كان من آثار المادية التي هيمنت على الفكر الغربي أن الإنسان راح يتعامل مع الطبيعة بمنطق السيطرة والاستغلال والغلبة ظاناً أنه الكائن الوحيد الذي يتمتع بالذكاء الذي يمكنه من الظهور على غيره، إلى أن تحول العلم باتجاه أظهر أن العقل صفة كونية وأن للمادة عقلاً كما للإنسان، بل إن هناك ماسمي بالعقل الكوني وهي مقولة ميتافيزيائية تعبر عن حكمة الله عزوجل في كل مخلوقاته الحية وغير الحية .

ليس الإنسان إذن هو الذي يعقلن الكون، وإنما هو- أي الانسان- شكل من أشكال الانسجام أو التعارض مع كون عاقل في كل مافيه، والكون العاقل هو التعبير الفلسفي عن الغائية والعلة، والحكمة والعلم، والتقدير والتدبير، ولكن من اصطنع هذا الاسم كان بعيداً عن منطق النصوص الدينية وعن الوحي الإلهي ما اضطره إلى أن يبذل جهوداً أكبر ويسير طريقاً أطول ليصل إلى ما دلنا الأنبياء إليه منذ أزمان طويلة .

فالمادة حسب التصور العلمي القديم جسيمات صلبة قاصرة - غير عاقلة - وحركتها تخضع للسببية والميكانيكية، والسببية هنا محكمة مغلقة، إلا أن هذا التصور بدا مفلساً مع الدخول إلى عالم الذرة والجزيئات الصغيرة، حيث بدا أن العقل- الحكمة كامن في أصغر جزيئ مفترض .

فالمتأمل لظواهر الطبيعة في مستوياتها المختلفة سوف يجد أن صفات الوعي والقدرة على الاختيار والفعل الذاتي الهادف موجودة وظاهرة في كل مستوى من مستويات الموجودات الجامدة والحية على حد سواء . فعلى المستوى دون الذري أثبتت تجارب عديدة على فوتونات الضوء ومكونات الذرة أنها قادرة على تغيير تصرفاتها من حيث الصفة الجسيمية والصفة الموجية بحسب الظروف المحيطة بالتجربة . ونحن نقول إنها قادرة على تغيير تصرفاتها وليست خاضعة للظروف التجريبية من الخارج بشكل ميكانيكي، أما بالنسبة للمركبات على المستوى الذري فإن ارتباط ذرات معينة لتركيب مركبات معينة لا يمكن تفسيره من خلال القوانين الطبيعية، وإنما يرجع إلى (النزوع) الطبيعي لذرات معينة للارتباط . وكان تعليق العالم الشهير أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999 على تصوير كيفية التقاء الذرات من خلال تقنية الفمتوثانية هو أن الذرات والجزيئات تبدو كما لو كانت تتغازل قبل أن تلتقي لتكوين مركب جديد .

أما في المركبات العضوية فجزيئات ال (د ن ا) تظهر قدرة ذاتية - حسب المنظور العلمي - على تسجيل ونقل الصفات الوراثية، وعلى مستوى الخلية الحية نجد أن أداءها ينم عن (إدراك) و(وعي) و(تصرف ذكي) ذاتي .

إن ما ذكرناه عن النزوع والإدراك والتصرف الذكي والوعي في المركبات الجامدة والعضوية هو ما أطلق عليه اسم العقل الكوني ومن الواضح كما يقول واينبرغ أن هذا الوعي لا يمكن اشتقاقه من القوانين الفيزيائية (أحلام النظرية النهائية 1992) .

أما وصف الوعي بأنه ذاتي فهو نتاج قصور في الذائقة الروحية الدينية، إلا أن مايهم هنا هو سقوط مفاهيم المادية والميكانيكية والسببية الخارجية المغلقة، ومن الجلي الواضح أن نسبة هذا العقل والنظام والاتساق الكوني إلى الحكمة والتقدير الإلهي أبسط وأكثر منطقية و انسجاماً مع الدلائل والمعطيات الخبرية الأخرى من افتراض وجود عقل كوني عظيم مبهم .

ومن مظاهر التقدير الإلهي هذا التي أسقطت التفسير المادي أن التغيرات الطبيعية التي قد تبدو عشوائية إنما تحدث عبر نظام أطلق عليه اسم (الفوضى المنظمة) بحيث إن النظرة الكلية تكشف عن النظام الذي لا يظهر على المستوى الفردي الأقرب إلى العشوائية، وقد ظهر في السبعينات شكل جديد من الهندسة خصص لوصف الأشكال الجديدة للتغيرات الطبيعية المعقدة، سمي بالبنية الفركتلية . وهي تتكون من نماذج متكررة تتميز بالتشابه الذاتي، بحيث تعطي عند أي تكبير أو تصغير الشكل نفسه، فأي جزء صغير من البنية يماثل الكل إلى حد كبير . ومن نماذج البنى الفركتلية الطبيعية الأشجار والغيوم والجبال .