وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينادي في الناس: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على الله ويومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية، فالعمر أمانة والعلم أمانة والمرء فينا مسؤول، قال صلى الله عليه وسلم: لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه (صحيح الجامع).
الحياة فرص والعمر غنيمة والصحة والفراغ نعمة فأين من يغتنم ذلك؟ قال صلى الله عليه وسلم: اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك (صحيح الجامع).
وقال الحسن رضي الله عنه: ابن آدم، إنما أنت بين مطيتين يوضعانك: يوضعك النهار إلى الليل، والليل إلى النهار، حتى يسلمانك إلى الآخرة فمن أعظم منك يا ابن آدم خطرا؟.
كتب أحد الصالحين إلى أخ له فقال: يا أخي يخيل لك أنك مقيم بل أنت دائب السير، تساق مع ذلك سوقاً حثيثاً، الموت موجه إليك والدنيا تطوى من ورائك، وما مضى من عمرك فليس بكار عليك حتى يكر عليك يوم التغابن.
كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره وشهره يهدم سنته وسنته تهدم عمره؟ وكيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله، وتقوده حياته إلى موته؟.
قال الفضيل بن عياض لرجل: كم أتت عليك؟ قال: ستون سنة. قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقال الفضيل: أتعرف تفسيره؟ من علم أنه لله عبد وأنه إليه راجع فليعلم أنه موقوف ومن علم أن موقوف، فيلعلم أنه مسؤول ومن علم أنه مسؤول فليعد للسؤال جواباً. فقال له الرجل: فما الحيلة؟ قال: يسيرة. قال: ما هي؟ قال: تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى فإنك إن أسأت فيما بقي أخذت بما مضى وبما بقي.
إذن يجب علينا أن نعمل في دار المقام قبل الرحلة ونبادر قبل الموت وحسرات الفوت وضيق المضطجع وهول المطلع والموقف للحساب والمرور على الصراط.
اللهم اجعلنا من المعتبرين المتذكرين الذاكرين الشاكرين العابدين الطائفين الراكعين الساجدين وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على البشير النذير والسراج المنير سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.