يقول عنه السبكي في كتابه: « طبقات الشافعية الكبرى»: «عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن حسن بن محمد بن مهذب السلمي.. شيخ الإسلام والمسلمين وأحد الأئمة الأعلام سلطان العلماء إمام عصره بلا مدافعة.. القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في زمانه.. المطلع على حقائق الشريعة وغوامضها.. العارف بمقاصدها.. لم ير مثل نفسه ولا رأى من رآه مثله علماً وورعاً وقياماً في الحق وشجاعة وقوة جنان وسلاطة لسان.. ولد سنة سبع أو سنة ثمان وسبعين وخمسمئة»..
شاهد سلطان العلماء دولة المسلمين تتفتت وقد حدث أن الملك الصالح إسماعيل الأيوبي تصالح مع الصليبيين على أن يسلم لهم صفد وقلعة الشقيف وصيدا وغيرها من حصون المسلمين الهامة مقابل أن ينصروه على الملك الصالح نجم الدين أيوب حاكم مصر آنذاك فأنكر عليه الشيخ ابن عبد السلام ذلك، وترك الدعاء له في الخطبة، فغضب الصالح إسماعيل منه، وخرج العز مغاضباً إلى مصر فأرسل إليه الصالح أحدَ أعوانه يتلطف به في العودة إلى دمشق.
يقول ابن واصل في كتابه « مفرج الكروب في أخبار بني أيوب». والسيوطي في كتابه. حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة»: «فاجتمع به ولايَنَهُ وقال له: ما نريد منك شيئاً إلا أن تنكسر للسلطان وتقبل يده لا غير. فقال له الشيخ بعزة وإباء العالم المسلم: «يا مسكين، ما أرضاه يقبل يدي فضلاً أن أقبل يده! يا قوم، أنتم في واد ونحن في واد، والحمد لله الذي عافانا مما ابتلاكم»..
«ما حجتك عند الله؟»
وتوجه الشيخ إلى مصر فاستقبله سلطانها نجم الدين أيوب وأكرمه وولاه القضاء في مصر، وجاءه علماء مصر وعرفوا قدره، وارتشفوا من علمه وبالغوا في احترامه، وامتنع عالم مصر الجليل الشيخ زكي الدين المنذري عن الإفتاء بحضوره احتراماً له وتقديراً لعلمه.
ولما سئل عن السبب أجاب بما ذكره السيوطي في كتابه «حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة كنا نفتي قبل حضوره، وأما بعد حضوره فمنصب الفتيا متعين فيه»
وتتوالى المناصب المهمة على الشيخ في مصر، إلا أنه التزم بقول كلمة الحق ومواجهة الحكام والأمراء في مصر، كما كان ملتزماً بها في الشام، فهو لم يطلب المناصب وإنما المناصب هي التي سعت إليه ومن هذه المواقف أنه تيقن من وجود حانة تبيع الخمور في القاهرة، وتحدث المواجهة بينه وبين السلطان فيما حكاه السبكي في كتابه: «طبقات الشافعية الكبرى». فيقول عن ذلك: «فخرج إلى السلطان نجم الدين أيوب في يوم عيد إلى القلعة فشاهد العساكر مصطفين بين يديه، ومجلس المملكة، وما السلطان فيه يوم العيد من الأبهة، وقد خرج على قومه في زينته، وأخذت الأمراء تقبل الأرض بين يدي السلطان، فالتفت الشيخ إلى السلطان وناداه: يا أيوب، ما حجتك عند الله إذا قال لك: ألم أبوئ لك ملك مصر ثم تبيح الخمور؟ فقال السلطان: هل جرى هذا؟ فقال الشيخ: نعم، الحانة الفلانية تباع فيها الخمور وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة، وكان يناديه كذلك بأعلى صوته والعساكر واقفون - قال: يا سيدي، هذا أنا ما عملته، هذا من زمن أبي. فقال الشيخ: أنت من الذين يقولون إنا وجدنا آباءنا على أمة؟ فرسم السلطان بإبطال تلك الحانة»..
ثم يعود سلطان العلماء فيقابله أحد تلاميذه ويسأله: يا سيدي كيف الحال؟ فقال: يا بني، رأيته في تلك العظمة فأردتُ أن أهينه لئلا تكبر نفسه فتؤذيه. فقال تلميذه: يا سيدي، أما خفته؟ قال: والله يا بني استحضرت هيبة الله تعالى، فصار السلطان أمامي كالقط..
بائع الأمراء
ولقد كان له مع أمراء الدولة من الأتراك موقف يؤكد أن سلطان العلماء لم يكن يخشى في الحق لومة لام، وقد سجله السبكي في كتابه المذكور: وهم جماعة ذكر أن الشيخ لم يثبت عنده أنهم أحرار وأن حكم الرق مستصحب عليهم لبيت مال المسلمين فبلغهم ذلك فعظم الخطب عندهم فيه وأضرم الأمر والشيخ مصمم لا يصحح لهم بيعاً ولا شراءً ولا نكاحاً وتعطلت مصالحهم بذلك وكان من جملتهم نائب السلطنة فاستشاط غضباً فاجتمعوا وأرسلوا إليه فقال نعقد لكم مجلساً وينادى عليكم لبيت مال المسلمين ويحصل عتقكم بطريق شرعي فرفعوا الأمر إلى السلطان فبعث إليه فلم يرجع واتفقوا معهم على أن ينادى على الأمراء فأرسل إليه نائب السلطنة بالملاطفة فلم يفد فيه فانزعج النائب وقال: كيف ينادي علينا هذا الشيخ ويبيعنا ونحن ملوك الأرض؟ والله لأضربنه بسيفي هذا فركب بنفسه في جماعته وجاء إلى بيت الشيخ والسيف مسلول في يده فطرق الباب فخرج ولد الشيخ عبد اللطيف فرأى من نائب السلطنة ما رأى فعاد إلى أبيه وشرح له الحال فما اكترث لذلك ولا تغير وقال: يا ولدي أبوك أقل من أن يقتل في سبيل الله ثم خرج كأنه قضاء الله قد نزل على نائب السلطنة فحين وقع بصره على النائب يبست يد النائب وسقط السيف منها وارتعدت مفاصله فبكى وسأل الشيخ أن يدعو له وقال: يا سيدي خبر أيش تعمل؟ قال: أنادي عليكم وأبيعكم قال: ففيم تصرف ثمننا؟ قال في مصالح المسلمين قال: من يقبضه؟ قال: أنا فتم له ما أراد ونادى على الأمراء واحداً واحداً وغالى في ثمنهم وقبضه وصرفه في وجوه الخير.