لم يهتم كتاب سماوي بالعلم كما اهتم به القرآن الكريم، فتحصيل العلم المفيد النافع واجب وتقديمه للآخرين أيضاً من الواجبات، فهو الذي يهدي إلى صالح العمل، كما أنه يهدي إلى الإيمان، فالعلم دليل الإيمان، كما أرشد إلى ذلك القرآن الكريم في قول الحق سبحانه: وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم، فالعلم الصحيح يترتب عليه الإيمان، والإيمان يترتب عليه الإخبات والخشوع .
ولأن العلم يسبق الإيمان والعمل، كان أول ما نزل من القرآن قوله تعالى: اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم، ففي الآيات الكريمة أمر مكرر بالقراءة، وهي مفتاح العلم، وفيها تنويه بالقلم وهو أداة نقل العلم وتثبيته .
وانطلاقاً من ترسيخ القرآن لقيمة العلم وجعله منهج حياة للمسلم حتى في التعرف إلى خالقه وأداء ما عليه من عبادات، كان من أبرز تعاليم الإسلام: كما يقول المفكر الإسلامي، الدكتور أحمد كمال أبو المجد- الحث على العلم، فقد خلق الله الإنسان، ومنحه أدوات تحصيل العلم من سمع وبصر وعقل، ولذلك يقول الحق سبحانه في قرآنه الخالد: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون، وقال عز وجل في موضع آخر: ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً، فالقرآن قد أشار في كثير من آياته الكريمة إلى الأدوات الثلاث الرئيسة في التعلم وهي: السمع، والبصر، والفؤاد وهو العقل .
ونظراً لما للعلم من أهمية وقيمة في توجيه الإنسان وقيادته إلى الحياة الطيبة فقد عُني القرآن الكريم: كما يوضح الدكتور أبو المجد- بإبراز فضل العلماء وبيان قيمة من يمتهن العلم ويقدمه للناس، فقال سبحانه في سورة الزمر: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وقال في سورة آل عمران: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط، وفي هذه الآية الكريمة بدأ الخالق بنفسه ثم الملائكة، وذكر بعدهم أولي العلم .
وقال سبحانه وتعالى أيضاً في سورة فاطر: إنما يخشى الله من عباده العلماء فخشية الله هي ثمرة معرفته، فمن عرف خالقه حق المعرفة، خشيه حق خشيته، بخلاف الجهلاء الذين يرفضون تحصيل العلم، وخاصة ما جاء به القرآن، ولا يسعون لذلك رغم قدرتهم عليه، فهم يعيشون كالأنعام بل هم أكثر جهلاً منهم .
ولأن تحصيل العلم الديني يحتاج إلى قدرات ونفقات فإن الخالق لم يلزم كل عباده بالقيام بواجب تحصيل هذا العلم ونقله للآخرين، بل جعل ذلك مسؤولية جماعة من المسلمين المؤهلين لذلك في كل مجتمع، وفقا لقوله سبحانه: ولولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون وقوله تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون . والتعلم في الإسلام لا يقف عند حد معين، ولا عند سن معينة، بل واجب الإنسان أن يتعلم طوال عمره حتى يلقى خالقه سبحانه، وأن ينقل علمه النافع إلى غيره ليستفيد منه، وهكذا يتم تداول العلم ليستفيد منه أهل الأرض جميعا من مسلمين وغير مسلمين .
خرافات المتخلفين
المفكر الإسلامي، الدكتور محمود حمدي زقزوق، وزير الأوقاف المصري الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، يؤكد أن القرآن دستور شامل لحياة علمية من شأنها أن تنهض بالمجتمع الإسلامي وتضعه في مقدمة المجتمعات التي ترتقي وتنهض بالعلم لو طبقت تعاليم القرآن تطبيقاً صحيحاً . . ويقول: لا خلاف على أن التطبيق الصحيح لتوجيهات القرآن في ما يتعلق بالعلم وتقدير العلماء، يحقق ما تتطلع إليه مجتمعاتنا من نهضة وتقدم، ويخلصها من مشكلة التخلف العلمي التي نعانيها في معظم أقطار العالم الإسلامي .
وهنا يؤكد الدكتور زقزوق أن القرآن بريء من خرافات المخرفين الذين يحملون كتاب الله الخالد مواقف هو بريء منها، ويقول: منذ أكثر من عشرين عاماً أطلعني الداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي رحمه الله وهو في غاية الأسف والحزن على كتاب كان قد صدر في بعض الدول العربية، يزعم فيه مؤلفه المحسوب على العلم الديني إنه أتى في هذا الكتاب بثمانية وأربعين دليلاً من القرآن على أن الأرض لا تدور، والذي يقرأ هذا الكتاب وأمثاله من الكتب التي تنشر الخرافات بين الناس يعذر خصوم الإسلام من المستشرقين، وغيرهم ممن يزعمون أن القرآن عدو للعلم وللبحث العلمي، والمؤسف أن هذه الخزعبلات ما زالت تنشر بين المسلمين وتشوه صورة القرآن .
وحقيقة الأمر، كما يقول الدكتور زقزوق: أن الإسلام الذي حرر العقل من كل أشكال التقليد قد أفسح المجال أمام العلم والبحث العلمي إلى أبعد الحدود، وهناك العديد من الأسانيد القرآنية في هذا الصدد، ويكفي أن نشير إلى قول الله عز وجل: وسخر لكم ما في السماوات والأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون، فهذه الآية تبين لنا أن السماء والأرض وما بينهما مسخرات للإنسان لتكون مجالاً خصباً للبحث والنظر لكل من لديه الاستعداد للتفكير والرغبة في البحث بصرف النظر عن جنسه أو معتقده أو لونه أو لغته، فالخطاب موجه لقوم يتفكرون بصفة عامة، والتفكير وظيفة العقل الإنساني، والكون جميعه هو صحيفة هذا العقل التي ينظر فيها وكتابه الذي يتلوه .
إن الإسلام لم يضع حدوداً ولا قيوداً أمام البحث العلمي، والحدود والقيود والعقبات من صنع الأصدقاء الجهال الذين هم أضر بالإسلام من الخصوم العقلاء، وصنيعهم مع الإسلام مثل صنيع الدبة التي قتلت صاحبها بحجر كبير ألقته على وجهه بنية إبعاد ذبابة تزعجه في نومه .
وهؤلاء هم سبب بلاء الأمة الإسلامية في العصر الحاضر، بما يصدر عنهم من فتاوى تسيء إلى الدين أبلغ إساءة، وكتابات تشوه حقائق القرآن .
علوم الدين والدنيا
ومن الحقائق التي لا يجوز تجاهلها أن العلم الذي حثنا القرآن على تحصيله ونشره بين الناس ليس مقصوراً كما يوضح عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر على العلم الديني فقط، فهذا جانب واحد من جوانب متعددة، فالعلم الديني بنص القرآن تختص به طائفة معينة مصداقا لقوله تعالى: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون .
أما بقية فئات الأمة فإن على كل فئة منها أن تختص بمجال من مجالات العلم المختلفة، وهذه الجهود جميعها تتكامل في النهاية ولا تتناقض لتحقق للأمة نهضتها وتقدمها، وعلى المسلمين أن يبذلوا أقصى الجهد للحصول على العلم، حتى لو كان في الصين كما جاء في بعض الأحاديث المروية عن الرسول عليه الصلاة والسلام، أي: حتى ولو كان في أبعد مكان في الدنيا، أو حتى ولو كان في يد من لا يدينون بدينكم، فالعلم لا وطن له ولا دين، ومن البديهي أن العلم الذي نطلبه ولو في الصين لا صلة له بالعلم الديني، وإنما هو العلم بجميع أبعاده، إنه العلم الذي يخدم الحياة الدنيا التي نعيش فيها، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها كما جاء في الحديث النبوي الشريف .
وقد بين لنا القرآن الكريم أن العلماء (بالمعنى الواسع للكلمة) هم أخشى الناس لله، لأنهم الذين يستطيعون إدراك سنن الله في الكون ويدركون عظمة الخلق وجلال الخالق . ومن هنا اعتبر النبي عليه الصلاة والسلام مداد العلماء مساوياً لدماء الشهداء .
التقوى والتواضع
والعلم كما حثنا عليه القرآن ليس هدفاً في حد ذاته، فنحن: كما يقول الدكتور عبدالله النجار أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر- لا نتعلم العلم لمجرد تحصيله، فهو ليس غاية مقطوعة الصلة عن النتائج والثمار، ولكنه طريق لتحصيل خيري الدين والدنيا، فهو في مجال الدين أداة لمعرفة أحكامه والوقوف على أسراره حتى تكون عبادة الله عن رشاد وهداية، وهو في مجال الدنيا وسيلة لتحصيل عزها وكشف أسرارها وتبادل الحوار، ونقل الأفكار وتطوير الحياة على نحو ما هو أسمى وأفضل، ولهذا كان علم الدنيا مطلوباً، كما كان علم الدين مطلوباً، وهو في الحالين لن يكون محققاً للهدف منه إلا إذا كان مقروناً بجملة من الضوابط التي تحدد مساره وترشد غايته، وهي كما يلي:
يجب أن يكون العلم مقرونا بتقوى الله سبحانه، ومن دون التقوى لن يصل طالب العلم إلى غايته، ولن يستطيع أن يأخذ من العلم ثمرته، ولن يتمكن المجتمع الذي ينتمي إليه من الاستفادة به، ولهذا ربط الله بين العلم وبين تقواه سبحانه وتعالى .
أن يلتزم العلم بحدود الشارع وأحكامه فلا يتجاوز تلك الحدود، ولا يستخدم لإبطال الحق، أو رفعة الباطل .
التواضع في طلب العلم، فإن الكبر يمنعه، والترفع يزيله ويطمس على بصيرة طالبه، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: وقل رب زدني علماً، فإن من يدعو ربه بالمزيد من العلم لا يشعر بأنه قد اكتفى منه، وفي هذا ما يدل على خفض جناحه وانكسار نفسه وتواضعه له .