وعادوا محملين بالبضائع الصينية وخاصة الحرير، ومع تقادم الزمن استقر هؤلاء التجار المسلمون في المدن الصينية وخاصة في الموانئ الساحلية وتزوجوا من السكان المحليين .

وأسهم هؤلاء المسلمون في تحقيق الاندماج بين الثقافتين بل ونشأ جيل من المسلمين الصينيين في الوقت الحاضر يجمع بين الملامح الثقافية العربية القديمة والملامح الصينية الحديثة، وأسهم العديد من العلماء المسلمين في إثراء الثقافة الصينية . ويكفي أن نعلم أن مخطط ومؤسس مدينة بكين عاصمة الصين هو عربي مسلم، كما استخدم التقويم العربي الإسلامي في الصين لعدة مئات من السنين وزادت السفارات العربية في الصين في عهد الدولتين الأموية والعباسية .

إن أوروبا تهتم بالثقافة الصينية أكثر منا، فهناك أقسام للدراسات الصينية في كل جامعات أوروبا، وليس اللغة الصينية ففي مصر والعالم العربي لا توجد مثل هذه المراكز والأبحاث وهذا يحمل رؤية قاصرة تجاه الثقافات الأجنبية . فنحن نحتاج إلى رؤية خاصة لمعرفة الطريق إلى الثقافة الصينية . إذا كنا نطمح إلى الاستفادة من تجارب الدول الأخرى .

غياب

ويؤكد الروائي يوسف القعيد أننا لا نكاد نعرف شيئا عن الثقافة الصينية بالرغم من الوصايا القديمة التي تحث على النهل من الثقافة والحضارة الصينية المتميزة منذ فجر التاريخ، وقد ذهب الرحالة العربي ابن بطوطة إلى هناك عندما كلفه ملك الهند بزيارتها لرؤية الأوضاع هناك وتوطدت علاقتنا بالصين طوال فترة الستينات من خلال حركة عدم الانحياز .

لقد ترجمت روايتي أخبار عزبة المنيسي إلى الصينية من خلال شاب صيني كان يسكن في الدقي وأحضر نسخة هدية من الرواية إلى منزلي في مدينة نصر وقطع المسافة راكبا على دراجته وكان يحمل وردة أهداها لي ولمحت قوة الإصرار والحرص على توفير الوقت والنقود والاهتمام بالرياضة والقوة البدنية، ونحن كنا نركز في الأعوام الماضية على اليابان والتفتنا مؤخرا إلى الاهتمام بالصين لسببين، الأول الطفرة الاقتصادية التي حققها الصين حين صارت أكبر اقتصاد في العالم بعد أمريكا وغزت صناعتها أقطارنا العربية .

الثاني: استطاعت الصين التغلغل إلى أعماق إفريقيا وأقامت مشاريع استثمارية وشراكة مشتركة مع معظم الأقطار الإفريقية، فمن باب أولى أن نوطد علاقتنا مع هذه الإمبراطورية الصاعدة لأننا في الهم شرق وهي أقرب إلى ثقافتنا من الثقافة الأوروبية .

تليمة

أما د . عبدالمنعم تليمة فيرى أن العلاقات الثقافية بين العرب والصين تمتد إلى أعماق التاريخ وعندما أعلنت الجمهورية في الصين الشعبية عام 1949 كانت مصر من أوائل الدول التي اعترفت بها وفي هذا الوقت كان العالم الغربي لا يعترف بالصين الكبرى وكان فقط يتعامل مع تايوان .

وبدأت أولى خطوات تدعيم العلاقات بمجال الثقافة ففي عام 1956 عندما كنت طالبا بجامعة القاهرة، أرسلت الصين طالبين للدراسة بالجامعة الأول كان اسمه سالم الذي أصبح أكبر متخصص في دراسات الشرق الأوسط في الصين، والثاني صالح أصبح القنصل العام لجمهورية الصين الشعبية الديمقراطية في الإسكندرية . وقد أنشئت الجامعة الصينية في مصر مؤخرا لتكون نافذة على الثقافة الصينية، وهناك أقسام لدراسة اللغة الصينية في كلية آداب جامعة القاهرة وكلية الألسن بجامعة عين شمس وإذا كانت اللغة الصينية تمثل عائقا في التواصل إلا أن هذا العائق تم التغلب عليه باللجوء إلى لغة وسطى وهي الإنجليزية للاطلاع على كنوز هذه الثقافة العريقة .

شراكة

تقول الكاتبة الموريتانية أم كلثوم بنت أحمد إن واقع العلاقات الثقافية العربية الصينية يندرج على العموم ضمن واقع علاقة الثقافة العربية مع ثقافات الشرق الآسيوي، وإن كان التبادل أقل بين الثقافتين الصينية والعربية قياسا إلى الثقافات الأخرى، مشيرة إلى أن تاريخ هذه العلاقات قديم وربما بدأ قبل نقل العرب للورق من الصين إلى العالم . ولكن سنصاب بالدهشة في الوقت الراهن إذا سألنا عن حجم الترجمة من الصينية إلى العربية والعكس، والذي لا يناسب بأي حال ثقافة المليار نسمة وحركيته في المشهد العالمي اقتصادياً وسياسياً وثقافياً وتكنولوجيا .

إن الصينيين كانوا مؤثرين في أجيال من الأدباء والمثقفين العرب وخاصة خلال فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي، فقد وجدت مفردات الأدب الأحمر طريقها بقوة إلى المنتج الإبداعي العربي، حتى أقصى الغرب العربي في بلد كموريتانيا، فإن قصائد وأدبيات وخطابات اليسار الموريتاني مثلا تعتبر نموذجا لذلك التأثر، واضرب المثل بديوان أصداء الرمال الذي يبدو فيه التأثر واضحا بالأدب والفكر الصينيين، كما شكل هذا الفكر والأدب تيمات للعديد من الروايات والقصص والقصائد في عدة أقطار عربية أخرى .

إن المارد الأصفر يتجه حتما لاكتساح العالم ككل ثقافيا، أو على الأقل ترسيخ جذور مؤثرة وقوية لثقافته في ثقافات الشعوب الأخرى، بعد أن خطا خطوة مفاجئة وسريعة لاكتساح العالم اقتصاديا وتجاريا، ومن المعروف أن الاقتصاد والتجارة يمهدان الطريق للتبادل الثقافي والهيمنة الثقافية ربما .

وتضيف أن حجم التبادل التجاري بين الصين والعالم العربي لا يوازيه في الوقت الراهن حجم التبادل بين الثقافتين، بل قد يشكل بين الفارق بين الاثنين رقما صفريا يدعو للسخرية، ولعل ذلك جزء من صورة أشمل عن التبادل الثقافي العربي مع الآخر .

الشاعر محمد عبدالله ولد عمر يقول في الوقت الذي نستهلك فيه كما هائلا من المنتوجات الصينية، صناعية، وغذائية، وغيرها، واستهلكت فيه أجيال عربية كاملة ثقافة الفكر السياسي الشيوعي الصيني، نرى أن مستوى العلاقات الثقافية العربية الصينية في موقع متدن بشكل لافت للنظر، باستثناء قلة من النخبة فإن الثقافة الصينية لم تصلنا بشكل ثقافي راق، وإنما بشكل قشور . . أغان وأفلام كارتيه، وكتب أدبية قليلة . . ولا أتحدث عن النخبة، بل عن الثقافة التي تلج إلى الجمهور، وساير ذلك إهمال عربي كبير لنشر الثقافة العربية في الصين، حتى أن تقريراً صحافياً عن مسلمي الصين يصيب بعضنا بالدهشة .

ومن المفارقة أن الصين أخذت المبادرة فأدخلت اللغة العربية الى بعض جامعاتها، وسعت لأن تدرس لغتها في الجامعات العربية، على حسب علمي على الأقل في المغرب وموريتانيا، وأسست إعلامها الناطق باللغة العربية، والذي هو في النهاية حاضنة ثقافية وناقل للفكر والفن والأدب الصيني، وذلك في مسعى ذكي من هذا البلد الذي يحمل توجهه توسعا سلميا قائما على الانفتاح والتعاون والسلم والاحترام، عكس التوجه الغربي القائم على الهيمنة والغطرسة .

أما الجانب العربي فكان غائبا عن التأثير في الثقافة الصينية الحديثة قياسا إلى محاولتنا الخجولة، وغير الموفقة بتاتا، في التأثير ثقافيا في الغرب، ومن المشروع السؤال عن ضرورة تحالف ثقافي عربي صيني بمواجهة تحديات العولمة الهيمنة العولمية الغربية . ويبدو لي أن آفاق العلاقات الثقافية العربية - الصينية سترسم من جانب واحد هو الجانب الصيني، وهذا للأسف، هو الواقع مع الثقافات الأخرى التي يقرر الطرف الآخر حجم التبادل فيها معنا .

الكاتب الموريتاني الحسين ولد محنض يقول الثقافة العربية والصينية تنتميان لما يعرف بالثقافة الشرقية، وهناك كم كبير وموروث ثقافي ضخم أنتجته الثقافتان، بعض هذا الموروث موروث ثقافي روحي تجاوز المنطقة إلى العالم أجمع، كما أن هناك الكثير من القيم المشتركة بيت الشعبين العربي والصيني فرضتها قيم الجوار والجغرافيا، وهناك إيمان بمجموعة قيم مشتركة على الصعيدين الفكري والاجتماعي كما أن للثقافتين دورا كبيرا وعميق التأثير في الموروث الثقافي الإنساني بصفة عامة .

إلا أن التبادل الثقافي في الواقع، خلال الفترة الراهنة، لا يرقى إلى مستوى الطموح، وهناك تقصير كبير من الجانب العربي في هذا المجال، فإذا كان هناك توجه شعبي عربي وقبول للمنتج الصيني الصناعي والثقافي والفكري، فإن الجانب الرسمي العربي أهمل تماما هذا التوجه ولم يواكبه، وربما يعود ذلك إلى أن الجانب العربي الرسمي غالبا يدور في فلك حضارة مضادة ومنافسة للحضارة الصينية .

أما عن آفاق العلاقات الثقافية العربية الصينية، فمن الملاحظ أن هناك توجها رسميا في الصين يقضي باختراق الأسواق العربية واحتلالها استهلاكيا، ويواكبه إقبال متزايد من الصينيين على تعلم اللغة العربية داخل الصين وعبر بعثات اكتساب اللغة، وهي بعثات لا تقف مهمتها عند تعلم اللغة العربية نطقا وكتابة وإنما الاستلهام من الموروث الثقافي العربي والاستفادة منه، وربما إعادة تدويره ليساهم في النهضة الثقافية التي تسعى الصين لتواكب نهضتها الاقتصادية .

مدخل غربي

علينا أن نعترف أن التنين الصيني حاضرٌ في وعينا من خلال السياسة والاقتصاد وليس من خلال الثقافة والأدب . نعرف بعض الأدباء الصينين، وخصوصاً المنفيين أو المنشقين الذين يعيشون خارج الصين كما هي الحال، على سبيل المثال، مع غاو كيسينغيان حامل جائزة نوبل، وداي سيجي الحاصل على غونكور، وليونغ تشانغ صاحبة بجعات برية، ووي هيوي صاحبة شانغهاي بيبي، لقد قرأنا لهؤلاء روايات مترجمة إلى العربية، ولكن هذه الترجمة كانت انعكاساً لشهرة هؤلاء الكتاب ونجاحاتهم في الغرب .

وافد غريب

لا يزال العالم يتعامل مع الصين بحذر، ومنه العالم العربي، وهو يتعامل مع الثقافة الصينية كوافد غريب وسوريالي، وأحياناً كأنها تسقط من كوكب آخر . مع أن الصينيين يبذلون من جهتهم جهوداً كبيرة في سبيل أكثر من 700 برنامج للتبادل الثقافي مع العالم، شملت معظم الدول العربية، وهي تصدر حالياً أربع مجلات باللغة العربية، وتخصص 7 دور نشر للتعامل مع اللغات الأجنبية ومنها العربية، أما متعلمو اللغة العربية ففي ازدياد، وهم بعشرات الآلاف، بعضهم يتعلم لغرض دبلوماسي والبعض الآخر للتبادل الثقافي .