مارست المرأة الحقوق السياسية بكل صورها منذ أكثر من 14 قرنا مع فجر الإسلام وفي عهد النبوة لكنها الآن أصبحت تواجه الكثير من المعوقات والصعوبات في ممارسة هذه الحقوق، فبدلا من أن تحصل على المزيد من الحقوق وجدت المرأة المسلمة أنها تعود إلى الوراء والسبب في ذلك وجود خلل اجتماعي في الموروث الثقافي الذي حرمها من حق أصيل منحه لها الإسلام وشريعته العادلة.

د. آمنة نصير أستاذة العقيدة والفلسفة الإسلامية في جامعة الأزهر تؤكد أن موقف الإسلام من هذه القضية واضح كل الوضوح، فالإسلام لم يفرق بين الرجل والمرأة في ممارسة أي حق من الحقوق مادامت المرأة مؤهلة وواعية لما تفعل وقادرة على ممارسة هذا النشاط وخدمة مجتمعها الإسلامي من خلاله. وكل ما هو مطلوب من المرأة المسلمة أن تتعلم وتتثقف وتتدرب لتكون مؤهلة لممارسة أي نشاط سياسي أو اجتماعي أو ديني، فالعبرة هنا ليست بالجنس ولكن العبرة بالإمكان والقدرات والطاقات.

بيعة النساء

وتقول: من خلال القراءة الواعية للتاريخ الإسلامي نجد أن الإسلام أتاح للمرأة ممارسة الحق السياسي فبيعة النساء للنبي الكريم بعد فتح مكة سنة 8 ه وثيقة للحق السياسي للمرأة في الإسلام، وشاهد عيان على دورها في مجتمع العهد النبوي وممارستها العملية لهذا الحق، فالله سبحانه وتعالى يقول للنبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه: يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئا، ولا يسرقن، ولا يزنين، ولا يقتلن أولادهن، ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم.

وتضيف: وهكذا كانت قمة الحوار السياسي بين الرسول وبعض النسوة في بيعة النساء، وحدث الأمر نفسه في بيعة العقبة الأولى قبل هجرة الرسول الكريم إلى يثرب مع الأوس والخزرج. لذلك ليست هناك تفرقة بين المرأة والرجل في ممارسة العمل السياسي سوى الإمكانات والقدرات، ويجب عدم الجري وراء شعارات براقة لا تحقق للمرأة تقدما على أرض الواقع.

وإذا كنا نطالب بإعطاء المرأة الحق في ممارسة النشاط السياسي فنحن نطالب بإعدادها جيدا للقيام بذلك على الوجه الأكمل، وعلينا أن نمنحها بقية حقوقها المدنية المحرومة منها. أما تعليق قصورنا وإهمالنا في إعداد المرأة المسلمة للتعامل مع الواقع الذي نعيشه على شماعة الإسلام فهذا خطأ وظلم واضح للإسلام، فالإسلام وهو دين المساواة لم يحرم المرأة من ممارسة حقوقها عامة وممارسة المرأة المسلمة لأمورها الدنيوية وعلى رأسها العمل السياسي لا غبار عليه مادامت تلتزم بأحكام الإسلام وآدابه في التعامل مع الناس في المجتمع الكبير خارج بيتها، وقرار المرأة في البيت ليس سجنا لها فيه، ولكنه توجيه إلى مكان عملها وأدائها لرسالتها الجليلة في الحياة، ولكن إذا اقتضت الظروف مشاركتها في أمور المجتمع فلا غبار على أن تخرج من بيتها وتكمل رسالتها في هذا الجانب.

الحرية قبل المشاركة

د. زينب رضوان أستاذة الفلسفة الإسلامية بكلية الدراسات العربية والإسلامية بجامعة القاهرة والعضوة السابقة بالبرلمان المصري ترى أن المشاركة السياسية تتطلب قبلها وجود الحرية السياسية، والحرية السياسية هي التي يمنح بمقتضاها الحق لكل فرد عاقل رشيد في أن يشترك في إدارة شؤون الدولة ويراقب أعمال السلطة التنفيذية عن طريق انتخاب الممثلين انتخابا حرا أو عن طريق الاستفتاء العام، وقد ذهب الإسلام في الأخذ بالحرية السياسية إلى أبعد الحدود. وقرر أن اختيار الخليفة موكول إلى المسلمين وأن الخلافة الصحيحة هي ما كانت نتيجة بيعة حرة.

واعترافا بشخصية المرأة في نطاق الدولة ساوى الإسلام بينها وبين الرجل في هذا الحق، وأخذت منها البيعة مستقلة عن الرجل. وينطوي هذا على إقرار بكيان المرأة المستقل من دون تبعية للرجل وأسوة به في ممارسة الحقوق السياسية والاعتراف بأهليتها لذلك.

ونقرأ في سورة الممتحنة قوله تعالى: يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم.

وتضيف: وجدير بالذكر أن هذه هي الصيغة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ بها البيعة عن الرجال أيضا بصيغة المذكر، كذلك كانت المرأة منذ صدر الإسلام تشارك وتحضر مجالس الحاكم وتراجعه في قراراته.

ولا ننسى أنه حين خطب سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو خليفة المسلمين يوما في شأن تيسير المهور وعدم المغالاة فيها، وقال: لا تغالوا في مهور النساء، قامت امرأة وقالت: يا ابن الخطاب اتحد أمرا أطلقه الله؟، قد قال تعالى: وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا، فرجع عمر عن رأيه وقال قولته الشهيرة: أصابت امرأة وأخطأ عمر.

وتؤكد د. زينب رضوان أن الشريعة الإسلامية ساوت بين المسلم والمسلمة في التكاليف العامة، وقررت للمسلمة، أسوة بالمسلم، الأهلية التامة والحق الكامل في مختلف التصرفات المدنية وإن كان هذا يتضمن إقرار مشاركة المسلم والمسلمة في كيان المجتمع والدولة سواء بسواء. ويجعل لها ضمن ما يجعل الحق مثله في النشاط السياسي والاجتماعي على مختلف أشكاله وأنواعه، بما في ذلك ممارسة الحياة النيابية مما يتصل بتمثيل طبقات الشعب ووضع النظم والقوانين التي تسن للجميع، والإشراف على الشؤون العامة التي تتصل بمصلحة الجميع، والجهود والحركات والدعوات والتنظيمات الوطنية والكفاحية والاجتماعية والإصلاحية المتنوعة.

مهارات قيادية

أما د. عبد الغني محمود الأستاذ بكلية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر فيوضح أنه لم يرد نص في القرآن الكريم والسنة يمنع المرأة من مباشرة الحقوق السياسية المتعلقة بالاقتراع في الانتخابات التشريعية المتعلقة بانتخاب أعضاء البرلمان وانتخاب المجالس المحلية بحيث يكون لها أن تعبر عن رأيها بالموافقة أو الرفض بشأن المرشح، كما يحق لها أن ترشح نفسها لعضوية البرلمان سواء كان ذلك لمجلس الشعب أو الشورى كما يحق لها أن ترشح نفسها لعضوية المجالس المحلية.

ويقول: إن مشاركة المرأة في الحياة السياسية ليست بدعة فقد مارستها بالفعل منذ فجر الدعوة الإسلامية في العهد النبوي حيث كانت تتسلل مع الرجل لمقابلة رسول الله صلى الله عليه وسلم خارج مكة لمبايعته وأخذ العهد في بيعتي العقبة الأولى والثانية.

ويضيف: الشريعة الإسلامية لا تمنع المرأة من أن تمارس كل الأدوار في كافة المجالات السياسية ولا يوجد أي حائل أو مانع لارتقائها المناصب ومشاركتها في عملية صنع القرار لكن القضية هنا تكمن في الموروث الثقافي والبيئي والأعراف، فعلى الرغم من أن المرأة أثبتت تمتعها بقدر كبير من المهارات القيادية إلا أن التنشئة الاجتماعية والصورة النمطية السلبية للمرأة تؤكدان الاتجاه المتمثل في استمرار جعل عملية صنع القرار السياسي حكرا على الرجل.

وهكذا فالقضية ثقافية والكلام على لسان د. عبد الغني محمود وليس للشريعة دخل بها أو تحفظ عليها، خاصة أن المرأة تطالب بحقوق حقيقية لا مجرد رموز أو تسديد خانة، ومن الواجب اعطاء المرأة وضعها الحقيقي بما يليق بمكانتها العلمية وبما أعطته لها الشريعة الإسلامية من حقوق سبقت بها كل الدساتير في عدل التشريع ومنح المرأة الحق في مشاركة الرجل في عملية صنع القرار.