العنف المنزلي من الممارسات المقلقة لأي مجتمع، لأن الأسرة السليمة هي أساسه، وتعرضها لأي شكل من أشكاله يؤدي إلى ظهور أمراض مجتمعية ورغم ذلك، كثرت الدراسات التي أكدت ارتفاع ضحايا العنف المنزلي وبينها نساء بلغن مراكز تعليمية ووظيفية متقدمة لذلك نناقش الأسباب التي تؤدي إليه، ودور الوظيفة ومساعدة الزوجة في مصروف البيت في حمايتها من العنف، ونحاول معرفة لمن تشكو المعنفة والحلول التي تحد من العنف الذي يطالها هي وفئات أخرى .

ضيف دائم على بيوت كثيرة

أزواج وزوجات في حوار باللكمات

تواجه النساء المعنفات درجات متفاوتة من العنف الناجم عن قوة غير متكافئة بين الرجل والمرأة داخل الأسرة .

وعندما سألنا الكثير من الأزواج عن أسباب هذا العنف تباينت آراؤهم، وإن اتفقت النساء على أن صمت الزوجة هو العامل الرئيسي في تمادي الزوج في تعنيفها .

ترى أمينة راشد، ربة منزل، أن الإساءة اللفظية بين الزوجين أهم أسباب العنف المنزلي، إضافة إلى أن النقاش الحاد وبصوت مرتفع قد يؤدي إلى اعتداء الزوج على زوجته تحت زعم أنها ترفع صوتها عليه، وأنه لا يحب هذا الأمر، لأنه رجل لا بد من احترام زوجته له، رغم أن الموضوع بالأساس لم يكن في حقيقته مقصوداً منه عدم سماع الزوج أو الاعتراض عليه . وتشير إلى أن الرجل الشرقي ما يزال محكوماً بأمور لا تخرج عن وضعية ضعف أمه أمام والده، وخنوعها له مهما كانت الاساءة اللفظية أو الاعتداء عليها بالضرب، وهي أمور تتوارثها البنات ويتقبلن العنف من أزواجهن من دون اعتراض لأنهن شاهدن أمهاتهن وهن يضرب ويصمتن، خوفاً من المجتمع .

ولفتت إلى أن صمت الزوجة على ما يقع عليها من زوجها يدفعه إلى التمادي في الإساءة إليها وتعنيفها أمام الأولاد الذين يعاملونها معاملة والدهم لها، أي لا يحترمونها غالباً، باعتبارها أضعف الاشخاص داخل الأسرة . وتوضح أنها عودت زوجها منذ أول يوم زواج على المناقشة الهادئة في كل أمور حياتها، وعندما تشعر بأنه يخرج عن المناقشة الطبيعية معها تعلن رفضها للحوار لأنه يتحدث إليها بطريقة لا تليق بها كزوجة، لدرجة أن ابنتها عندما تزوجت فوجئت بها تتصل وتخبرها بأنها سوف تترك البيت لأن زوجها رفع صوته عليها، ما يؤكد أن العلاقة بين الأزواج تتوارثها الأجيال .

وتؤكد هناء جمال، زوجة ومعلمة في الشارقة إن إحساس المرأة بعدم احترامها من خلال عدم رؤية الزوج لأهليتها الكاملة كإنسانة ممتلئة بالأحاسيس والمشاعر، ولها حقوق وعليها واجبات، أهم ما يؤدي إلى العنف المنزلي .

وتشير إلى أن المرأة مخلوق حساس يمتلك القدرة على كظم غيظه وابتلاع الإهانة أكثر من مرة من أجل العشرة والأولاد، لكنها تنفجر في لحظة ما إذا استمر الزوج في عدم احترامها، وهو ما يؤدي إلى اعتدائه عليها في ظل توهم العديد من الأزواج أنه لا بد من ضرب المرأة حتى تعود لرشدها، فإن قبلت فإن تعنيفها يستمر ربما إلى نهاية العمر، أما إذا رفضت وأخبرت أهلها فإن الزوج يتراجع، ويبدأ يتحسس خطواته، ويفكر أكثر من مرة في طريقة تعامله معها .

وترى سناء الشافعي، زوجة وربة بيت، أن التوظيف السيئ لقدرة الزوج في الإنفاق على الأسرة، في حالة عدم عمل الزوجة، هو الذي يؤدي إلى العنف المنزلي الذي غالباً ما تدفع الزوجة فاتورته الباهظة من ضرب وإهانة، وإهمال وتقول: هذه المعاناة تؤدي بالزوجة في أغلب الأحيان إلى المرض، لعدم قدرتها على النجاة بنفسها من هذا الزوج الظالم الذي لا يرعى حرمة، ولا إنسانية زوجته، لإيمانه بأنه الرجل وعلى المرأة والأولاد الطاعة العمياء وعدم مناقشته في أي شيء،حتى يتحول الجميع أمامه إلى فئران لا قيمة لها، همها فقط تناول الطعام ووجود مكان تنام فيه . ويشير إلى أن الشكوى للأهل لم تعد مجدية، لأنها لا تسمع منهم سوى أن كل الأزواج يشبه بعضهم بعضاً، ولم يعد هناك الزوج الملاك الذي نسمع عنه في الأفلام تحت زعم أن ضغوط العمل وراء انفعالاتهم، وعلى الزوجة أن تكون من يرمي همومه عليه .

وأضافت: الثقافة الذكورية السائدة في المجتمع أدت إلى زيادة العنف بين الأزواج، لأنها لا تزال تسمع من أمها حتى الآن أن والدها أسوأ من زوجها، الذي تعده ملاكاً، ما دفعها مؤخراً إلى الاعتقاد بأن كل زوجة تعاني، وأن الزوجة مهما كانت زوجة ثقافتها ومؤهلها لا تنجو من العنف المنزل بأي شكل .

وتشير إلى أن إحدى صديقاتها أخبرتها مؤخراً أنها طلبت الطلاق من زوجها بسبب عنفه اليومي معها بسبب طفلهما الوحيد، وعندما علم والدها بالأمر كاد يقتلها، فتراجعت .

ويرجع عبدالجليل السعد، الموظف في دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة أسباب العنف إلى النظرة الخاطئة التي لا ترى أهلية حقيقية للمرأة وأن لها حقوقاً وعليها واجبات، وهو ما يؤدي إلى تهميش دورها واحتقارها، إضافة إلى التخلف الثقافي وما يفرزه من جهل بمكونات الحضارة والتطور الواجب أن ينهض على أكتاف المرأة والرجل، ضمن معادلة التكامل لصنع الحياة السليمة .

ويوضح أن التوظيف السيئ لسلطة الزوج داخل أسرته وتمحورها حول أهميته كرجل، والتعالي على الزوجة على اعتبار أنها مخلوق ضعيف لا قيمة له، يؤدي في النهاية إلى خلق ما يسمى بالحوار الصامت بين الزوجة ونفسها، ما يدفعها في النهاية إلى الصراخ، وبالتالي يصدم الزوج فيبدأ في رد فعله المباشر على الزوجة، سواء بالضرب أو الإساءة اللفظية، أو بأي شيء شكل يمثل إهانة لها، ولأن الأمر مفاجئ لها أيضاً تلتزم الصمت، وتمضي بها الحياة بتلك الطريقة التي فقدت فيها إنسانيتها .

ويرى إسلام الشيوي، الموظف بالأمانة العامة للمجلس الاستشاري بالشارقة، أن التقاليد والعادات الاجتماعية الخاطئة، وضعف المرأة نفسها بالمطالبة بحقوقها الإنسانية، وتنامي دورها داخل الأسرة، عوامل تؤدي إلى خلق ما يسمى باستبداد الزوج ودفعه إلى التصرف معها بطرق لا تخلو من العنف بكل أشكاله حتى لو كانت خالية من الاعتداء الجسدي .

ويشير إلى أن المرأة نفسها قد تؤدي إلى خلق هذا العنف بطريقة مباشرة، خاصة في حالات يطلب فيها الزوج شيئاً معيناً منها، مثل عدم خروج الأبناء أو منعهم من اللعب بألعابهم، ويفاجأ بأن الزوجة أهملت أوامره فيكون رد فعله عنيفاً، لأنها تتعلق في نظرة بمسألة تربوية يريد من خلالها تعليم الأولاد ودفعهم إلى احترام الكبير وأوامره .

ويقول جمال سلطان، طالب في جامعة الشارقة وزوج جديد: عدم احترام الزوجة لطلبات زوجها، وإهماله في بعض الأحيان وإن من دون قصد، يدفعانه إلى تغيير سلوكه معها، ويبدأ في محاسبتها على أي تصرف منها، حتى وإن كان غير مقصود أيضاً .

ويوضح أن معرفة الزوجة بالأكلات التي يحبها زوجها ثم طهو غيرها يؤديان غالباً إلى مشكلات كبيرة بينهما نتيجتها اعتداء الزوج عليها بالضرب، وأحياناً باللفظ الذي يكون بداية العنف الحقيقي بين الاثنين .

وأضاف: أحيانا تكون أم الزوجه سبباً قوياً في خلق العنف الأسري لتدخلها المستمر في حياة ابنتها وزوجها، عن طريق منع ابنتها من القيام بعمل أشياء يحبها زوجها وأهله، إغاظة في والدة الزوج .

وتشير فاطمة إسماعيل، مترجمة بإحدى الشركات في دبي وزوجة وأم، إلى أن اختلاف الثقافة والبيئة بين الزوجين البداية الحقيقية لاستمرار الخلافات بينهما وخلق العنف الأسري الذي ينحو إلى المعايرة بأن الشهادة التعليمية التي يحملها أحدهما أعلى من التي يحملها الآخر، خاصة إذا كانت الزوجة لديها الكثير من المؤهلات التعليمية .

وتشير إلى أن الجيل الجديد من الأزواج، دائماً تبدأ خلافاتهم من أقل الأشياء، كأن يكون الزوج يحب نوعاً معيناً من الطعام، وتعد زوجته غيره فيتصور أنها لا تهتم بطلباته، وعندما يبدأ العتاب ينساقان إلى العنف المتبادل، تكون الغلبة في النهاية للزوج .

ويختلف محمد فرج الله، موظف في بنك الإمارات دبي الوطني وزوج، في طرحه عن سابقيه، مؤكداً أن جيله تافه في خناقاته الزوجية، لإثبات رجولته، بدليل أن أحد اصدقائه طلب إلى زوجته وهو نائم أن تستيقظ وتحضر له الماء لأنه عطشان، فرفضت لأنها موظفة مثله، لكنه أصر على قيامها وتنفيذ طلباته، فأصرت على الرفض، فتطاول عليها بالسب، فبادلته السب الذي تحول إلى ضرف عنيف، اضطرت الزوجة على أثره إلى أن تلبي طلبه وأحضرت الماء .

ولفت إلى أن العنف الأسري يتفاقم بسبب محاولة كل من الزوجين إثبات شخصيته منذ أول لحظة زواج، لأن الزوج لديه ثقافة استقاها من اصدقائه، والزوجة معها والدتها التي تحاول معها أن تكسر شوكة الزوج بكل الطرق، لذلك تكون الحماة هي أهم عوامل العنف الأسري .

ويؤكد إبراهيم محمد عبدالله مساعد مدير مدرسة خالد بن محمد الثانوية في الشارقة، أن أسباب العنف عديدة، لكن صغر سن الزوجين، يؤدي إليه سواء كانت حياتهما بعيداً عن أسرتيهما، أو يعيشان بينهما، لأن كلاً منهما يحاول أن يخضع الآخر لفكره وثقافته واعتقاداته، خاصة إذا كان الزوج غيوراً على زوجته ويرفض ظهورها على الناس حتى وإن كان من عائلتها وموجوداً وسط أفراد أسرته . ويوضح أن قبول الزوجة لتلك الأوامر قد يدفع الزوج إلى التمادي وإملاء الشروط عليها كأن لا تخرج وحدها، وعدم الذهاب إلى أسرتها من دونه، إضافة إلى أنه يتدخل دوماً في كل كبيرة وصغيرة، لدرجة تصل إلى المطبخ الذي يعد بالأساس ملكاً للزوجة، فتنفجر مدافعة عن مملكتها

وتقول علياء محمد علي، معلمة وزوجة إن السبب الرئيسي وراء العنف الأسري نابع من الزوجين، كأن تكون الزوجة من النوع الخمول الذي لا يهتم بنظافة البيت، وعدم الاهتمام بنفسها، وتتحول حياتها إلى ما يشبه الهامش داخل البيت لعدم تدخلها في أي شيء خاص بالأسرة، وبالتالي يندفع الزوج إلى تعنيفها واتهامها بعدم النظافة في حياتها، لذلك تدافع هي عن نفسها، وتبادل له الاتهامات نفسها ويتواصل العنف .

التربية المتوازنة ضمانة

عن الحلول التي تحد من العنف المنزلي، يؤكد د . هاشم سرحان أستاذ علم الاجتماع في جامعة الشارقة، ضرورة التنويه المستمر بالخطوط الساخنة التي تتلقى شكاوى المعنفات، إضافة إلى إتاحة خطوط أخرى ساخنة تكون معروفة للجميع، لتقديم الاستشارات النفسية والاجتماعية والأسرية لكل الذين ينتمون إلى الأسر التي يكثر فيها العنف المنزلي، ويشير إلى أهمية الإرشاد الأسري بصفة دائمة في ندوات متخصصة لهذا الأمر تقام في كل الأماكن من دون التقيد بمواعيد لها، بشرط أن يحاضر فيها متخصصون بطريقة بسيطة وبلغات متعددة .

ولفت د . سرحان إلى أننا عندما نريد أن نربي أطفالنا لابد أن نؤكد لهم على دور وواجبات كل منهم، مع عدم التفرقة بين الولد والبنت وأن تكون طلباتهما التي توفرها الأسرة متساوية حتى لا تشعر البنت بأن الأسرة تفضل عليها الولد .

وقالت د . فاطمة الزهراء ساعي، أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة الإمارات: التربية أهم مكونات الرجل والمرأة، وتساعدهما على النجاح في تكوين الأسرة، فإن كانت نشأتهما وسط العنف المنزلي فإن تراكمات الطفولة هي الأساس في كل تصرفاتهما، وبالتالي تنتقل كل تلك الأشكال والتصرفات إلى أبنائهما، وتنصح بأن يسود الحوار الراقي بين الزوجين لحل خلافاتهما بعيداً عن الأولاد، وإظهار روح المحبة والاحترام في كل تصرفاتهما .

الضحية تصبح انهزامية

حول الانعكاسات النفسية على المعنفة، يؤكد د . أحمد العموش، أستاذ علم الاجتماع وعميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة الشارقة، أن المرأة التي تتعرض للعنف وتصبح انهزامية، ولا تشارك في أية فعاليات أو أنشطة مجتمعية، لأنها فقدت الثقة بنفسها، وباتت فاقدة للأمان الذي تنشده المرأة، ويشير إلى أن ذلك يتدنى بها وتصبح قدراتها بليدة، سواء كانت تلك القدرات علمية، أو آلية، إضافة إلى انخفاض أدائها الوظيفي، ومعنوياتها ما يدفعها إلى مراجعة العيادات النفسية، لأنها غالباً ما تفكر في الانتحار الذي تخاف من الإقدام عليه .

ولفت إلى أن الغالبية العظمى من النساء على المستوى العربي معنفات لفظياً، ويأتي العنف الإهمالي بعد ذلك، ثم الجسدي ويكون عن طريق الضرب، ويوضح أن خوف المرأة المعنفة من المجتمع يجعلها تصمت لأنها لا ترى سوى الشماتة في عيون كل الناس .

وأوضح د . العموش أن هذا العنف ينسحب على تصرفات المرأة فتصبح غير قادرة على التركيز، وتبدأ في إهمال المنزل والزوج والأولاد، وتظهر عليها علامات الإرهاق والإحساس بالعجز والذل والمهانة، واحتقار الذات، ويلفت إلى أن كل ذلك ينسحب في النهاية على الأطفال، ما يؤثر في تنشئتهم الاجتماعية التي تصبح ناقصة .

وأوضح د . العموش وجود آثار اجتماعية أخرى على المرأة المعنفة تتمثل في كثرة الطلاق، والتفكك الأسري، وتشريد الأطفال .

ويقول د . حسين العثمان، أستاذ ورئيس قسم علم الاجتماع في جامعة الشارقة، أن العنف الذي يمارس على أي فرد في الأسرة ينسحب على باقي أفرادها، خاصة الأطفال الذين ينشأون تنشئة اجتماعية غير متوازنة ويبدأون في تبادل العنف بينهم، ثم ممارسته بصور مشابهة للعنف الحقيقي الذي يمارس ضد المرأة، ويشير إلى أن هؤلاء الأطفال غالباً ما يجنحون إلى التسرب من التعليم، ويصبحون عبئاً على المجتمع .

ويلفت إلى أن العنف شدة وقوة تمارسان من شخص ضد آخر داخل الأسرة التي يجب أن يسودها الرحمة والود والاحترام، لأنها المؤسسة الوحيدة التي ينشأ فيها الناس، وهي المأوى الآمن والمدرسة الأولى .

الاعتداء لا يفرق بين المتعلمة وغيرها

الشهادات والوظائف سواتر هشة للمرأة

المفترض أن التعليم والتطور الحياتي الملحوظ يهذبان العلاقة الزوجية، ويجعلانها هادئة خالية من العنف، إلا أن الواقع الذي تعيشه المرأة خلاف ذلك تماماً، فلا التعليم الجامعي، ولا وظيفتها المرموقة ومساعدتها في مصروف البيت تحميها من العنف الذي تتعرض له في البيت، ولا حتى ضعفها حماها منه .

هذا ما أكدته نساء كثيرات سألناهن عن أهم أسلحة حمايتهن من العنف، وأوضحن أنهن تناسين ما حصلن عليه من شهادات، وباتت حياتهن عادية ولا تختلف عن الحياة العادية للأخريات .

تقول فادية علي، موظفة في وزارة الشؤون الاجتماعية إنها أحياناً تواجه العنف المنزلي، خصوصاً في حالة تأخرها في العودة إلى البيت، لذلك تتصل تقدم مبررات هذا التأخير الذي لا يقبل في كثير من الأحيان، لأنها الابنة الوحيدة وسط ثلاثة من الذكور يخافون عليها، موضحة أنها تكتفي بالصمت في حالة ثورة أشقائها عليها، وتعبر لهم عن ندمها .

وتقول أمينة .أ، زوجة ومعلمة، إنها تتعرض يومياً للعنف من زوجها وأولادها أيضاً، إذا تأخرت في إحضار طلباتهم ولا يرحمها أحد، لأنهم في سن المراهقة التي تتصف بالشدة، إضافة إلى عصبية زوجها الشديدة التي تلتزم تجاهها الصمت حتى لا يثور عليها ويضربها كعادته، منوهة بأن كل ذلك أضربها صحياً، ودفعها مؤخراً إلى زيارة الأطباء لإحساسها دوماً بالضعف في نظرها .

وتشير عائشة .أ، طالبة في جامعة عجمان، إلى أنها تعنف كثيراً من والدها، خاصة في حالة تأخرها عن العودة إلى البيت، ولا يسمع لها أي مبررات، وإن ذكرت له أنها تأخرت بسبب المحاضرات يهددها بأنه سوف يمعنها من الذهاب إلى الكلية .

وتؤكد أن ذلك دفع شقيقها إلى معاملتها بمعاملة والدها لها خاصة في حالة غيابه عن البيت، ما يجعلها تشعر بالضيق بسبب هذا العنف الذي تشعر معه بأنها غير قادرة على التنفس، وتندفع إلى النوم لفترات تصل إلى عشر ساعات رغم أنها لا تحب النوم، ولكنه طريقة للهروب من واقعها .

تؤكد يمنى محمد، صيدلانية، أنها حصلت مؤخراً على درجة الماجستير وتستعد للدكتوراه، ووالدها رجل قضاء، ووالدتها مسؤولة في وزارة العدل المصرية . وشقيقها أستاذ في كلية طب القصر العيني، في جامعة القاهرة، إلا أن ذلك لم يحمها من عنف زوجها الذي يتطاول أحياناً عليها بالسب والضرب، وأنها تحاول بشتى الطرق منعه من تلك السلوكيات لأنها تنتقل إلى الأولاد الذين أصبحوا قادرين على التمييز، ومتأثرين بتصرفاته، وتقول: الابن الذي لا يتجاوز عمره التسع سنوات يأمر أخته التي تكبره بثلاث سنوات بفعل كل ما يريده منها، وإن امتنعت يتطاول عليها بالضرب . وتشير إلى أنها مازالت تسأل نفسها حتى تلك اللحظة كيف لا يحميها هذا التقدم الذي تعيشه، ولا العلم والثقافة المتسلحة بهما هي وزوجها أستاذ اللغة العربية بإحدى جامعات الدولة، الذي تراه يخلع رداء العلم، ووقاره قبل دخول البيت، ويتحول لإنسان آخر يشبه الرجل البدائي الذي لا يعلم من الحياة أي شيء .

وتقول زميلتها نهى أحمد محمد، صيدلانية إن ما تسمعه من صديقاتها المتزوجات، ومعظمهن جامعيات، ومسؤولات في وظائفهن عن معاناتهن داخل بيوتهن، دفعها إلى عدم التفكير في الزواج، وبدأت تركز في عملها، لأنها عندما تتخيل نفسها مكان واحدة منهن تكاد تجن . وتوضح أنها لا تتخيل أن تتزوج لتضرب وهي التي أفنت حياتها في التعليم من أجل تحقيق طموحاتها في خلق حياة أفضل من حياة أسرتها التي تتعرض فيها للعنف من قبل شقيقها الذي يضربها أحياناً في حالة عدم تنفيذ ما يطلبه لاعتماده عليها بعد مرض والدتهما .

وتشير منال محمود، زوجة، إلى أنها تواجه العنف مثل كل الزوجات والفتيات، معتبرة أن ذلك وضع طبيعي للمرأة العربية، فلا تعليم ولا وظيفة، ولا حتى مساعدتها بكل مرتبها في مصروف البيت يحميها من هذا العنف الذي تعددت أشكاله من سب وضرب، وتحقير وإهمال . وتلفت إلى أنها عندما يمارس عليها هذا العنف تتذكر والدتها التي كانت تعنف في اليوم أكثر من مرة أمامهم وهم صغار، لدرجة دفعتهم إلى تعنيفها، وأضافت أنها وكل البنات يتوارثن هذا العنف من أسرهن ولا يخرج رد فعلهن، كأمهاتهن عن الصمت، حتى لا يزداد هذا العنف ضدها، ويصل إلى إحداث جرح في الجسد كما حدث لخالتها التي شج زوجها رأسها وذهبوا بها إلى المستشفى .

وترى الفنانة التشكيلية إيمان البستكي أن التعليم شيء مهم للمرأة لأنه يحميها من الفقر والعوز، لكنه يعجز عن حمايتها من العنف المنزلي الذي تراه في زيادة مستمرة بسبب الثقافة الذكورية السائدة، وتوضح أنها لا تعرف حتى الآن سبب كل هذا العنف ضد المرأة التي لا تملك من الحياة سوى قلب مرهف وعقل يزن أنفس الأشياء .

وتشير إحدى الأكاديميات الحاصلة على الدكتوراه بأحد فروع علم النفس إلى أن الشهادات والأوسمة التي حصلت عليها من داخل الدولة وخارجها لم تحمها من العنف المنزلي الذي تعرضت له من زوجها، موضحة أنها لم تستطع الصمت تجاه عنفه ففضحته وفضلت الطلاق على الاستمرار معه رغم أنهما أنجبا ولداً وبنتاً، وبعد فترة تزيد على سنتين تزوجت من رج آخر فاكتشفت أنه أسوأ منه، فانسحبت بهدوء من حياة الأزواج واكتفت بعملها، بعد أن خلقت لنفسها حياة كلها علم .

وتشير إلى أن الأسرة هي الأساس في تدمير أولادها بطريقة التربية لهم، وخلط الحياة الخاصة بالوالدين مع حياة الأولاد، ما يرسخ لدى الولد والبنت العديد من السلوكيات، فالأول يقلد والده في أفعاله، والثانية ترث الصمت والمهانة من الأم التي لا حول لها ولا قوة .

وتؤكد أنها تعرف العديد من الزوجات اللاتي يتعرضن للعنف، وفشلت في دفعهن إلى الخروج عن صمتهن تحت زعم خوفهن على أولادهن بعد انهيار الأسرة، مضيفة أن كل الأبحاث والدراسات الرسمية التي يعلن عنها بين الحين والآخر عن العنف ضد الزوجات، لا تمثل الحقيقة، لأنها تزيد على 50%، وربما هناك زوجات يرفضن المشاركة في المسوحات، رغم تأكيدات القائمين عليها بأنها سرية .

ولفتت إلى أن معظم هؤلاء الزوجات حاصلات على شهادات عليا، لكن طبيعة تربيتهن تدفعهن إلى ظلم أنفسهن بأبشع الطرق، ما يؤكد أنهن يسهمن في استمرار أزواجهن في تعنيفهن .

وتؤكد الأستاذة الجامعية والكاتبة د . أمينة بوشهاب أن التعليم والتقدم، والمساهمة في مصروف البيت من أهم أسباب العنف ضد المرأة لأنها تخلق نوعاً من عدم تكافؤ الفرص بينها وبين زوجها، الذي يندفع إلى التحول ضدها، ما يؤكد أن ثقافة الزوج العربي لاتزال الثقافة الغريبة التي تأثر بها .

وتشير إلى أن هذا لا يعفي الزوجة من أنها قد تكون من أهم عوامل العنف ضدها بسبب ما أصيبت به من متغيرات هائلة إضافة إلى تغير مشاعرها التي تنمو بعيداً عن الواقع وتعيش في الأوهام .

وأضافت: أحياناً يكون العنف متساوياً على كل الزوجات لأن الناس أصبحوا لا يعيشون السياق الاجتماعي الطبيعي الذي كان موجوداً من قبل، وبعدت كل التصرفات عن المنظومة الاجتماعية التي كانت هي الحكم في العلاقة بين الأزواج، بسبب التغيرات المادية، والتوترات التي أصابت الجميع، ما جعل الوضع الاجتماعي غير سليم بالمرة، وترى أن ما يحدث من عنف بين الأزواج أمام الأولاد يكرس لهم هذه الأفعال، وبالتالي يستمر العنف بلا وعي أو إرادة، بغض النظر طبيعة التعليم، والشهادات التي تحصل عليها الزوجة إذ صارت الانفعالات هي التي تتحكم في كل شيء .

وأوضحت بوشهاب أن التقدم الهائل الذي تعيشه المرأة اليوم، رغم فوائده الجمة، لا يحميها ولا يصمد أمام انفعالات الزوج التي لا تنتهي، منوهة بأنها أهدرت الوقت وقيمته ودفعت الناس إلى عالم بعيد عن الواقع .

ويقول الفنان مروان عبدالله صالح إن إيماننا بالعلم والتقدم الذي تحمله المرأة على كاهلها مع الرجل، بات الآن لا يحميها من العنف، ودفع بها هي نفسها إلى ممارسته على كل من حولها، موضحاً أن الاحترام والتقدير الذي كان يكنه الرجل للمرأة في الماضي من حبه وخوفه عليها بات اليوم في خبر كان، بعد أن سيطرت المادة على الجميع .

وأضاف: ستبقى المرأة في نظر الرجل هي المرأة، مهما كانت درجة تعليمها والشهادات العلمية الحاصلة عليها، حتى في الدول التي تدعي الحرية والتقدم، نجدها تتعرض للضرب والإهانة .

ويشير حمدي حسنين، مهندس بشركة مقاولات بالشارقة، إلى عدم اقتناعه بكل ما يردده بعض الناس عن العنف ضد المرأة، وأن التعليم والوظيفة والتقدم الذي ساد في حياتنا لا تحميها من العنف، لإيمانه بأن الرجل المتعلم والزوجة المتعلمة أقدر على التفاهم والتخاطب أكثر من الآخرين لأنهما يجدان المبررات العقلية لتبرير أفعالهم وتصرفاتهم .

وعلى المستوى الشخصي لا يذكر يوماً استخدم فيه أي نوع من العنف ضد زوجته حتى ولو بالنظرة، ليقينه بأنها لا تختلف عنه، فإن كان تفوق ودرس الهندسة، فهي تفوقت أيضاً ودرست الطب .

ويؤكد عمر علاء الدين طالب بجامعة الشارقة على اعتقاده بأن الشهادات الدراسية التي تحصل عليها تحميها المرأة من العنف لأنه يرى ذلك في العلاقة الطيبة بين والدته الاختصاصية الاجتماعية ووالده الطبيب، لافتاً إلى أنه لا يذكر يوماً أهان أحدهما الآخر، ما رسخ لديه أن المرأة المتعلمة دائماً قوية وتملك القدرة على حماية نفسها من العنف .

لمن تشكو الزوجة المعنفة؟

لمن تشكو المعنفة؟ سؤال طرحناه على العديد من الزوجات فتباينت إجابتهن، هناك من تكتفي بالشكوى لأمها، أو لشقيقتها، وأحياناً لوالدها، وهناك زوجات يفضلن عدم الشكوى، وأخريات يرفضنها لأنهن يقابلن الزوج بالفعل الذي يمارسه عليهن .

تقول وحيدة علي، موظفة، إنها متزوجة من حوالي خمس عشرة سنة، تعرضت فيهما إلى الاعتداء الجسدي واللفظي وأحياناً الإهمال، من زوجها الذي يعاملها حسب تعبيرها مثل الخادمة، لدرجة أنها لا تنام إلا بعد أن تطمئن أنه نام، لكنها لم تجد من تشكو له همومها معه، إلا والدتها التي كانت تحثها على الصبر، بزعم أن الأولاد عندما يكبرون سيكون زوجها أفضل حالاً، ورغم أنهم كبروا إلا أن زوجها يزداد سوءاً معها . وتوضح أنها بعد أن ماتت أمها أصبحت وحيدة تبتلع حزنها وهمها من دون أن تشعر من حولها، ما جعل الأمراض تصيبها .

وتشير عائشة . أ، موظفة إلى أنها قررت مؤخراً أن تذهب إلى مركز أسري بالشارقة لمساعدتها في ردع زوجها عن الإهانات اليومية التي يوجهها لها أمام الأولاد، والاعتداء عليها أحياناً بالضرب أمام أهلها، وتشير إلى أنها صمتت الثلاث سنوات الأولى من الزواج على عنفه معها، لكنها قررت أن تخرج عن صمتها وأن تواجه زوجها .

وتكتفي أمينة علي، ربة بيت، بالشكوى إلى شقيقتها التي تشاركها همومها، دوماً من دون أن تبوح لأمها المصابة بالعديد من الأمراض المزمنة وتشير، إلى أنها عرفت مؤخراً أن شقيقتها هي الأخرى تتعرص للعنف من زوجها، ولم تخبرها بالأمر لأنها الأخت الكبيرة ، وتفضل أن تبقى صورتها جميلة أمامها .

وتشير صفية محمد إلى أنها منذ أول يوم زواج منذ حوالي سبع سنوات وهي تدافع عن نفسها عند خروج زوجها عن الحياة المألوفة ويبدأ في محاولة الاعتداء عليها بأي وسيلة لدرجة دفعتها أحياناً إلى الشكوى لأسرته خصوصاً والده الذي يهابه جداً، فتمشى أمورهما لفترة تصل إلى شهور، ثم يرجع من جديد لطريقته القديمة في التعامل فتشكوه لوالده من جديد، وهو أسلوب باتت تتبعه دوماً، لتحافظ على أسرتها وبناتها الثلاث .

وتؤكد فاطمة سالم، ربة بيت، أنها نادراً ما تتعرض للعنف من زوجها، الذي تصبر عليه حتى يهدأ، ثم تشكو إليه عنفه ضدها، فلا تجد منه سوى الابتسامة التي تحمل الكثير من الاعتذار لها عما بدر منه، موضحة أنها تعلمت من والدتها ألا تشكو لأحد عن الذي يحدث مع زوجها حتى ولو شج رأسها، ليحترمها ويعاملها معاملة الكبار، وإن فاض بها الحزن عليها أن تشكو له من نفسه .

سعاد عبدالنور، موظفة، تؤكد أنها لا تشكو زوجها وتعامله بالطريقة نفسها، لتؤكد له أنه لا فرق بينهما وأنه في حالة إهانته الشديدة لها، تكتفي بعدم الكلام معه لفترة حتى تراه يرجع إليها نادماً، رغم إيمانها بأنه بعد فترة سيعود إلى سيرته الأولى وأفعاله الشائنة التي لا تحبها، وترى أن الشكوى الزائدة من الزوجة لأسرتها أو أسرة زوجها تؤدي إلى إهانتها وإهانته وتجعلهما صغيرين في نظر المشكو إليهم .

منة الله أ، معلمة تربية فنية، تؤكد أنها تضرب منذ عشرين سنة من زوجها، وتلتزم الصمت لأنها تريد أن تعيش مع أولادها، لكن مشكلتها أكبر من ذلك بكثير لأن زوجها لا ينفق على الأولاد ويترك ذلك لها رغم أن لها ثلاث بنات في التعليم الاعدادي والثانوي، ويحصلن على دروس خصوصية .

وتشير إلى أنها لا تفكر في الشكوى لأحد ولا يمكن أن تذهب إلى الأماكن المتخصصة في حل المشكلات الأسرية، حتى لا تحرم بناتها من والدهن الذي يحببنه لدرجة الجنون ويقفن معه ضدها .

وأشارت رشا أحمد، موظفة بأحد البنوك، إلى أنها متزوجة منذ حوالي 7 سنوات، وقت أن كانت طالبة في الجامعة، ورغم أنها تزوجت عن حب إلا أن زوجها بدأ يعتدي عليها لفظياً منذ الأيام الأولى في الزواج وسرعان ما تحول هذا العنف إلى ضرب، وتوضح أنها لم تفكر حتى الآن في الشكوى من زوجها لأنها تخاف الطلاق خاصة أن زوجها عصبي وتصرفاته هوجاء، سرعان ما يندم عليها، لذلك تفضل أن تعيش مع طفلها الذي تتمنى أن يتربى في حضن والده .

وتختلف أم عبدالله الموظفة في إحدى الجمعيات الخيرية بالشارقة عن كل تلك الزوجات مؤكدة أنها تشكو زوجها عند أي تصرف موفوض، وأنها تسبق ذلك بالرد عليه بفعله نفسه الذي يقوم به معها، مشيرة إلى أن شكوتها تكون لأسرتها ولأسرته في اللحظة نفسها، وهي أمور تعودت عليها .