تتألق محال العطارة وترتدي أجمل ثيابها طوال أيام شهر الصيام في مصر. ويقبل المصريون على التوابل والبهار وما تقدمه تلك المحال من وصفات خاصة بشهر الصوم تفتح شهية الصائمين، وتضفي على الأطعمة المصرية الأصيلة مذاقاً أشهى.
تبدو محال العطارة في القاهرة القديمة، بخاصة في حي الجمالية الشهير، في تلك الأيام من كل عام، مثل قوارير تنشر شذاها على العابرين، فتجبر المارة على التوقف، على الأقل للاستمتاع بتلك الروائح الزكية، التي ينتشر أريجها في المكان، حيث لكل صنف عطر وحيث لكل نوع طعم وفائدة.
وتحتكر تلك التجارة في مصر عائلات بعينها، إذ تعد العطارة من المهن الخاصة، التي يتوارثها الأبناء عن الآباء والأجداد ويتوارثون أسرارها وفنونها التي لا يجوز في عُرف المهنة أن يطلع عليها أحد.
وتعد عائلات حراز وخضر العطار في منطقة الموسكي من أشهر العائلات التي احترفت تلك التجارة بما تتضمنه من أعشاب وعطور وتوابل مختلفة الأشكال والألوان، يستخدمها المصريون منذ عقود من الزمان في مختلف شؤون حياتهم، بل إن كثيرين منهم لا يزالون ينظرون إلى الكثير من أصنافها باعتبارها شفاء من كل داء، نظراً لما تحتويه تلك الأصناف من فوائد طيبة، فضلاً عما تكسبه بعض أنواعها لأطباق الطعام الرئيسية على موائد رمضان، من طعم ورائحة زكية.
يعمل رجب العطار، الذي يشغل منصب رئيس شعبة العطارة بالغرفة التجارية المصرية، في مهنة العطارة منذ ما يزيد على أربعين عاماً، ويفخر كثيراً بأنه ورث المهنة أباً عن جد، وتعلم على يد عائلته تاريخ الأعشاب واستخداماتها التي لا تتوقف عند حد المطبخ، بل تمتد إلى علاج العديد من الأمراض، حتى أنها كانت تمثل العلاج الوحيد للإنسان عبر عصور طويلة، قبل اختراع الطب والصيدلة.
ويعد كتاب «تذكرة داود» أحد المراجع السرية التي يتداولها العطارون في مصر، لكن رجب العطار يقول: رغم أن الأعشاب هي الأصل لأي دواء، لكن العطار ليس طبيباً، فهو يبيع العشب كخامة، وبالتالي فإن إقدام بعض العطارين على صنع خلطات معينة، وبيعها للجمهور باعتبارها أدوية تشفي من الأمراض، هو أمر مرفوض، بل إن بعضه يدخل في باب الدجل والنصب والاتجار بأوهام المرضى.
لا تتوقف صرعات العطارين في مصر، فما إن يحل شهر رمضان، حتى تعلن تلك المحال عن مفاجآتها السنوية، والتي تتراوح ما بين ابتكار مساحيق لعصائر جديدة، ربما كان من أشهرها «رضعة الأسد» التي ظهرت في العام الماضي، وكانت خليطاً من مسحوق جوز الهند والحليب المجفف، إلى جانب بعض الإضافات الأخرى التي يعتبرها العطارون أسراراً لا يجوز البوح بها، قبل أن يفاجئوا الأسواق هذا العام ب«الفنكوش»، وهو عبارة عن حلقات صغيرة من العجين المجفف، تشبه إلى حد كبير حبات المعكرونة، وما إن تقلى في الزيت، حتى يتضاعف حجمها عدة مرات، قبل أن تؤكل مثل المقرمشات، في حل عبقري وسريع للارتفاع الكبير في أسعار المكسرات هذا العام، والتي بلغت أرقاما غير مسبوقة، نظرا لاستمرار تدهور الأوضاع في سوريا التي كانت المصدر الرئيسي لاستيراد «النقل» على مدار عقود طويلة.