تحقيق: عبدالعليم حريص
ترى هل اختراقنا للخصوصية بين أفراد الأسرة، يتفق وميراثنا العربي، أم يعد تقليداً لا يتماشى وعاداتنا العربية؟ قديماً كانت الزوجة في المجتمع الغربي تربح نصف ثروة زوجها، إن ثبتت عليه الخيانة، وفي مجتمعنا العربي ماذا ستربح الزوجة إن تبين لها خيانة زوجها؟
يتساءل خبراء علم الاجتماع لماذا نتهم المرأة بأنها الأكثر ميولاً لنوازع التنصت داخل بيتها؟ ويؤكدون أن الرجل بفطرته يحب تعدد العلاقات، فهو لا يعبأ بالتفاصيل، والأنثى تفاصيل صغيرة تكبر لتكون مخلوقاً متعدد المواهب .
محمد حمدان بن جرش السويدي، مدير عام المدينة الجامعية في الشارقة يقول: "مثل هذه الظواهر لم نعهدها في مجتمعاتنا، ولكن هذا لا ينفي وجودها بين الأوساط حيث تغيب الثقة ما بين الأزواج أو الأبناء" ويؤكد بن جرش ضرورة الحوار بين أفراد الأسرة والمتابعة لا التجسس فالثقة بين جميع أطراف الأسرة تقلل نسبة الشك، فالحياة من دون وضوح وثقة سيترتب عليها السقوط في أزمة حقيقية تقود إلى عواقب غير صحية" .
ويستطرد: "الحوار البناء مع الأولاد أقرب طريق للوصول بالسفينة إلى بر الأمان فأنا أتابع أولادي عن كثب، مؤشراً إلى ضرورة الرجوع إلى القيم العربية والأخلاقية التي نشأنا عليها، وعدم الخوض في أمور تهدد كيان مجتمعنا المتماسك بأخلاقه وأعراقه، وقيم دينية وروحية جبلنا عليها ونغرسها في نفوس أبنائنا الذين هم ثمرة جهودنا في هذه الحياة" .
تنامي الفكر التلصصي المشين، أصبح غولاً يلتهم الأحلام، وهكذا أكدت انتصار دواليب، تعمل في مجال الإدارة المالية، إنه الختم الأبدي الذي طبع على أقدارنا، حل مشكلة بأخرى، دائماً نبتكر حلولاً غير مريحة، ولا تؤدي إلا إلى المزيد من العراقيل، أن يلجأ الزوج أو الأب أو الأخ إلى التجسس أمر غير مقبول لا أخلاقياً ولا دينياً، وبالمقابل فإن لجوء المرأة إلى اخفاء فعل ما، يعني وجودها في بيئة لا تلائم حريتها ولا تطلعاتها، كل فعل في الخفاء يكون نتيجة ضغوط فظيعة، ولا تليق معالجته بتصرفات معوجة، هي مشكلة ثقة تعانيها مجتمعاتنا الشرقية في المقام الأول والأخير، وبناء الثقة لا يتم بأصابع ورؤوس لا تملكها ولا تفقه معانيها وأعماقها الساحرة .
وتضيف: انعدام الثقة الذي يؤكده التجسس، إحساس غير مريح، ولا يؤدي إلا إلى المزيد من العتمة المكثفة .
"لن يصلح شيء بإفساد أشياء"، هكذا همست لي صديقتي، والتي اعتاد زوجها على التدخل في كل شؤونها الخاصة والعامة، حتى ما يجمعها بأسرتها، وانتهى به الأمر إلى مراجعة هاتفها وحساباتها البنكية، وإخفاء بريدها الورقي حتى يستطيع الاطلاع عليه أولاً، لم يقم هنا الزوج بجز العشب، إنما سمده بموت صريح لتربته البريئة، ما الظاهر هنا، زوج فقد زوجته بسبب فضوله غير السوي، وحتى لو كانت الزوجة تمارس فعلاً خاطئاً، ما كان عليه كسر الإناء، لكي يعرف ما به .
يرى الإعلامي، عباس فرض الله آل علي، أن لكل إنسان خصوصياته التي لا يحب أن يعرفها سواه، كذلك هو الشأن بالنسبة للزوجين، فمهما كانت الصلة بينهما قوية تبقى لكل منهما خصوصيات يجب أن يحترمها الآخر، موضحاً أن الكثير من الأزواج يعتبرون عدم احترام خصوصياتهم تطفلاً، وتجاوزاً لحدود العلاقة التي تربط بينهما، والعديد يعتقدون أن طول مدة العشرة بينهما تزيل الحواجز وتجعل كليهما على دراية كاملة بحياة الآخر، وبكل تطلعاته وأسراره، إلا أن هذا الأمر غير صحيح" .
أما وليد أحمد محمد، مهندس مدني، فيعتبر أن التطفل على الشريك بمثابة تجاوز لحدود ليس عليه تخطيها، وهذا ما أثبتته مجموعة من الأبحاث الاجتماعية حيث أكدت أن المعاشرة الزوجية الطويلة لا تذيب كافة الحواجز بين الزوجين، فبالرغم من المشاركة في الأصدقاء والعلاقات العائلية والأعمال وبعض الخصوصيات الأخرى، يبقى هناك الكثير من الأمور التي لا يود كل طرف أن يتشاركها مع الطرف الآخر" .
ويضيف وليد أن ما لا يعرفه الأزواج أن هناك فرقاً كبيراً بين التشارك والخصوصية، فالزوجان يتشاركان كل ما يتعلق بالحياة الزوجية من حيث التفاهم حول معظم القضايا كاختيار الأصدقاء ورسم حدود العلاقة مع عائلتيهما وإنجاب الأولاد وتربيتهم والمصاريف اليومية والسفر وقضاء الإجازات ومساعدة بعضهما بعضاً في حالات المرض وغيرها، التشارك في هذه الأمور لا يعني خصوصيات ولا يعني أن أحداً يقتحم عالم الآخر .
أبدت سلوى عميرة، تعمل بمجال التسويق والإعلام، استغرابها لما يبدر من سلوكيات البعض، فهي تؤمن بخصوصية الزوجين، وهي بطبيعة عملها لا ترى حرجاً من أن تطلع زوجها على كل ما يخصها، وتضيف أن للزوج حداً ليفتش في هاتفها أو بريدها الإلكتروني، لأنها تحتفظ برسائل من أخوتها أو أبويها وهذا ليس من حقه معرفته، لافتة إلى أنها تؤمن بأن المرأة أقل استيعاباً للتعامل مع الأجهزة الذكية عن الرجال، لكن فيما يخص مملكتها فهي الأقدر، ولعل كما يقال حاستها الأنثوية تساعدها على ذلك، أو أن حظ معشر الرجال عثر أمام تربصنا، حيث يتمكن الرجل في أي لحظة من الاستطلاع عن كل شيء من دون أن يعيبه أحد، أما هي فالوضع مختلف، لذا كانت الأذكى في عالم تصيد الأخطاء بتفاصيل صغيرة تكوّن لديها ملفاً متكاملاً لا يسع الرجل إلا أن يقف مذهولاً بما نواجهه إذا ما أردنا" .
هنا نتساءل هل القانون يعطي هذا الحق للزوج؟ ويسمح له بأن يعبث بخصوصيات زوجته من دون علمها ويقتحم حرمة أسرارها؟ بهذا الاستفهام بدأ الفضل محمد، الباحث القانوني بدبي، مشيراً إلى أن الاطلاع على أسرار الزوجة سواء خطاباتها أو حقيبتها الخاصة أو جيوب ملابسها أو مكالماتها التليفونية، عمل غير أخلاقي وربما يؤدي إلى تدمير الأسرة، فقبل أن يكون الزوج طرفاً في أسرة فهو إنسان له حريته، وكذلك الزوجة إنسانة لها أحاسيسها وخصوصيتها وأسرارها، ويكمن بعض جمالها في غموض أبعاد شخصيتها ذاتها، وانكشاف هذه الأشياء الخاصة سيضيع كثيراً من هذا الجمال الذي يجذب الزوج نحوها فيقلل من قوة العلاقة بينهما، فضلاً عن أن تكون تلك الأسرار خاصة بعائلتها مما يجعلها تتحفظ في أن تطلع زوجها عليها لسبب أو لآخر، فيجب ألا يرى الزوج زوجته في أوضاع أو ظروف لا تحب أن يراها فيها، لذا ينبغي علينا الاحترام التام للإنسانية الموجودة داخل كل منا، لأنها الأبقى حينما ينتهي الحب والعشرة والمودة . . وإلا انهارت كل القيم" .
وأوضح أن الدين الإسلامي الحنيف أعطى للمرأة الحق في أن يكون لها أهليتها وشخصيتها المستقلة وكذلك الحق في أن يكون لها ذمة مالية مستقلة، فكيف إذاً يحق لزوجها قراءة رسائلها أو فتح حقيبتها أو العبث بمتعلقاتها من دون علمها أو رغماً عنها؟ فربما تكون الأوراق متعلقة بعملها الخاص أو حسابها في البنك وفي هذه الحالة لا يحق للزوج أن يطلع على أسرار عمل زوجته، ثم يعود متسائلاً: "كيف يبيح الزوج لنفسه أن يتلصص على زوجته؟ أليست هذه الزوجة شريكته وأم أولاده؟" .
أما د . حنان حسين أستاذة الطب النفس بجامعة عين شمس في القاهرة، استشارية الطب النفسي بالمركز الأمريكي النفسي والعصبي، فترى أنه لا خصوصية بين الزوجين لأن أي شيء يحاول طرف إخفاءه عن الآخر فهو خطأ لا يجب كشفه، عدا أمور العمل وتفاصيله لأنها لا تعني أهمية بالنسبة للبيت، أما ما يخص الأسرة فهو حق مكتسب للطرفين .
وتشير إلى أن التلصص أمر لا يدخل ضمن نطاق حقوق الزوجين، فالمواجهة تكون أفضل لأن كثرة التلصص ستجعل الشخص موضع اتهام يبدأ في البحث عن مبررات لكل تصرفاته مما يدعو إلى النفور وتجنب الحوار مع شريكه .
كما بينت حسين استبعاد وصول مشكلات التلصص إلى مرحلة تقويض الحياة الزوجية لأن البيئة الشرقية تعرف جيداً كيف تحافظ على كيان الأسرة، لأن علاقة الزواج فيها مساحة للأخذ والعطاء، فهناك نضج في التعامل ولن نجزم بأن هناك تغيراً حدث فجأة فسيسبقه شواهد يجب أن تراعي، كالاختيار السليم، وكل شخص من المفترض أن يكون على دراية بواجباته قبل حقوقه وغالباً الزوج لا يلجأ إلى التلصص لعلمه أن هناك خصوصية في العمل فلا يقحم نفسه في هذه التفاصيل خلاف الزوجة، فهي الأكثر ارتياداً لمواطن الشك، فمراعاة الآخر احترام لخصوصيته .
الفنانون والمشاهير أكثر عرضة للتلصص كما يقول الفنان المصري، عمرو يسري، ويؤكد إرجاع التلصص إلى ثلاثة عوامل من الغيرة: الأول غيرة حب الامتلاك وهنا تلجأ الزوجة إلى التلصص، لا بدافع الغيرة الصحية بل الغيرة التدميرية، العامل الثاني الغيرة الإيجابية وهنا تتلصص لأجل معرفة من يخاطبه - وخاصة إن كانت أنثى - لتعرف ما الذي يشد زوجها للحديث معها لتغير من أسلوبها، وهذه غيرة مفيدة لكلا الطرفين، وعلى الزوج أن يتفهم ذلك ما دامت الزوجة تحاول التغيير في سلوكها وأسلوبها معه، والثالث غيرة الواثقة من نفسها وهنا تلاحقه بذكاء من أجل معرفة كل شيء عن الزوج وتحركاته فهي لا تعطيه - الثقة المطلقة في تحركاته - ومن حق الزوج أن يخبرها بذلك، وهذا نادر، فهي تنتمي إلى صنف المرأة الواثقة في نفسها، لكنها تقوم بدورها الفطري للحفاظ على بيتها .