تحقيق: مها عادل

ارسم بدون خطة مسبقة ومن دون التقيد بأي معايير، اطلق شحنات الطاقة السلبية الموجودة بداخلك واستمتع بالتركيز في ضربات الفرشاة، وهي تقودك شيئاً فشيئاً إلى أشكال متنوعة تستطيع أن تتأملها فيما بعد فتكتشف أنها مثل السحب العابرة التي تحدق إليها لتجد أشكالاً وبيوتاً وحيوانات تزحف في بطء على صفحة السماء ثم تتلاشي بالتدريج مع هبات النسيم، هذه التجربة البسيطة قادرة على أن تنتزع الإنسان من ضغوط الحياة وتداعيات التوتر والسباق المحموم الذي يعيشه لتلبية متطلبات العمل والأسرة والدراسة ومتابعة أخبار الحياة اليومية في عالم متلاحق الأحداث.
ورش العلاج بالفن والألوان عادة ما تكون مقصداً لعدد كبير من البشر من مختلف الأعمار، جاءوا لتجربة هذا العلاج النفسي الممتع الذي يبدو بسيطاً، ولكنه عندما يبدأ المرء في ممارسته يكتشف كم هو مفيد وفعال في تهدئة الأعصاب وتحرير طاقة الإنسان الإيجابية.
تحدثنا مدربة التنمية البشرية درة حمدان عن الهدف من إقامة ورش العلاج بالرسم والألوان ودورها في مساعدة المشتركين، وتقول: دورنا كمنظمين للورشة يقتصر على وضع المشاركين فيما يشبه غرفة جدرانها وأرضيتها بيضاء، وتوفير أدوات الرسم والتلوين، فرشاة وألوان متنوعة، ومن يريد المشاركة نوفر له رداء واقياً بسيطاً من البلاستيك الشفاف حتى يحافظ على ملابسه، ثم نترك المشاركين على سجيتهم، فهم يرسمون من دون خطة مسبقة، كل منهم يستخدم الألوان التي يريدها ويلون مساحته بالأشكال كما يريد، هناك حرية كاملة لكل مشارك في تقدير الوقت للرسم، التدخل الوحيد الذي نمارسه أحياناً هو توفير الألوان فأحياناً نقوم باستبعاد الألوان النارية كالأحمر التي تعبر أكثر عن الإثارة ونوفر أكثر الألوان التي تثير الهدوء والتأمل مثل درجات الأزرق والأخضر وألوان البهجة والسعادة والتركيز مثل الأصفر والبرتقالي.
وتضيف حمدان: الهدف الذي نسعى لتحقيقه هو مساعدة المشاركين في التخلص من التوتر وضغوط الحياة وإفراغ أفكارهم ومشاعرهم على الورق حتى يتخلصوا من أي طاقة سلبية تؤرقهم ويحصلوا على ذهن صاف وطاقة إيجابية تساعدهم على مواصلة حياتهم بشكل أسعد وأفضل، من خلال فاعلية مبهجة وممتعة يستطيعون أن يشاركوا بها أطفالهم وأصدقاءهم وتبدأ الورشة بتوجيه مجموعة أسئلة للمشاركين، تستفز داخلهم مصادر الحزن والضيق وأسباب السعادة والبهجة بحياتهم.
داخل غرفة المشاركة كان كرنفال الألوان العفوي شديد الدلالة، إذ ظهرت مشاعر المشاركين على الجدران في صورة رسوم وألوان تبدو عشوائية، ولكنها ربما عند المختصين يمكن أن تقدم تحليلاً نفسياً كاملاً لحالة كل منهم.
تحدثنا إيكو من اليابان والتي شاركت مع طفلتها الصغيرة في هذه الفعالية، وتقول: إنه أمر ممتع للغاية، في البداية كنت أوجه ابنتي وأحاول أن أرسم معها بعض الأشكال، من زهور وسحب وفراشات وأشجار، وبعد قليل أدركت أنني يجب ألا أتدخل فيما تفعله، فتركتها على سجيتها وأمسكت بدوري بفرشاة وبدأت في الرسم والتلوين، وشيئاً فشيئاً انفصلت تماماً عن العالم، ووجدت نفسي بعد مرور نصف ساعة كاملة كأنني أحلّق في عالم الألوان، ما رسمته لا يبدو شيئاً واضحاً، قد يراه البعض شجرة وآخرون بيتاً، وفي الحقيقة لم أكن أقصد أن أرسم شيئاً محدداً، وإنما أخرجت طاقتي في ضربات الفرشاة التي كانت كل ضربة منها تشكل جزءاً جديداً عشوائياً من الصورة العامة الكاملة، ورغم أني لا أجيد الرسم إلا أني استمتعت كثيراً واستعدت حيويتي ونشاطي ومرحي.
أما لارا جوان، التي بدت في غاية التركيز باختيار الألوان وتحديد رسوماتها، فتقول: في البداية عندما دخلت إلى غرفة التلوين كنت أمازح مع أصدقائي فلم نأخذ الأمر بجدية، فأنا لم أرسم شيئاً في حياتي منذ سنوات الطفولة قبل عشرين عاماً، ولكنني بعد وقت قصير شعرت بتدفق هائل من الحماس والسعادة تتفجر بداخلي وأنا أرسم وألون بهذه الطريقة العفوية في هذه المساحة الكبيرة البيضاء، شعرت أنني لا أسمع أصوات من حولي أو أراهم، كل تركيزي كان في هذه البقعة الصغيرة التي اخترتها للتلوين، لم أكن أشعر بأي ضغط أو توتر حتى يخرج ما أرسمه جميلاً أو متقناً، وإنما فقط تركت الفرشاة تقود يدي فترسم خطوطاً تتحول إلى أشكال عفوية، ولكني حرصت أن تعجبني، لا يهمني النتيجة النهائية وكل ما يهمني أنني عشت بالفعل لحظات رائعة من الصمت الجميل والتركيز والانفصال الكامل عن منغصات الحياة، وسبحت في عالم من الألوان وشعرت بحرية وانطلاق.

أحلام مشتركة

محمد حامد (30 عاماً) موظف بدبي اشترك في استخدام الألوان مع زوجته مايا حسين يقول: اتفقنا على أن يرسم كل منا جزءاً من الجدار بحيث تلتقي أعمالنا في المنتصف، في البداية كنت أرسم أشكالا ووجوها مضحكة، ولكنني بعد قليل وجدت نفسي مأخوذا لرسم شجرة وبعض الأزهار ومن دون أن أدرك وجدت أن ما رسمته توافق مع ما قامت به زوجتي، حيث استطاع احد المشرفين على الورشة قراءة رسمتنا التي تكاملت في النهاية لتعبر عن أحلامنا المشتركة ونحن قد بدأنا حياتنا الزوجية منذ عامين فقط وبالفعل التجربة استطاعت إخراج الجانب الإيجابي في أفكارنا.
أما مايا فتلتقط خيط الحديث وتقول: اخترت أن أرسم شكل بيت ربما لأن هذه هي الفكرة التي جاءت على ذهني في كيفية نجاحنا والحصول على منزل سعيد وجميل ويبدو أن أفكارنا تكاملت عن شكل الحياة التي جمعتنا معا.