إعداد: محمد صالح القرق
اللهم زدنا في العقل، وعودنا على الفضائل، وباعد بيننا وبين النقص والتهور والتبذير، ووفقنا لصالح الأعمال ومعرفة الخير والابتعاد عن الشر والرذائل والاعتدال في كل الأمور .
اللهم اجعل أقوالنا صادقة وأعمالنا صالحة تواقين إلى الصلاح، مبتعدين عن كل ما هو طالح ومعيب، مبتعدين عن الغيبة والنميمة والفحشاء والغش والمماطلة في الأقوال والأعمال، واجعلنا من طالبي العلم وحفظة القرآن والمواظبين على الشعائر .
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، ونجنا من عذاب الجحيم .
اللهم اجعل العقل نوراً في ضمائرنا، لأن النور الروحاني، به ندرك الخيرات ونبتعد عن الرذائل، وهو جوهر لطيف به نميز الحق من الباطل، والخير من الشر، وهو المنجي من السقوط، ورافع الإنسان، إلى المعالي .
اللهم طهر نفوسنا من رذائل الأخلاق ومذموم الصفات، واجعل العلم والصفاء ملء قلوبنا وأسماعنا وأبصارنا، وأطلق ألسنتنا بالتحدث بهما وبطلاقة وعمق وإجادة حتى نعي ما نقول عن فكر ودراية وثقة وثبات ونحن رافعو الرؤوس أقوياء الإرداة واثقون بأنفسنا بإيمان وصدق وعزم وإخلاص، حتى ترضى بكرمك عنا على الدوام، يا مقيل العثرات، يا غافر الزلات، يا مجير، يا الله .
شاعت في حياتنا الفكرية والثقافية، وفي وسائل إعلامنا، وعلى ألسنة مثقفين وبسطاء، مفاهيم إسلامية خاطئة، اختلطت فيها الحقيقة بالخرافة، وحمل البعض الإسلام - وهو دين وسطية واعتدال- مسؤولية مواقف ظالمة لا علاقة له بها من قريب أو بعيد .
ونحن من خلال هذا الباب (مفاهيم إسلامية) نجلي حقيقة العديد من المصطلحات، ونصحح الكثير من المفاهيم المغلوطة، ونفرز الغث من الثمين، ونقدم لقرائنا الحقائق العلمية والثقافية، كما يراها الإسلام برحمته وعدله وتسامحه وشموله لكل مجالات الحياة .
رحلتنا اليوم مع مصطلح (العقيدة الإسلامية) التي لحقت بها الشوائب بفعل المتطرفين وأنصار الغلو الديني، هؤلاء الذين فهموا أصولها ومداخلها فهماً خاطئاً، وخلطوا بينها وبين خرافات و"إسرائيليات" . . ولذا وجب إجلاء حقيقة العقيدة النقية التي أنعم الله بها علينا نحن المسلمين .
بداية يعرفنا العالم الأزهري، د . محمد عبد الفضيل القوصي، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر ووزير الأوقاف المصري الأسبق بمعنى ودلالات كلمة (عقيدة) فيقول: تدل مادة (عقد) في مختلف استعمالاتها على معاني التوكيد والتوثيق والإبرام، سواء كان ذلك في الجانب الحسي، أو الجوانب المعنوية، ومنها قوله تعالى: "ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان"، أي: أقسمتم به مع النية التامة والقصد الكامل، ومن هنا جاءت كلمة (عقيدة) لتدل على ما يدين الإنسان به، ويعقد عليه القلب والضمير .
واصطلاحاً تتسع كلمة (عقيدة) في المحيط الإسلامي لتدل على "فعل الاعتقاد" نفسه حيناً، كما تدل على "محتوى الاعتقاد وموضوعاته" حيناً آخر، وتدل أيضاً على "العلم" الذي يتكفل ببيان الأمرين جميعاً .

الدليل اليقيني القاطع

فيما يتعلق "بفعل الاعتقاد" نفسه فإن الاعتقاد الصحيح يجب أن يكون مصحوباً بالجزم والتيقن والإذعان، وأن يتخلص من شوائب "الظن" الذي يعنى التردد بين طرفين، ثم الميل إلى الطرف الراجح منهما، ومن شوائب "الشك" الذي يعني التردد بين طرفين، دون ميل إلى أحدهما، ومن شوائب "الوهم" الذي يعني أيضاً التردد بين طرفين، ثم الميل إلى الطرف المرجوح منهما .
وحين يتخلص الاعتقاد الصحيح من هذه الشوائب فإنه يكون مقترناً بإذعان العقل، وسكون النفس، وانشراح الصدر، ومن ثم يصير هذا الاعتقاد باعثاً لصاحبه على أداء التكاليف العملية كالصلاة والصيام وغيرهما في طواعية ويسر، كما يكون دافعا لصاحبه على الالتزام الخلقي، والسلوك السوي، مصحوباً بمراقبة الله عز وجل في السر والعلانية، حتى يبلغ ذلك الاعتقاد بصاحبه مرتبة الإحسان التي عبر عنها قوله صلى الله عليه وسلم: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" .
من أجل ذلك فإن الاعتقاد الصحيح كما يوضح د . القوصي يجب أن يكون مؤسساً على الدليل اليقيني القاطع، سواء كان دليلاً إجمالياً أو تفصيلياً، فالدليل الإجمالي مثلاً على وجود الله تعالى، واتصافه بصفات الكمال هو العالم بكل ما فيه من بديع الصنع، ومظاهر الحكمة، ودلائل النظام والاتساق والإحكام، والدليل الإجمالي مثلاً على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغه عن ربه سبحانه وتعالى هو ما أيده الله تعالى به من باهر المعجزات، وأعظمها القرآن الكريم نفسه، وما اشتملت عليه رسالته السامية من هداية البشرية، وما نعمت به في ظلها من الرفاهية والأمن والسعادة .
وعندما يكون الاعتقاد الصحيح مؤسساً على الدليل اليقيني القاطع، فهو بالضرورة يكون مطابقاً للحق وللواقع بلا ريب، وعلى هذه الأسس الثلاثة: (الجزم، والتأسيس على الدليل، والمطابقة للواقع) يترسخ الاعتقاد الصحيح في الإسلام، ويصير فرقاناً بين الحق والباطل، وبين الكفر والإيمان، وبين الهدى والضلال، كما يصير مرادفاً للعلم المأمور به في قوله تعالى "فاعلم أنه لا إله إلا الله" .

الإلهيات . . والنبوات

أما محتوى الاعتقاد أو "المعتقدات" فيشمل منظومة من العقائد التي تتعلق بجانب الألوهية وتسمى (الإلهيات)، وتشمل مجموعة من العقائد التي تتعلق بالأنبياء عليهم السلام، وتسمى (النبوات) وتشمل أخيراً طائفة من العقائد التي تتعلق بالأمور الغيبية التي ورد بها السمع - أي الكتاب والسنة الصحيحة- وتسمى (السمعيات) .
في جانب الإلهيات يجب على المسلم الاعتقاد بأن الله تعالى منزه عن النقائص التي لا تليق بجلاله وألوهيته، فهو سبحانه منزه عن الاعتماد في وجوده على غيره، ومنزه عن أن يكون لوجوده بداية، أو نهاية، ومنزه عن أن يكون مماثلاً للمخلوقات، ومنزه عن التعدد في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، فلا ذات تماثل ذاته العلية، ولا صفات تشابه صفاته المقدسة، ولا أفعال تماثل أفعاله تعالى، ولقد سمى علماء العقائد هذه الصفات التي تدل على التنزيه بالصفات السلبية .
ومن ناحية أخرى يجب على المسلم - في جانب الإلهيات أيضاً: الاعتقاد بأنه سبحانه متصف بالكماليات العليا التي تليق بجلاله وعظمته، مثل القدرة التامة الشاملة، والإرادة الكاملة التي تعني أنه غير مقهور، ولا عاجز، والعلم المحيط الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض .
وفى جانب النبوات يجب على المسلم الاعتقاد بأن الأنبياء جميعاً عليهم السلام متصفون بالصدق والعصمة، وتبليغ ما أرسلوا به من دون كتمان، ومتصفون أيضاً بفطانة الرأي وسداد المسلك، لأنهم قادة البشرية وهداتها إلى الحق والخير والصواب .
وفى جانب السمعيات يجب على المسلم الاعتقاد بكل ما ورد في القرآن الكريم والسنة الصحيحة من معتقدات كالملائكة، والجن، والروح، والكرسي، والعرش، واللوح، والقلم، وكذلك الإيمان بالقدر، وبعث الموتى من قبورهم، وأحوال الآخرة من الحشر والنشر، والصراط، والميزان، والحوض، والشفاعة، والجنة ودرجاتها، والنار ودرجاتها .

التوحيد وأركانه

وأبرز ما يرتبط بالعقيدة ( التوحيد) وهو يعني في اللغة: "الإيمان بالله وحده لا شريك له"، وفي اصطلاح علماء العقيدة والأخلاق: "معرفة الله تعالى بالربوبية، والإقرار بالوحدانية، ونفي الأنداد عنه جملة"، وهو بهذا المعنى حقيقة بسيطة تدور على إفراد الله تعالى بالعبودية، ونفيها عن كل ما سواه .
والتوحيد كما يقول شيخ الأزهر وأستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية د . أحمد الطيب هو جوهر الإسلام، بل جوهر كل الأديان السماوية، وهو دعوة الرسل والأنبياء من آدم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام . وجاء في القرآن الكريم: "ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت"، حيث يقف الإسلام بخصيصة التوحيد هذه على الطرف المقابل للعقائد التي يتسع فيها مفهوم العبادة لغير الله تعالى، كائناً ما كان هذا الغير: جماداً أو حيواناً أو إنساناً أو كائناً خفياً كالجن والشياطين، كما يقف على الطرف المقابل أيضاً لكل المذاهب والفلسفات التي تؤمن بحلول الله في غيره، أو اتحاده بهذا الغير، أو تجسده فيه .
ولم ترد كلمة "التوحيد" بهذه الصيغة اللغوية في القرآن الكريم، وإنما وردت بصيغة "الواحد" وصفاً لله تعالى اثنتين وعشرين مرة . كما وردت لها فيه صيغة "أحد"- وصفاً لله تعالى- في سورة الإخلاص في قوله تعالى: "قل هو الله أحد" . وهذه السورة تعدل ثلث القرآن لما اشتملت عليه من بيان التوحيد الخالص الذي هو أصل الإسلام وذروة سنامه .
والتوحيد في هذا الإطار الواضح الميسر - كما يوضح د . الطيب - هو العقيدة التي يحملها الإسلام إلى الناس كافة ويقدمها للبشر بحسبانها معياراً وحيداً يصحح بها علاقة الإنسان بالله سبحانه عقيدة وعبادة . ورغم بساطة هذه العقيدة ووضوحها فقد شغلت مساحة هائلة من اهتمام العلماء والمفكرين والفلاسفة المسلمين، ونشأت حولها تفسيرات وشروح وأفكار بالغة الدقة، شكلت "علما" مستقلاً سُمّي ب(علم التوحيد أو علم الكلام) وظهر هذا العلم في وقت مبكر جداً من تاريخ الإسلام، ومازال يستمد مبررات وجوده من هذه العقيدة حتى يومنا هذا . . وقد نشأت على طول هذا التاريخ مدارس وفرق كلامية اختلفت رؤاها وتفسيراتها العلمية لأبعاد عقيدة التوحيد، لكنها لم تختلف حول المعنى البسيط لهذه العقيدة كما يقررها القرآن الكريم والسنة النبوية .
ومعنى "التوحيد" عند متكلمي أهل السنة والجماعة: إثبات الوحدانية لله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله: فوحدانية الذات تعني تنزيه ذاته تعالى عن الجسمية ولواحقها من تركب وتبعض وتحيز في الجهة، وهو ما يعبرون عنه بنفي الكم المتصل عن الذات، كما تعني تنزيه الذات عن أن يكون لها ند أو ضد أو مثل أو شريك، وهو ما يعبر عنه بنفي الكم المنفصل عن الذات .
وتعني وحدانية الصفات استحالة التعدد في الصفة الواحدة من صفات الله تعالى كأن تكون له قدرتان أو علمان . . الخ . كما تعني استحالة استحقاق الغير لأية صفة من الصفات الإلهية . أما وحدانية الأفعال فمعناها نفي مشاركة الغير لله تعالى في إيجاد شيء في هذا الكون أو تدبيره .
وقد تشددت فرقة المعتزلة في تنزيه التوحيد فأثبتوا الذات ونفوا الصفات، وتشدد بعض الفلاسفة أيضاً فمنعوا وصفه تعالى بالصفات الثبوتية، وهذان المذهبان يقابلان مذهب أهل السنة الذي يثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه من صفات وأسماء كثيرة، والذي يرى أن كثرة الصفات لموصوف واحد لا تقدح في وحدة الذات، إذ الممنوع عقلاً وجود أكثر من ذات أو جوهر يتصف كل منها بالألوهية أو تحل فيها المعاني الإلهية . ولعلماء الكلام من معتزلة وأشاعرة وغيرهم براهين عقلية مطولة في إثبات صفة الوحدانية لله وإبطال العقائد المعددة في الألوهية بالتثنية أو التثليث أو الحلول أو الاتحاد . . إلخ .
والتوحيد عند شيوخ التصوف يستند - أيضاً - إلى المعنى العام البسيط للتوحيد، كما ورد في القرآن والسنة، واعتقادهم في التوحيد لا يخرج عن مذهب أهل السنة والجماعة . وهناك أبعاد أخرى- ذوقية- تقع وراء "المعنى البسيط" للتوحيد، وتتمثل في تقسيمه إلى مراتب تختلف باختلاف الموحدين ومدى مخالطة "بشاشة التوحيد" لقلوبهم، وهذه المراتب هي:
- توحيد العامة، وهو التوحيد الذي يقف عند المعنى العام لشهادة: أن لا إله إلا الله .
- وتوحيد الخاصة، وهو حالة لا يرى فيها العبد غير الحق، وتسقط عنده الأسباب الظاهرة، فلا يرى لها تأثيراً رغم مباشرته إياها .
- وتوحيد خاصة الخاصة، وهو التوحيد الذي اختص الحق - تعالى- نفسه به، غير أنه أظهر لبعض صفوته من هذا التوحيد لوائح وأسراراً .
وما يقوله شيوخ التصوف في مراتب التوحيد- كما يشير د . الطيب- ليس مسلّماً به لدى كثير من علماء الإسلام وفقهائه، خصوصاً ابن تيمية، وابن القيم الذي انتقد هذه المراتب وفندها من وجهة نظر شرعية .