العريبي إحدى مناطق رأس الخيمة القديمة، تترامى على مساحتها القلاع والغرف الأثرية التي تعد معلماً من معالمها، ويتخللها حزام النخيل الذي أرخى ظلاله على الأرض مذكراً الأهالي بالزمن الجميل يوم كانت المنطقة أرضاً خصبة يتوافد إليها الناس من كل مكان طلباً لما تجود به مزارعها وارفة الظلال. من هنا حيث القلاع الشامخة والأخرى المتدثرة وبين النخيل بحثنا عن جذور المنطقة.

جمعة عبدالله خميس بن دية 84 عاماً أحد شواب منطقة العريبي قال: الحياة كانت من دون فلوس ولكن الخير والنعمة طايحة (أي متوافرة بكثرة). ويكمل: عشنا بأقسى الظروف في خيام وعلى الأرض، كنا نأكل الموجود وما تجود به مواشينا من حليب وألبان وغيرها من المنتجات فيما نأكل التمر والخضار التي تزرع في المنطقة، وكانت النساء قايمة بالمواجيب أي يقمن بالأدوار الواجبة والرئيسية في المنزل، حيث كن يبعن الخضار في السوق فيحملن الجزر والبوبر وكل ما يزرعنه في المزارع في مزماه، إناء مصنوع من النخيل، ويبعنه ويشترين السمك وبعض الأغراض المنزلية. كما يجلبن المياه من الطوايا، مفردها طوي أي بئر من منطقة الحديبة ويجمعن قعوز الحطب وهو مسمى يطلق على حزمة الحطب.

وأشار جمعة في حديثه إلى أيام الأعراس حيث تبدأ تقاليد الأعراس وعاداتها منذ أن يعلن والد الشاب تزويج ابنه، حيث يتوافد كل فريج في يوم محدد ويقدم الفوالة التي تتكون من تمر وهريس وغيرها من المأكولات حيث يقدم كل حسب مقدرته ويضع أهالي كل فريج الشوفة وهي نقود يدفعها الأهالي كل حسب استطاعته، ويضعونها في صينية الفوالة والصينية صحن كبير تقدم به الفوالة وكل فريج يقدم تلك الشوفة في تلك الأيام التي تمتد من 15 إلى 20 يوماً بعدها يجمع والد العريس إمكاناته المادية مع دراهم الشوفة التي تصل إلى 1500 روبية ويجهز للعرس الذي يبقى لثلاثة أيام ويستمر التعاون فكل جار يأتي بالمستطاع سواء كان رزاً أو ماعزاً للذبح أو هريساً، مشيراً إلى أن رجال الحي والأقارب كانوا يؤدون الأهازيج والفنون الشعبية، حيث اشتهرت العريبي وهي من مناطق النخيل بفن الوهابي أحد الفنون الخاصة بأهل النخيل وكذلك يشتركون في أداء الرزفة والندبة مع جيرانهم من البداه.

ويتذكر ابن دية كيف كانت منطقة العريبي في الماضي قائلاً، بعد أن أخذ استراحة وملأ من الحب أو الخرس المجاور له كوباً من الماء البارد، حيث لم يفارقه ذلك الإناء الفخاري منذ وعى على الدنيا: كانت المنطقة عبارة عن عدة حارات منها حارة البري أي البرج، وحارة علي بن خميس، وحارة أحمد، وحارة العريبي، وحارة الشاعر، وعن مسمى العريبي يقول إنه عائد كما سمع لبني عريب الذين سكنوا المنطقة ويقال إنهم من اليمن أو السعودية.

وعن الاعتماد على الأدوية الشعبية يقول ابن دية: الأمراض كانت منتشرة كعرق الرباخ وهو مرض يعالج بالوسم، ومرض السل وعرق بو ينيب الذي كان يعد من أخطر الأمراض في الماضي ولكل مرض علاج خاص عن طريق الوسم ومن المعالجين القدماء محمد سعيد الدبدوب وعبيد بن سعيد دلدود ومحمد بن عبيد شغروف وسعيد بن ربيع البوش.

سعيد امباسي 55 عاماً من منطقة العريبي، أكد أن المنطقة كانت بمثابة الحزام الأخضر للإمارة، حيث كانت عبارة عن قطعة خضراء من النخيل والأشجار والنباتات الطبيعية وكانت تعتبر النخيل سداً منيعاً يحمي الأهالي من الأمطار التي كانت تسقط بغزارة.

وعن حدود المنطقة أشار امباسي إلى أن العريبي تحدها من الشمال منطقة الحديبة ومركز الاتصالات القديم إلى منطقة القصيدات في الجنوب، ومركز الطب الوقائي ومنطقة آل جويس التي تعتبر إحدى مناطقها القديمة والموجود فيها مركز المنار إلى جسر المدفق، أما من الغرب فيحدها شارع اليايز المسمى حالياً بشارع عمان إلى منطقة الحصيات، ومن الشرق منطقة سيح العريبي.

ويضيف امباسي أن المنطقة تتكون من عدة حارات تسمى الشيخ وبني الأشعر وابن أحمد ابن علي وابن خميس والبري أي البرج إلا أنه لم يعد للبرج أثر بعد أن طمس وتساوى بالأرض، موضحاً أنه كان عبارة عن أطلال عندما كان صغيراً يلعب في المنطقة.

أما عن حصون المنطقة، فأكد امباسي أنها كانت تتكون من عدة حصون وأبراج تاريخية وأولها حصن الشيخ محمد بن سالم القاسمي وبرج الشامسي في منطقة الشويس، وغرفة الشريف الموجودة بحارة الشيخ، أما غرفة البكر فقد اندثرت أجزاء كبيرة منها إلا أنها باقية على حدود الشارع العام الموصل لمركز الطب الوقائي.

وعن الحصون التاريخية التي اندثرت ذكر امباسي حصن صير ويقال في أحد المراجع إنه كان مقراً لليعاربة ومن المحتمل أن يكون ذلك سبب تسمية المنطقة بالعريبي، مضيفاً أن المنطقة اشتهرت بالطوايا مفردها طوي وهي الآبار القديمة التي كان يعتمد عليها الناس في الزراعة والشرب، مشيراً إلى أسمائها فتسمى إحداها بطوي البدعة في وادي نخل الشامسي ويتواجد فيها 7 آبار أخرى أما طوي سعيدة أو بنت الأسود فتقع في منطقة الشويس، وطوي غالية في وادي نخيل المرحوم الشيخ سالم بن محمد القاسمي.

وقال سعيد امباسي إن سكان المنطقة أو سكان الحزام الأخضر كانوا من عشيرة الوهبة وهم سكان أهل النخيل أما عن سيح العريبي فيسكن فيه الحبوس، موضحاً أن أهل البحر كانوا يقيضون صيفاً في المنطقة في نخيلهم أما في الشتاء فيرحلون عنها أما حالياً فيسكن المنطقة الكثير من القبائل والعشائر.

ويتذكر امباسي أنه وزملاءه كانوا يلعبون على الشاطئ في منطقة الجويس الموجود فيها مركز المنار تحديداً وكان عندما ينزل مستوى البحر تبرز عين مياه حلوة ويشربون منها ويتدافع الأطفال عليها لحلاوة مائها وتسمى منطقتها العين أما حين يطمسها البحر فتخرج كعين في البحر لا تختلط بمياهه ويزداد تدفقها عند سقوط المطر.

وأكد بو حميد أحد أهالي رأس الخيمة أن منطقتي العريبي والحديبة كانتا من المناطق الزراعية القديمة في الإمارة، حيث كان أهل البحر ممن يعيشون على ساحل الخليج العربي رأس الخيمة يقيضون صيفاً في مزارعهم ونخيلهم في تلك المناطق، مشيراً إلى أن في زمنه كان الصغار يلعبون في تلك المساحات الشاسعة وكانت المنطقة عبارة عن نخيل وعرش تمر عبرها المسايل وهي مصطلح للأودية الصغيرة التي تجري أثناء سقوط المطر ويشق المزارعون لها دروباً لمزارعهم لريها بماء المطر.

وأشار بو حميد إلى أن المزارعين كانوا يتنافسون ويختصمون ليأخذوا نصيبهم من المسايل لمزارعهم، فيما يصلح بينهم الأهالي وتمضي الحياة على ذلك المنوال بتفاهم وتراحم وتعاون.

عائشة سلطان إحدى المهتمات بالتراث من منطقة الظيت الجنوبي في رأس الخيمة تقول: منطقة العريبي كانت ضمن مناطق الحزام الأخضر في رأس الخيمة حيث تبدأ المناطق الزراعية من خت ثم الفحلين والحيل ثم الفلية ثم القصيدات والجويس وبعدها العريبي ثم الحديبة والغب وشمل وصولاً إلى شعم.

وأكدت أن أهالي رأس الخيمة وغيرها من مدن الدولة بمختلف مناطقهم يأتون إلى منطقة العريبي والمناطق المحاذية لها حين يتحول البسر إلى خلال، من مراحل نضوج الرطب، حيث كانت تلك المناطق الزراعية مكان مقيضهم صيفاً، مشيرة إلى أن نساء تلك المناطق مشهورات بدعمهن ومساندتهن للرجال سواء في القيام بمسؤولياتهن المنزلية أو البيع والشراء لكل ما يلزم المنزل من مؤن مختلفة، متذكرة كيف كانت نساء المنطقة يجمعن الحطب الذي يسمى الهميل وهو قطع الحطب الصغيرة لتحضير الطعام الفخارة وهي أكلة تطبخ للثيران والأبقار، حيث يجمع ورق اللوز مع طعام التمر أي النوى ويخلط معه العومة وهو أحد أنواع الأسماك الصغيرة ويطبخ بالفخارة وهي إناء فخاري يخصص لتلك الطبخة التي أخذت اسمها من اسم الإناء.

أما عن رحيل الأهالي للمناطق الزراعية فتؤكد عائشة أن الجميع يتعاقدون مع المكري وهو المتخصص بحمل الأمتعة من مكان السكن في الشتاء إلى مكان المقيض، موضحة أن الأمتعة كانت عبارة عن حصير وبعض الأطعمة المعدة للمقيض كالسحناه سمك مجفف مطحون والمالح والبهارات التي تعدها ربة البيت عند تحولها إلى منزل آخر، حيث تبعد المزارع عن البحر مما جعلهم يستغنون عن السمك الطازج بالآخر المجفف.

وأول ما تصل المرأة إلى منزلها تنظفه وتغرس ثلاث كربات، المفرد كربة، وهي الجزء العلوي من جريد النخل بجانب بعضها لتضع عليها اليحلة وهي إناء فخاري لحفظ الماء أو تضع محلة أو أم قسطون أو سكاوية وهي أسماء لأنواع الفخاريات التي يوضع فيها الماء تختلف بأشكالها فمنها الصغيرة وأخرى لها رقبة طويلة على حد وصف عائشة سلطان.

أما ما ذكر في المراجع والكتب المختصة عن منطقة العريبي فيذكر لويمر في كتابه دليل الخليج القسم الجغرافي في الجزء السابع أن العريبي تعتبر من قرى صير وتقع على بعد ميل أو أقل جنوب غرب رأس الخيمة، فيها 40 منزلاً للبيادير الذين يملكون الحيوانات العادية و600 نخلة.

ويؤكد الدكتور عبدالله الطابور الخبير في تاريخ رأس الخيمة أن العريبي تعتبر عاصمة رأس الخيمة القديمة، مشيراً إلى أن ظهورها أتى مع بداية تأسيس دولة اليعاربة عام 1624 على يد ناصر بن مرشد اليعربي واستمرت لحوالي 119 عاماً وضمت أراضي عمان الكبرى وظهرت أثناءها بعض الحواضر التابعة للدولة اليعربية. كما اشتهرت المنطقة بالحصن المسمى قلعة العريبي ويعد من أقدم المباني التاريخية.

كما كان يوجد في المنطقة برج كايد المندثر، وكان قائماً بين منطقة مبنى الاتصالات القديم والسينما.

ويضيف الطابور أن منطقة العريبي يوجد فيها وادي السور الذي يبدأ من منطقة شمل وسمي بوادي السور نسبة إلى سور الصير الذي يلف قصر الزباء ثم يتجه إلى سيح الغب ثم يتجه غرباً إلى سيح الحديبة وينحدر جنوباً نحو سيح العريبي ومنها إلى منطقة العريبي ويصل إلى منطقة القرم التي يتكاثر فيها شجر القرم ومازالت آثار السور باقية إلى اليوم على هيئة بند ركام من الحجارة والطين وهو يعد أطول سور في الإمارات إذ يصل طوله إلى عدة كيلومترات.

أما عن الآثار الأخرى فيقول الطابور: عثر في منطقة اليعربي على عملات قديمة مسكوكة في بغداد التي كانت عاصمة الخلافة الإسلامية الثانية.

حمد صراي أستاذ التاريخ في جامعة الإمارات أوضح أن العريبي كانت من المقايض المشهورة في الإمارة وكانت عبارة عن منطقة توجد فيها الكثير من المزارع فيما كان الأهالي يقطنون في منزل العريش ومنازل الجص التي يستخدم الجص لبنائها، مشيراً إلى أن مقاولي البناء والعمال كانوا من المواطنين والمسؤول عنهم يسمى الأستاذ.