العرض المسرحي لعبة من صنع الناس، وتتشكل هذه اللعبة من لاعب ومتفرج يبدع كل منهما في تشكيل قواعدها التي تنص في أهم ماتنص عليه حضور المتفرج الذي يعي قواعد هذه اللعبة، والذي يكون مهيأ إلى أن يحدث اللعب به آثارا انفعالية نفسية جمالية استيعابية.

يؤكد المخرج والفنان عبدالعزيز المسلم في كتابه الإخراج المسرحي على أن علاقة العرض المسرحي مع الجمهور تتوطد عندما يحدث أي من الطرفين سواء اللاعب أو المتفرج أو كلاهما معاً تغييراً بقواعد اللعبة، ويقول إنه بتكرار هذه العملية أي التأثير المتبادل بين الطرفين تعددت أشكال العروض المسرحية في العالم على مر الزمان. ويؤكد المسلم أن المسرح ظاهرة تتقاطع في دراستها عدة حقول معرفية منها الفلسفة وعلوم النفس والاجتماع والتاريخ والنقد الأدبي وعلوم وظائف الأعضاء الفسيولوجيا والسيميوطيقا علم العلامات والفنون التشكيلية، وغيرها وإن كان يرى أن الفلسفة هي الباب الأقرب للدخول منه لنعقل إشكالية علاقة العرض المسرحي بالجمهور.

ويطرح المسلم عدداً من الإشكاليات في صورة تساؤلات تحاول سبر أغوار أبعاد الموضوع الذي يتناوله، وتضع يد القارىء على جوهر العلاقة بين المسرح والجمهور، ومن أهم هذه التساؤلات لماذا تعرض المفهوم التراجيدي الاغريقي للموت وانتهى على يد صناع النهضة المسرحية في القرن التاسع عشر، ولماذا لم يستطع الصمود وحلت محله الدراما الحديثة، كما يتساءل عن ماهية التجريب ولماذا اعتمد كشكل مسرحي لجأ إليه المسرحيون وهل أفاد بالفعل في تطور مفهوم المسرح وهل كان تأثيره بالسلب أم بالإيجاب على علاقة المسرح بالجمهور، كما يطرح تساؤلات حول مدى صحة القول إن التقليدية تورث التمرد وأن المسرح من حيث هو تقليدي أصبح بالضرورة فناً متمرداً في عالم كعالمنا تتغير فيه كل الشوائب عند تعرضه للتراجيديا.

ويقول المسلم إنه كلما اقتربت التراجيديا من الطابع الإنساني كلما زاد الأثر التراجيدي الذي تحدثه، وهذا ما يفسر إقبال الجماهير اليونانية على مسرحيات سوفكليس عندما فقأ عينيه، ذلك الشعور الإنساني عند إحساسه بالإثم والجريمة، ويرصد المسلم التغير قائلاً: عندما انتقلت الدراما الحديثة من تصوير الحياة الخاصة إلى تصوير الحياة العامة هجرت اللغة الشعرية إلى اللغة النثرية، وظهر الرجل العادي، ومات الرجل غير العادي، فالرجل العادي لم تترك له ظروف حياته ومشغوليات مستقبله وقتاً كي يتغنى شعرا، أو يضفي على حديثه سحرا، وإذا كان ذلك يعني موت التراجيديا، فإنه يعني مولد شكل آخر أجدى وأنفع وأكثر تناسباً مع العصر حيث لم تعد للأرستقراطية تلك القوة والسلطة التي كانت أيام اليونان والكلاسيكية، وحيث لم يعد البطل ضحية قوى علياً غيبية، أي حيث تغير المجتمع وبدأت الفلسفة الحديثة وغيرها تتدخل بشكل كبير في تشكيل الفعاليات ومناحي التفكير، ولذلك فقد قدم صناع التراجيديا والفن في مجمله أبطالا من طبقات أخرى وظهرت قضايا مختلفة تعبر عن عصرها وعن واقع الناس الحياتي.

ويؤكد المسلم أن إدراك المخرج متطلبات العالم المحيط به وفهم رغباته واحتياجاته، والبدء في الاتصال الناجح به من خلال عناوين اللعبة المسرحية فإن ذلك يتطلب منه أن يدرك جميع المداخل الأخرى من علوم الاجتماع والتاريخ والدين والاقتصاد والجغرافيا والعلوم والفنون وعلم النفس والمنطق والجمال والفلسفة إلخ.

ويرصد المسلم بواكير ظهور المخرج في المسرح مؤكدا أن القائد في الفن بشكل عام بدأ في الظهور من خلال الجوقة الجماعية، عندما أخذت الترنيمة المقدسة تتحول إلى أنشودة تمجد الحاكمين، ومع تطور قائد الجوقة لما لديه من موهبة في الارتجال والاختراع إلى شاعر منشد يرتل أشعاره في بلاط الملوك من دون جوقة.

العناصر الخمسة

ويتطرق المسلم إلى العناصر الخمسة الفاعلة بالنسبة للمخرج المسرحي وهي العناصر التي يقوم عليها عمل المخرج وهي أولاً التفسير والتصور الذي يهتم بكيفية تشكيل الصورة الذهنية الناتجة عن فهم المخرج لنص أثناء معايشته وتوصله إلى رؤية ناتجة عن فهمه لنص وهذه المرحلة تعرف باسم التجربة الانفعالية الجمالية، ثم تأتي بعد ذلك المرحلة التالية أو العنصر الثاني من العناصر الخمسة الفاعلة بالنسبة للمخرج وهي مرحلة الأسلوب، ويعني به المسلم الشكل الذي يجسد به المخرج العمل الفني، وفي هذه المرحلة يستخدم المخرج كل أدواته ويدمجها بصياغة فنية مع بعضها بعضاً لتحدث أثرها على المتفرج لأن الأسلوب هو الطريقة الفعلية التي نراها أمامنا بكل ما تحمله من مفردات ومميزات خاصة ترتبط بفهم المخرج للعمل وبأهداف أخرى، فالشكل يحمل المضمون، ولا يمكن فصلهما عن بعضهما بعضاً.

ويولي المسلم اهتماماً كبيراً بالمتفرج، بل إنه يجعله العنصر الثالث المهم من العناصر الخمسة الفاعلة بالنسبة للمخرج المسرحي بعد التفسير والأسلوب حيث يقول إن المتفرج يحضر إلى العرض المسرحي وهو مهيأ إلى أن يتقبل هذا الواقع الفني ويتفاعل معه ويتخيله على أنه واقع معاش فيتفاعل معه، وهي ظاهرة نفسية يجب أن يستغلها المخرج، وعلى المخرج أن يعي هذا التأهيل النفسي للمتفرج وهذه التهيئة قبل دخوله للعرض المسرحي.

ويمثل الايقاع عنصراً فاعلاً في تشكيل رؤية المخرج المسرحي ويأتي رابعا في العناصر الفاعلة بالنسبة للمخرج المسرحي ويعرف الإيقاع كما يقول المسلم بنوع خاص في المسرح التقليدي، والغرض منه هو خلق انسجام وتوافق بين أجزاء العنصر المسرحي الواحد أو بين العناصر كلها، والإيقاع في التمثيل هو ملاحظة التآلفات الصوتية والحركية ومدى ارتباطاتها، أما الإيقاع في الإخراج فيدل على العلاقة الانسجامية بين الإضاءة والمناظر والتمثيل والموسيقا، وغيرها وهو التنوع بين والتناغم والتناسق بين مفردات العرض المسرحي.

وكل ما يشاهد ويسمع له إيقاع بصري وإيقاع سمعي، ويتأثر المتفرج نفسيا بما يراه أكثر من السمع حيث للمفردات البصرية تأثيرها في المتفرج أكثر من المفردات السمعية، والرتابة هي عكس الإيقاع، وتعني جريان أي مفردة سمعية أو بصرية على وتيرة واحدة، ولذلك على المخرج توظيف التنوع في المفردات البصرية والسمعية في إطار التبرير الدرامي والتنوع بالقدر المتاح من خلال مفردات الإضاءة نوعية ودرجة وحركة اللون والديكور اللون والخط والكتلة في الفراغ وحركة الديكور وتلاحم الشخصية مع الديكور وحركة الإضاءة مع الديكور وعلاقة المستويات وعلاقة الخشبة والممثل الذي يعد عنصراً مهماً في صنع الإيقاع وأثره في المتفرج من خلال تصرفاته وانفعالاته وإحساسه الذي يترجم إلى أشياء محسوسة لدى المتفرج وإيماءاته وإشاراته وحركته وأدائه.

ومن مفردات العرض المسرحي الأزياء التي تفسر للمتفرج مكان وزمان الشخصية ووصفها الاجتماعي والاقتصادي ووظيفتها، وتناسق وتناغم الأزياء مع بعضها بعضاً من حيث اللون والشكل وتناسقها مع الديكور والإضاءة لاشك أنه يدعم دراميا الإيقاع العام للعرض المسرحي، وإلى جانب الإيقاع البصري يلعب الإيقاع السمعي الممثل في الصوت أيضا دوراً ويكون له تأثيره في المتفرج ويتكون من الأداء الصوتي للممثل والمؤثرات الصوتية والموسيقا الدرامية والموسيقا المصاحبة ونوعية الصوت ودرجاته وطبقته وحركته.

أما العنصر الخامس والأخير الفاعل بالنسبة للمخرج المسرحي والذي يتوقف عنده المسلم فهو المعايشة حيث يتعايش المتفرج ويتفاعل مع بقية العناصر الفاعلة في الإخراج ويكون جزءا منها وتأتي الإضاءة والديكور والأزياء والموسيقا ضمن صياغة واحدة تشكل العمل المسرحي الذي هو عملية تفاعلية مباشرة إذا كسرت أحدثت لبساً للمتلقي معايشة المتفرج وتسببت في خلل في العرض المسرحي حيث المعايشة جزء من العرض المسرحي.