جاء في الأثر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً وقال: هذا سبيل الله ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن يساره، وقال: هذه سبل على كل سبيل شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى: وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون (الأنعام 153) .
تتضح العلاقة هنا بين الاستقامة والتقوى كما بينت الآية الكريمة، فمن كان مستقيما يوشك أن يكون تقيا وعساه أن يكون كذلك إن واظب على الاستقامة، وما أجمل أن يكون الإنسان حريصاً على ذلك طوال حياته، فالثبات على دين الله دليل على سلامة المنهج، والثبات وهو طريق لتحقيق الأهداف العظيمة والغايات النبيلة يعني الاستقامة على الهدى، والتمسك بالتقى، وقسر النفس على سلوك طريق الحق والخير، والبعد عن الذنوب والمعاصي وصوارف الهوى والشيطان، ومما قالهُ -عليه الصلاة والسلام-: تركت فيكم أمرينِ لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتابُ الله وسنتي . ويندرجُ تحتَ هذا الأصلِ الاقتداءُ بسلفِ الأُمةِ الصالحين .
مَا أَجْمَلَ الطَّاعَةَ إِذَا أُتْبِعَتْ بِطَاعَةٍ، وَمَا أَعْظَمَ الْحَسَنَةَ وَهِيَ تَنْضَمَّ إِلَى الْحَسَنَةِ، لِتَكُونَ مِنَ الأعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي تَرْفَعُ الْعَبْدَ إِلَى الدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَتُنَجِّيهِ مِنَ النَّارِ بِرَحْمَةِ الله وَفَضْلِهِ، وَمَا أَتْعَسَ الْمَرْءَ وَأَقَلَّ حَظَّهُ مِنَ الإِسْلامِ إن هدم مَا بَنَى وأفسد مَا أَصْلَحَ، وارتد إِلَى حَمْأَةِ الْمَعْصِيَةِ وَظُلْمَةِ الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ ذَاقَ لَذَّةَ الإِيمَانِ وَحَلَاوَةَ الطَّاعَةِ، وَلَقَدْ كَانَ مِنْ دُعَاءِ الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم فِي صَلَاتِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأمْرِ وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ . (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ) .
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم الْمُدَاوَمَةُ عَلَى الأعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَلَوْ كَانَتْ قَلِيلَةً وقد سُئِلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: هَلْ كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَخْتَصُّ مِنَ الأَيَّامِ شَيْئاً؟ قَالَتْ: لا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُطِيقُ . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَيَقُولُ صلى الله عليه وسلم: أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى الله تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنَّ قَلَّ
وإذا كانت القلوبُ أوعية الهداية، أو هي السبب في الغوايةِ، فهي بينَ إصبعينِ من أصابعِ الرحمن يُقلبُها كيف شاءَ، وثبت في الحديثِ الصحيحِ أنَّ أكثرَ دعائهِ -صلى الله عليه وسلم-: يا مقلبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على دينك .
حلاوة الإيمان
إن الإيمان له قوته الإيجابية التي تعمل على تنمية المشاعر وتنقيتها، وإن القوة الإيمانية تترك بصماتها على الفرد والجماعة، وعلى سائر اتجاهات السلوك الإنساني، ومتى صحّ الإيمان ورسخت حلاوته في قلب المؤمن رزقه الله الثبات في الأمر، وكلما كان قويّاً في إيمانه، صلباً في دينه، صادقاً مع ربه، ازداد ثباته، وقويت عزيمته، قال الله تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (الأحزاب: 23) .
إن القرآن الكريم أعظم مصدر للتثبيت؛ لأنه يزرع الإيمان ويقوي الصلة بالله، وهو العاصم من الفتن وكيد الشيطان وغوايته، كما أنه يزود المسلم بالتصورات والقيم الصحيحة التي يستطيع على ضوئها أن يُقوِّم الأوضاع التي من حوله تقييماً صحيحاً، واليقين هو جوهر الإيمان، ومما لا شك فيه أن اليقين والرضا والتسليم لقضاء الله وقدره من أقوى الدعائم والعوامل المعينة على الثبات .
جعل الله التثبيت نصيب المؤمنين والإضلال حظ الظالمين، فقال -جل ذكره-: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاء (إبراهيم: 27) .
ومن عوامل الثبات على الدين: التربية الإيمانية الواعية القائمة على الدليل الصحيح، والإحاطة بالواقع علماً، وبالأحداث فهماً وتقويماً، وهذه التربية ينبغي أن تكون متدرجة تسير بالمسلم شيئاً فشيئاً وترتقي به في مدارج كماله، لا ارتجال فيها، ولا تسرع، ولا حماس طائش .
إن الثبات على المبدأ والاقتناع بالمنهج . . من أهم مايحتاج إليه الداعية لانه سيواجه فتناً ورزايا . . ومحناً وبلايا تحتاج إلى هذا الثبات الذي لا تزعزعه الأعاصير ولا تذهب بألوانه وبهائه شمس النهار .
ومن سنن الله المحكمة وقوانينهِ الماضية، أن تكون نتيجةُ التدافع بين الحق والباطل نصراً مؤزَّراً للحق وأهله وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (الروم: من الآية 47)، وإذا كان ادعاءُ الإيمان سهلاً على كل أحدٍ، فقد اقتضتْ حكمتُه سبحانه أن يجعلَ هذا التدافعَ ابتلاءً يَمِيزُ به الخبيثَ من الطيب، ويكشفُ به الثابتَ على المبدأ من المراوغ المتلوِّن الذي لا يثبت أمام الفتنة وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (محمد: من الآية 31)، وشتان بين المجاهد الصابر لحكم الله الثابت على الحق، وبين فئة من الأدعياء .
الفهم الدقيق للرسالة
ومن هنا كان الثباتُ على المبدأ والصبرُ على الفتنة؛ من أهم سمات المؤمنين الصادقين والدعاة المخلصين، قال أحد الصالحين: وأريد بالثبات: أن يظل الأخُ عاملاً مجاهداً في سبيل غايته؛ مهما بعدت المدة، وتطاولت السنوات والأعوام، حتى يلقى الله على ذلك، وقد فاز بإحدى الحسنيين، فإما الغاية، وإما الشهادة في النهاية مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23 الأحزاب)، والوقت عندنا جزءٌ من العلاج، والطريقُ طويلةُ المدى، بعيدةُ المراحل، كثيرةُ العقبات، ولكنها وَحْدَها التي تؤدي إلى المقصود مع عظيم الأجر وجميل المثوبة .
إنه الفهم الدقيق لحقيقة الرسالة التي نؤمن بها، وندعو إليها، ولطبيعة الطريق التي أسعدنا الله بالسير فيها خلف نبيه صلى الله عليه وسلم .
إنَّ إيمانَنا برسالتِنا . . رسالةِ الحق والخير والنور لأمتنا ووطننا، وثباتَنا على مبادئِنا المستمدةِ من دينِنا، وتمسّكَنا بمنهجِنا وطريقِنا الذي رضيَه اللهُ لنا؛ كل ذلك هو الذي يعطينا القوةَ أمامَ خصومِ دعوتِنا، فلا نكوصَ ولا تذبذبَ ولا زعزعةَ؛ بل شموخ وثبات، فدعوتنا الطيبة كالشجرة الطيبة أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (إبراهيم: من الآية 24)، جذورُها لا تزداد على المكائد إلا ثباتاً ورسوخاً، وساقُها لا تزداد على الابتلاءات إلا قوةً وسُمُوقاً، وأغصانُها لا تزداد على كثرة الرمي إلا إنباتاً وإثماراً، فهي تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا (إبراهيم: من الآية 25) .
حفظ القلب واللسان
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: (إِنَّ الثَّبَاتَ عَلَى الطَّاعَةِ وَلُزُومَ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ عَزِيزٌ وَعَظِيمٌ، لاسِيَّمَا مَعَ فَسَادِ الزَّمَانِ وَكَثْرَةِ الْمُغْرِيَاتِ وَتَتَابُعِ الشَّهَوَاتِ وَكَثْرَةِ الشُّبُهَاتِ وَضَعْفِ الْمُعِينِ وَكَثْرَةِ الْفِتَنِ الَّتِي أَخْبَرَ عَنْهَا صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ: بَادِرُوا بِالأعْمَالِ، فستكون فِتَناً كَقَطْعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً أَوْ يُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصْبِحُ كَافِراً يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرْضٍ مِنَ الدُّنْيَا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَالنَّفْسُ الثَّابِتَةُ عَلَى دِينِ الله تَحْتَاجُ إِلَى الْمُرَاقَبَةِ التَّامَّةِ وَالْمُلاحَظَةِ الدَّائِمَةِ والتمسك بالْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَالْبُعْدِ عَنْ مُوَاطِنِ الْهَوَى وَالْمُجَاوَزَةِ وَالطُّغْيَانِ وَلأَجْلِ هَذَا فَقَدَ أَرْشَدَ أُمَّتَهُ بِقَوْلِهِ: اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وَبِقَوْلِهِ سَدِّدُوا وَقَارِبُوا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
وَالسَّدَادُ هُوَ حَقِيقَةُ الِاسْتِقَامَةِ وَالثَّبَاتِ وَهُوَ الْإِصَابَةُ فِي جَمِيعِ الأقْوَالِ وَالأعْمَالِ وَالْمَقَاصِدِ وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَجَلُّ قَوْلُ الله تَعَالَى: فاستقيموا إليه واستغفروه (فصلت 6)، وَمَدَارُ الثَّبَاتِ عَلَى دِينِ الله وَالِاسْتِقَامَةِ عَلَى طَاعَتِهِ هو حِفْظُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ فَمَتَى اسْتَقَامَا اسْتَقَامَ سَائِرُ الأعْضَاءِ وَصَلُحَ الْإِنْسَانُ فِي سُلُوكِهِ وَحَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ وَمَتَى اعْوَجَّا وَفَسَدَا فَسَدَ الْإِنْسَانُ وَضَلَّتْ أَعْضَاؤُهُ جَمِيعاً،
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ .
وَعِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حتى يستقيم لسانه .
العمل الصالح
فإذا ذاق الإنسان حلاوة الإيمان، وتمكنت جذوره في قلبه، استطاع أن يثبت على الحق، ويواصل المسير، حتى يلقى ربّه وهو راضٍ عنه، ثم إن ذلك الإيمان يثمر له العمل الصالح، فلا إيمان بلا عمل، كما أنه لا ثمرة بلا شجر، ولهذا جاء في الحديث: (ثم استقم) فرتّب الاستقامة على الإيمان، فالاستقامة ثمرة ضرورية للإيمان الصادق، وحقيقة الاستقامة، أن يحافظ العبد على الفطرة التي فطره الله عليها، فلا يحجب نورها بالمعاصي والشهوات، مستمسكاً بحبل الله، كما قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (والاستقامة في سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القويم من غير تعويج عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها: الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها)، وهو بذلك يشير إلى قوله تعالى: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (الروم: 30) .
وقد أمر الله تعالى بالاستقامة في مواضع عدة من كتابه، منها قوله تعالى: فاستقم كما أمرت ومن تاب معك (هود: 112)، وبيّن سبحانه هدايته لعباده المؤمنين إلى طريق الاستقامة، كما قال عزوجل: وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (الحج: 54)، وجعل القرآن الكريم كتاب هداية للناس، يقول الله تعالى في ذلك: كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد (إبراهيم: 1) .