الخطوة الأولى في الطريق إلى الجنة تتمثل في العقيدة الصافية التي تعرف الإنسان بحقيقة وجوده وعلاقته بخالقه . . فما هذه العقيدة وما حاجتنا إليها؟ وكيف يرتبط المسلم بها ويضحي من أجلها؟ وهل من السهل أن يتخلى الإنسان عن عقيدته ويعتنق غيرها؟ وهل يمكن أن يعتنق الإنسان عقيدة بالإكراه؟ وما الطريق إلى معرفة الله عز وجل ووجوده ومعالم وحدانيته؟

الدكتورة آمنة نصير أستاذة العقيدة والفلسفة الإسلامية بجامعة الأزهر تشرح معنى العقيدة وحقيقتها وحاجة الإنسان إليها فتقول: العقيدة من منظور علماء العقائد والأيديولوجيات تتمثل في الإيمان ببعض الآراء والمبادئ والأفكار التي استقرت في قلوب معتنقيها وأصبحت جزءا من كيانهم يدافعون عنه كما يدافعون عن أرواحهم .

العقيدة كما يؤكد العلماء حاجة نفسية لا يستطيع الإنسان أن يحيا حياة مستقرة من دونها، والذين يعيشون الآن من دون عقيدة ممن يطلق عليهم لا ديني يعيشون في حيرة وقلق واضطراب . . والذين يزعمون أنهم قد تحرروا من العقائد واهمون لأنهم يعيشون أسرى لخرافات وأباطيل وشهوات وأطماع . . فالإنسان لا يمكن أن يعيش بدون عقيدة، وكما يقول الأديب والمفكر العربي الراحل عباس محمود العقاد: في الطبع الإنساني جوع إلى الاعتقاد كجوع المعدة إلى الطعام .

حقيقة قرآنية

والإنسان دائماً يضحي من أجل عقيدته التي يؤمن بها حتى لو كانت عقيدة باطلة، وهذه حقيقة أخبرنا بها القرآن الكريم عندما حكى لنا أخبار وأحوال الأمم السابقة وعلاقتهم برسلهم الذين جاؤوا يدعونهم إلى وحدانية الله وإلى التحلي بمكارم الأخلاق فإذا بهؤلاء الأقوام يدافعون عن عقيدتهم الباطلة ويتطاولون على رسل الله ويتهمونهم بالجنون والسفاهة وغير ذلك من القبائح .

وإذا كان هذا يحدث مع معتقدات باطلة فإن دفاع الإنسان عن عقيدته الصحيحة يكون أكثر قوة وصلابة .

ويقول شيخ الأزهر الراحل الدكتور محمد سيد طنطاوي في ارتباط المسلم بعقيدته: العقيدة الإسلامية تقوم على الحق الذي لا يحوم حوله باطل، وعلى المنطق الصحيح، وعلى العقل السليم . . عقيدة تقوم على إخلاص العبادة لله الواحد القهار، عقيدة تقوم على التحلي بمكارم الأخلاق . . ومن شأن العقيدة التي تقوم على تلك المبادئ الكريمة والمقاصد الشريفة أن تهذب من سلوك الإنسان وترقى بمشاعره وتقوده إلى كل عمل صالح كريم . . ولا شك أن الإنسان الذي يلتزم بآداب وأخلاقيات هذه العقيدة ينال كامل الأجر والثواب ويحظى برضا خالقه ويدخل جنته التي أعدها للمتقين المخلصين .

حرية الاختيار

والعقيدة الإسلامية كما توضح الدكتورة آمنة نصير تخاطب عقل الإنسان ووجدانه . . وهي لا تقوم على أسس ومقومات تصدم العقل السليم والمنطق الصحي لكنها عقيدة تنمي في العقل البشري ملكة التفكير، وعندما يفكر الإنسان بهدوء بعيداً عن الضغوط والمؤثرات الخارجية يهتدي إلى الحق والصواب، وهذا ما أرسته عقيدة الإسلام . والإسلام أرسى حرية العقيدة ورفض كل صور الإكراه على العقائد وأكد أن العقائد لا إكراه عليها فهي لا تباع ولا تشترى لأنها مرتبطة بالقلب وبالذات الإنسانية ولذلك كان شعار القرآن: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم .

وهذه الآية الكريمة ترشدنا إلى أن الدين الذي هو تصديق بالقلب وإذعان في النفس ليس فيه إكراه ولا إجبار، وإنما الذي فيه هو الاختيار المطلق والرضا التام بما يطمئن إليه القلب . . والعقيدة الإسلامية توفر كل ما يبعث على الرضا والطمأنينة وهذا ما ردده كل الذين تركوا عقائد آبائهم وأجدادهم واعتنقوا عقيدة الإسلام حيث قالوا: إنهم وجدوا فيها ما يبعث على الرضا والاستقرار النفسي والطمأنينة وهذا كله مقدمات للحياة السعيدة بعيداً عن القلق والاضطراب النفسي والصراعات الداخلية التي تقود الإنسان إلى الانتحار كما نرى في كثير من المجتمعات الغربية والشرقية التي لا يجد الإنسان فيها ما يحقق له الطمأنينة رغم توافر المقومات المادية للحياة .

معرفة الله

وسر عظمة العقيدة الإسلامية التي تقود الإنسان إلى حياة طيبة مستقرة في الحياة الدنيا وتنتقل به إلى حياة أكثر رفاهية ونعيماً واستقراراً في جنة الخلد، أنها لا تقيم حواجز بين الإنسان وخالقه وتوفر له كل ما يرغب أو يتطلع إلى معرفته حتى لو كان الأمر يتعلق بالخالق نفسه، ولذلك كانت معرفة الله تعالى إحدى ركائز العقيدة الإسلامية وقال في شأنها العلماء إنها أسمى المعارف وأرقاها وأعظمها وأنقاها، إذ هي الأساس لكل سعادة والأصل الأصيل والركن الركين لكل حياة طيبة مطمئنة .

معرفة الله تعالى معرفة صحيحة كما قال العلماء هي طب القلوب ودواؤها، هي عافية الأبدان وشفاؤها، بها يدرك الإنسان ما يجب عليه نحو خالقه، وما يجب عليه نحو ذاته، وما يجب عليه نحو غيره . . بها يتحقق قول الله تعالى: وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين .

ومعرفة الله تعالى كما توضح الدكتورة آمنة نصير في مقدمة الأمور التي يؤدي إليها التفكير والتدبر والتأمل في هذا الكون الزاخر بالعجائب والعبر عن طريق العقل السليم، إذ العقل وظيفته التأمل والنظر والتفكير فيما حوله من مخلوقات . . وقد مدح الله عباده الذين يتذكرون ويتعظون في آيات كثيرة منها قوله تعالى: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب . الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار .

احترام الفطرة

والعقيدة الإسلامية التي تهدي كل من يؤمن بها حق الإيمان إلى الحياة الطيبة عقيدة تحترم الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهذه الفطرة هي التي تعمق الإيمان بوجود خالق لهذا الكون، فالفطرة الإنسانية السليمة تدلنا على وجود الخالق سبحانه، والعقل السليم هو القائد والموجه إلى هذه المعرفة .

والعقيدة الإسلامية هي التي تعالج أمراض النفوس وتهدئ من روعها وتوضح للإنسان الهدف من وجوده في الحياة وما ينبغي عليه أن يفعله ليعيش سعيداً هادئاً من دون صراعات نفسية ومن دون انحراف عن رسالة الإنسان في الحياة .

والعقيدة الإسلامية هي التي تنظم علاقة الإنسان بخالقه وترسم له أسلوب حياته في تعامله مع الآخرين ومع كل عناصر الكون من حوله .

وعندما يدرك المسلم كل ذلك ويلتزم بأسس وركائز عقيدته تنتظم العلاقة بينه وبين خالقه وبينه وبين كل المحيطين به والمتعاملين معه . . وبينه وبين كل عناصر الكون، ويؤدي المسلم كل ما هو مطلوب منه في الحياة من طاعات وعبادات وأعمال خيرية . . ثم تكون مكافأته الكبيرة جنة الخلد في الآخرة .