تحقيق: محمد إبراهيم
"دوام الحال من المحال" مقولة قد تنطبق على كل ما يحيط بحياتنا، فيما عدا أوضاع المعلمين في المدارس الخاصة، لاسيما ما يتعلق بتدني رواتبهم،ئ التي لم تشهد حراكا منذ فترة طويلة، حيث لا تزال الجهات المعنية تحدد راتب المعلم ب2000 درهم كحد أدنى، مما دفع بعدد من معلمي التعليم الخاص إلى اعتبار العمل في المدارس الخاصة "خدمة شاقة" تفتقر إلى العائد المادي، مؤكدين أن المعلم سلعة غير قابلة للعرض والطلب، وضعف الرواتب وانعدام البرامج التدريبية التي تساعدهم على تطوير أدائهم الأكاديمي يؤديان إلى خفض مستواهم المهني، واصفين عقودهم
ب "البزنس الخفي" الذي لا تراه عيون الرقابة .
وطالبوا بقرارات جادة من الجهات المعنية، والقائمين على الشأن التعليمي في الدولة ومديري المدارس الخاصة لتصحيح أوضاعهم المادية التي تشكل أكبر تحدياتهم الراهنة .
فيما أكد عدد من التربويين الارتباط الوثيق بين جودة التعليم في المدارس الخاصة، وأجور المعلمين فيها، إذ كلما حرصت المدرسة على تأمين وضع معيشي مستقر لكادرها التدريسي، أوجدت مساحة من الاستقرار المادي والنفسي للمعلم بما يحثه على بذل المزيد من الجهد للتطوير وتطبيق معايير التعليم والتعلّم .

الأجور والجودة

قال خالد الملا مدير إدارة الرقابة والجودة بقطاع التعليم الخاص في وزارة التربية والتعليم: "إن الارتباط وثيق بين جودة التعليم في المدارس الخاصة، وأجور المعلمين العاملين فيها، إذ كلما حرصت المدرسة على تأمين وضع معيشي مستقر لكادرها التدريسي، أوجدت مساحة من الاستقرار المادي والنفسي للمعلم بما يحثه على بذل جهود مطلوبة في تطوير وتطبيق معايير التعليم والتعلّم" .
وأضاف أن ضعف الرواتب يؤدي إلى غياب الاستقرار الوظيفي للمعلم الذي يؤثر في جودة التعليم، الأمر الذي يخلق حالة من القلق، ويولد لديه شعورا بالإحباط وعدم الالتزام، وإعطاء المدرسة والطلاب حقهم في التعليم، لأنه لا يوجد حقوق تفعل الجانب الإبداعي لديه، مشيراً إلى أن الراتب وحده ليس كل شيء، بل إن تطوير المعلم وتأمين التدريب اللازم والمستدام له سينعكس بوضوح على الطلبة والعملية التعليمية .

تحديد الرواتب

قال محمد أحمد درويش، رئيس النظم والضبط في هيئة المعرفة والتنمية البشرية في دبي، إن الهيئة تمنح المدارس الخاصة صلاحيات تعيين المعلمين المناسبين وفق ما تراه مناسباً، بينما تكتفي في هذا الإطار بالتأكد من شهادات المعلم وخبرته العملية في مجال التدريس .
وأكد أن الصلة بين جودة التعليم وأجور المعلمين تظهر بشكل واضح في المدارس الخاصة في دبي، إذ تبلغ نسبة المدارس التي تعاني من صعوبة الحفاظ على كادرها التعليمي حوالي 20%، وتصل في بعض المدارس إلى 60%، وفقاً للتقرير السنوي لجهاز الرقابة المدرسية، وهي نسبة كبيرة عالمياً تكشف حجم المشكلة التي تعانيها المدارس الخاصة في المحافظة على معلميها، وطالب درويش المدارس الخاصة بتحمل مسؤولياتها والعمل للحفاظ على كادرها التعليمي الكفء، بما يضمن استقرار العملية التعليمية للطلاب والمعلم .
وكشف درويش عن أن معدل حجم الإنفاق على الكادر التعليمي والإداري يصل إلى 70% من حجم نفقات المدرسة بشكل عام، موضحاً أن نتائج جهاز الرقابة بيّنت أن المدارس الجيدة والمتميزة هي المدارس التي استثمرت في المعلم سواء في رفع المستوى المعيشي أو في توفير التدريب والتطوير له .

غير عادل

بدوره، اعتبر صالح فاضل مساعد مدير المدرسة المتحدة الخاصة التي يبلغ متوسط الرواتب فيها 6000 درهم، أنه من غير العدل مقارنة المدارس التي تتقاضى رسوماً مرتفعة والقادرة على استقطاب أفضل المعلمين من خلال رواتب عالية، بالمدارس صاحبة الرسوم المتوسطة والمنخفضة التي تعجز عن تقديم الحوافز نفسها، خصوصاً أن التفاوت في الرسوم في المدارس الخاصة واضح .
فيما أكد وكيل مدرسة خاصة، فضل عدم ذكر اسمه، أن معظم أصحاب المدارس الخاصة يطالبون إداراتها بخفض النفقات التشغيلية لمدارسهم، بهدف زيادة أرباحهم السنوية التي يجنونها مقابل تقديمهم الخدمات التعليمية للطلبة، حتى لو كان ذلك على حساب مخرجات وجودة التعليم، وسلامة الطلبة، من خلال تدني رواتب المعلمين، مضيفاً أن كثيراً من المدرسين يقبلون برواتب متدنية نوعا ما تحت ظروف الحاجة الملحة أو تدني مستواهم التدريسي أو عدم إلمامهم بالمنهاج الذي يدرسونه .

عرقلة التعليم

أشار محمد حامد مدير مدرسة خاصة إلى أن الرواتب المتدنية إجحاف بحق المعلمين، ولها أثر بالغ في عرقلة عجلة التعليم، حيث يضطر كثير من المعلمين إلى اللجوء إلى إعطاء دروس خصوصية لسد احتياجاتهم المالية .
فيما قال المعلم السيد جابر، مدرس في إحدى المدارس الخاصة إن المعلم يواجه ضغوطاً حياتية كبيرة بسبب تدني الراتب وضعف التدريب، ما يعيق تطويره .
وعبر المعلم عبد الله فرج عن استيائه من تدني الرواتب التي تضع المعلمين ضمن الفئات العمالية المتدنية، على الرغم من أن المطلوب منهم صناعة جيل المستقبل ويقع على عاتقهم تربية الأجيال .
وأشار إلى أن ضعف الرواتب يدفع بالمعلمين إلى الاهتمام بالدروس الخصوصية على حساب الحصة الرسمية، ما يؤثر على مجمل التحصيل داخل الفصل، ويخلف تمييزاً بين الطلبة الذين يتلقون دروساً خصوصية والذين تمنعهم إمكانات ذويهم المادية من ذلك، وقال إنه من المهم أن نؤكد أن معيار تقدّم أي أمة هو التعليم، ولكن مكانة المعلم ورتبته في المجتمع لم تعد كالسابق .

بزنس خفي

أشار معلم الرياضيات الحسين محمود إلى أن عقده وغيره من المعلمين في المدرسة ذاتها، يحتوي على بند يسمح بفسخ العقد من جانب المدرسة في أي وقت، متهماً أغلبية المدارس الخاصة بأنها أصبحت للتجارة (بزنس) من أجل جمع الأموال دون النظر إلى للمعايير المهنية، ودون مراعاة أي حقوق، سواء كانت للطلبة أو للمعلمين .
واعتبر العمل في المدارس الخاصة "خدمة شاقة" تفتقر للعائد المادي وتصل إلى حد الاستغلال، إذ بلغ الأمر ببعض إدارات المدارس تكليف معلمين بالعمل على استقطاب طلبة جدد، أو إجبارهم على البيع في المقاصف المدرسية . فيما قال المعلم فاضل عبد الله إن راتبه في العقد ألفا درهم، لكنه يتقاضى فعلياً ألفاً وسبعمائة درهم فقط، إذ يعيد 300 درهم شهرياً بعد تسلمه الراتب من البنك لإدارة المدرسة، فضلاً عن خصم ألف درهم من إجمالي راتبه السنوي بدعوى تسديد رسوم أوراق المعاملة الخاصة به لدى الدوائر المعنية بالإقامة والعمل .
وتابع أن معظم أصحاب المدارس الخاصة هدفهم الوحيد هو زيادة أرباحهم فقط، فلا توجد أي برامج تدريبية للمعلمين لمساعدتهم على تحسين أدائهم، وتعلّم طرق التدريس الحديثة .