إذا نظرنا إلى كتاب الشعر لأرسطو فسنجده يقوم بوصف مجموعة من السمات المشتركة الموجودة في الأعمال الدرامية لمن سبقوه محاولاً تقييمها، فأرسطو لم يحاول بأي حال من الأحوال أن يضع مجموعة من القواعد التي تحدد ماهية الدراما بشكل تعسفي والتي لا يجوز الخروج عنها .
ومع مرور الزمن تحول البحث النقدي الوصفي الذي كتبه أرسطو إلى مجموعة من القوانين التي يجب أن يلتزم بها الكاتب في عمله الإبداعي، نتيجة للفهم الخاطئ الذي وقع فيه شراح عصر النهضة ونقاد الكلاسيكية الجديدة، فهذه القوانين تضخمت إلى أن أصبحت سلطة عليا تحاكم كل من يحاول الخروج عنها أو تحطيمها، إلا أن هذه القوانين أثبتت إخفاقها ذلك لأن تاريخ النقد يؤكد أن أهم الأعمال الدرامية هي الأعمال التي حطمت القوانين وانتهكتها .
وهنا نؤكد أن المسألة ليست مجرد قواعد نقدية بقدر ما هي تحولات تعبر عن روح العصر لتقوم النظرية النقدية بالتنظير في ما بعد، ومن خلال رصدنا لوضع الدراما في العصر الحديث سنجد أن الأدب المطبوع أصبح في حالة تراجع واضح أمام النصوص القابلة للأداء عبر الوسائط السمعية والبصرية وهذا ما يمثل- في حد ذاته- أهم ملامح تكوين النص في القرن العشرين والمتمثلة في جعل الفنون البصرية تأخذ مكان الصدارة مقابل تهميش اللغة الكلامية، وقد ظهر هذا التهميش واضحاً بدوره في الدراسات اللسانية اللغوية في القرن العشرين (لدى سوسير وبيرس في الوقت نفسه) التي قامت على إفراغ اللغة من محتواها على اعتبار اعتباطيتها، فاللغة/ الكلمة أصبحت علاقة بين دال ومدلول، فالكلمة/ العلامة اللغوية= دال/مدلول .
وهذا ما جعل نص العرض له طريق مختلف جذرياً في رؤية وتفسير العالم، إذ إنه أصبح في خدمة الصورة ومكوناتها الفنية، وهذا ما جعل كثيراً من المنظرين- أصحاب التصورات المسبقة- يضعون فصلاً تاماً بين نص العرض ونص المؤلف، وأنا أرى أنه تصور تشوبه الكثير من الاحتمالات في مدى مصداقيته العلمية، لأن دراستنا لطبيعة هذا النص تتطلب منا دراسته بشكل يواكب العصر الذي يعيش فيه، وما يفرضه عليه من تطورات تجعله يمتلك إمكانات جديدة وخلاقة .
ومن جانب آخر فإن العلوم الإنسانية تقوم على آلية التراكم التاريخي، لهذا لا يجوز أن ننزع النص الدرامي فجأة من سياقه، في كونه نصاً مكتوباً يعتمد على القص والحكاية- بأسلوبه الخاص الذي يفرضه عليه وسيط العرض .
يقول الناقد بوريس اوسبنسكي أثناء تفريقه بين أنواع الإدراك التي تقوم عليها الفنون في الفن التصويري يحدث الإدراك في إطار المكان في الأساس وليس في الزمان بالضرورة، بينما يحدث الإدراك في الأدب قبل كل شيء في سياق زماني ويبدو أن الفيلم والمسرح يفترضان درجة مساوية إجمالاً من التحديد على كل من المستويين الزماني والمكاني . وبهذا يضع اوسبنسكي مجموعة من الشروط الحاسمة في تحديد العمليات الإدراكية التي من خلالها تتم عملية التلقي للشكل الفني، فهو يحدد إدراك النصوص المطبوعة داخل الزمن بشكل أساسي، وإن كان يفتح لنا مجالاً لاكتشاف المساحات الأدائية المضمرة، وذلك من خلال إشارته إلى الآلية التي يتم من خلالها إدراك الفنون الأدائية، التي يتم إدراكها على المستويين الزماني والمكاني، وفي الحقيقة يتساوى في تلك المسألة السينما والمسرح، وهو ما يجعلنا نؤكد السمة المشتركة التي تجمع النص المكتوب لكلا الفنين، فالنص المسرحي- منذ نشأته- نجده يعرف بكلمة دراما والتي اشتقت من الأصل اليوناني Dran ومعناها الحرفي يفعل أو عمل يقام به، ثم شاعت بوصفها دالاً على كل الفنون الدرامية، التي تختلف عن الفنون غير الدرامية- حسب أرسطو- من حيث المادة والموضوع، الطريقة . فالدراما تحاكي فعلاً/ أداءً . يقول ارسطو الذين يقومون بالمحاكاة يحاكون أناساً يفعلون، ومن قبل أرسطو نجد أفلاطون الذي يشير إلى أن الشعر يعالج موضوعاته إما بوساطة السرد الخالص- وهو يقصد به الشعر الغنائي- أو بوساطة التشخيص- أي الدراما- أو بوساطة المزج بين كل من السرد والتشخيص- الملحمة . إذ لم ينظر الأقدمون من صناع الفن الدرامي إلى الدراما إلا بوصفها أحد الأنواع الأدبية المهمة التي تحتاج إلى دراسة وبحث في بنائها الذي يضمن تأثيرها في المتفرجين، ونجد مما سبق أن انتماء الدراما إلى فنون الأداء هو انتماء وجود .
وبهذا يصبح النص والعرض كياناً واحداً، كل منهما لا يتحقق وجوده إلا من خلال الآخر، وتأكيداً على ذلك تقول آن اوبراسفيلد إن العرض المسرحي بالمعنى الواسع، سابق بشكل ما، على النص، فهو قائم لحظة الكتابة نفسها في ذهن الكاتب، وهو يكتب بينما تتمثل تقاليد الدراما الشائعة وتقاليد التمثيل الممكنة . . . الخ .
ولنأخذ على سبيل المثال افتتاحية أحد أشهر المؤلفات المسرحية وهي هاملت للكاتب الإنجليزي وليم شكسبير، الذي يكشف الأخير من خلال الافتتاحية اللفظية/الحوارية سياق الحركة- الصوت- الزي الانفعال . . الخ .
برناردو: من هناك؟
فرانسسكو: بل أنت أجب! قف واكشف عن نفسك .
برناردو: عاش الملك!
فرانسسكو: برنردو؟
برناردو: أجل أنا .
فرانسسكو: جئت بموعدك بكل دقة . شكراً لمجيئك بديلاً لي، البرد قارس وفي صدري ضيق .
ففي الحوار السابق نستطيع أن نتلمس بدقة العديد من الأشياء المرتبطة بالأداء الفني، بداية من تحديد الزمان والمكان، فالمكان عبارة عن خلاء في أطراف المدينة للحراسة، أما الزمان ففي ليلة من ليالي الشتاء، إضافة إلى درجة الصوت التي بدأت مرتفعة وتحمل انفعالاً به الكثير من الحزم، ثم انخفاض الصوت تدريجياً وارتياح الانفعال المصاحب له بعد التعرف إلى ماهية الشخص القادم، وكل هذا يفرض طبيعة خاصة للإضاءة التي من المفترض أن تعطي إحساساً بالظلمة وغموض القادم إلى مكان الحراسة، هذا إضافة للإيماءات المصاحبة للحوار والتي تشير إلى الإحساس بالبرودة .
لو سئلت عن أهم سمات الكتابة الجيدة لأجبت بكلمة واحدة: مرئية، أن نبسط فن الكتابة إلى جوهرها الأساسي نكون قد وصلنا إلى الهدف، وهو أن نقدم صورة بوساطة الكلمات . تلك الكلمات التي تحدث بها هربرت ريد كان يعبر بها عن أسلوب العصر في الكتابة .
وفي البحث في تاريخ النص الدرامي المسرحي منذ بداياته نجد أن الشاعر الإغريقي لم يعرف سوى الحوار من دون أن يفرد تفاصيل الصورة المسرحية، في ما عرف بعد ذلك باسم الإرشادات المسرحية التي تصف حركة الشخصية وانفعالاتها، ولكن كان الشاعر يستعيض عن هذه التقنية اللاحقة بتقنية أخرى، وهي تقنية السرد على لسان الجوقة، حيث يصف الشاعر حركة الشخصية وانفعالاتها من خلال سرد الجوقة أو في حواراتها مع شخصية من شخصيات المسرحية أو السرد المباشر لجمهور المتفرجين، هذا إضافة إلى التأشير اللفظي داخل الحوار والذي كان يعد أداة إنشائية أساسية بالنسبة ليوربيدس وأسخيلوس وسوفوكليس بمعنى أن اللغة الحوارية تجاوزت شعريتها، فنجد على سبيل المثال في مسرحية أوديب ملكاً تحديدات للحركة والإيماءة والمؤثر الصوتي والانفعال من خلال بنية الحوار نفسه .
وإذا كانت التراجيديا الإغريقية قد اعتمدت على تصوير انفعالات الشخصية الدرامية خلال سرد الجوقة، فإن سرد الجوقة أيضاً لعب الدور نفسه في الملهاة الإغريقية في مراحلها الثلاث .
ومن بعد الإغريق، جاء الرومان أصحاب الحضارة اللاتينية العريقة وفيها عرف الشاعر الدرامي طريقه إلى وصف انفعالات الشخصية وحركاتها والأزياء المميزة لها خلال الإرشادة المسرحية، ولكن في أضيق الحدود، ففي صدر كل فصل من فصول المسرحية كان الشاعر الدرامي يصف المنظر المسرحي وصفاً شاملاً، وفي ثنايا الفصل كان الشاعر يعمد إلى الإشارة إلى دخول شخصية أو خروجها مع تحديد الأزياء المميزة للشخصية، وفي ثنايا الحوار كان يتم وصف الانفعال المميز للشخصية في موقف درامي لحظة بلحظة .
وتأتي العصور الوسطى لتفصل بين الأوروبيين والثقافة المسرحية الإغريقية واللاتينية وتعده لوناً من ألوان الوثنية، ولم تحتو النصوص الدرامية الكنسية على صور الإرشادة المسرحية سواء كانت موصوفة خلال الحوار أو مفردة بذاتها .
ويستمر هذا الحال إلى أن نصل إلى القرن السادس عشر في إنجلترا حيث الشاعر الدرامي المجيد وليم شكسبير الذي اهتم بانفعالات الشخصيات اهتماماً خاصاً وإن أوردها في سياق الحوار الدرامي بين الشخصيات .
وفي فرنسا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، ظهرت الإرشادة المسرحية بشكل صريح في الأعمال الكلاسيكية والدرامية .
وفي القرن الثامن عشر بدأ الرومانتيكيون بالاهتمام بوصف الصورة فنجد مثلاً الشاعر الرومانتيكي الرائد فيكتور هوغو يقوم بالاستعانة بالإرشادات المسرحية في وصف المنظر المسرحي، بما في ذلك وصف الانفعالات وتحديد أماكنهم على خشبة المسرح، بل وصف قطع الإكسسوار التي يستعملها الممثل أيضاً .
ومن بعد الرومانتيكيين جاء ديدرو ذلك الكاتب الفرنسي الذي اهتم بالسيناريو المسرحي اهتماماً يوازي اهتمامه بالحوار الدرامي، ويبدو ذلك جلياً في مسرحيته الابن الطبيعي، حيث اهتم بانفعالات الشخصيات ووصف الديكور بطريقة لافتة، وهو ما مهد إلى الانتقال إلى الواقعية بيسر في ما بعد .
وخلال بدايات العصر الحديث، وبالتحديد مع ظهور إبسن محاولاً مشاكلة الواقع ليقدم رصيداً هائلاً من المسرحيات الطبيعية والواقعية ما جعله يولي اهتماماً خاصاً بالسيناريو المسرحي قدر اهتمامه بالحوار، ويفرد صفحات كاملة لوصف الصورة المسرحية أو إيماءة ممثل أو قطعة إكسسوار وتحديد الملابس، وهي عناصر بدت دالة على الشخصية وكاشفة لها، فنجد مثلاً في الفصل الأول من مسرحية هيدا غابلر حواراً ذا وصف تفصيلي ومكتوباً بعناية فائقة لغرفة الرسم الخاصة بتيسمان، وهو المنظر الذي تدور فيه المسرحية كلها .
وفي العصر الحديث ربما بسبب تمايز العملية المسرحية إلى عمليتين، التأليف والإخراج، بعد أن ظهر المخرج بوصفه فناناً مستقلاً، لجأ الكاتب المسرحي إلى فقرات مطولة من أجل تجسد النص في حالة العرض أو بعبارة أخرى حاول الكاتب أن ينقل للقائمين على العرض المسرحي التفاصيل الكاملة للعرض كما يتخيله الكاتب، ولم يكتف بوضع الحوار فقط .
فقد اندفع تطور المسرح في النصف الأول من القرن العشرين نحو انفجار كثير من التغير في هيئته بعد المذهب الرمزي والمسرحية الهادفة جاء المذهب السريالي وأتى مؤلفون مثل ستريندبرغ وبيرانديلو، وأعد بريخت مسرحه الملحمي، وطالب المخرجون بالسيناريو بدلاً من النص، وأنزلت الكلمة من على عرشها لمصلحة طرق تعبير أخرى، فقد تزامن ظهور الإخراج في نهاية القرن التاسع عشر إذاً مع تطور المسرح وتقنياته خاصة في ظل استخدام الإضاءة الكهربائية ابتداء من سنة ،1880 والاستعانة بأجهزة الصوت المتطورة لإحداث المؤثرات السمعية من دون أن نغفل والتغير الذي حصل في تركيبة الجمهور وتنوعه وذوقه .
ومما سبق نستنتج أن النص المسرحي تتكون لغته من العلاقة الناشئة بين مجموعتين من العلامات، لفظية وغير لفظية .
من أوراق ملتقى الشارقة الأول لكتاب المسرح