لقد وردت كلمة العين ثلاثاً وستين مرة في القرآن الكريم، وجمع العين أعين وعيون، وتحمل في طياتها معاني شتى حسب سياقها في الآيات الكريمة، وأشير إلى أبرز هذه المعاني:
أولاً: العين الباصرة: العين الباصرة هي عين الإنسان الحقيقية التي تشاهد وتبصر المحسوس في الدنيا، وقد قال تعالى:
قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِن فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ سورة آل عمران- آية 13 .أي يرى المؤمنون الكافرين في غزوة بدر الكبرى (السنة الثانية للهجرة) أكثر منهم مرتين، رؤية حقيقية ظاهرة بالعين المجردة لا بالخيال ولا بالأوهام، وقال تعالى: تَوَلوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع (سورة التوبة (براءة)- آية 92) فقد بكى عدد من الصحابة الفقراء الذين لا يملكون الركب للذهاب إلى الجهاد في غزوة تبوك سنة 9ه حيث عزّ عليهم أن يقعدوا عن الجهاد .
ثانياً: العين الجارية: هناك آيات كريمة تتحدث عن العين الجارية في الدنيا، وآيات كريمة أخرى تتحدث عن العين الجارية في الجنة، ومن الآيات الكريمة التي تتحدث عن العين الجارية في الدنيا:
وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُل أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ سورة البقرة آية .60 أي اذكروا يا بني اسرائيل، حين طلب موسى عليه السلام- من ربه السقيا لقومه فقلنا له اضرب بعصاك الحجر فانفجرت من الحجر عيون الماء بعدد القبائل، وكان عدد القبائل اثنتي عشرة قبيلة، وهذه احدى النعم العظيمة على بني اسرائيل حين كانوا تائهين في صحراء سيناء وعطشوا عطشاً شديداً .
فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ . وَفَجرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (سورة القمر الآيتان 11 و12) أي إن الله سبحانه وتعالى أرسل على قوم نوح المطر الغزير المتدفق بشدة كأنه أفواه القرب، وبصورة لم تعهدها الأرض قبل ذلك، كما أن الله سبحانه وتعالى فجر الأرض بالمياه والعيون المتدفقة فالتقى ماء السماء وماء الأرض على حال عجيبة، وشكلت هذه المياه المتدفقة طوفاناً، عرف بطوفان نوح، كل ذلك بتقدير الله عزّوجل لهلاك قوم نوح الطغاة الظالمين .
ومن الآيات الكريمة التي تتحدث عن الماء الجاري في الجنة: فيهما عينان تجريان (سورة الرحمن- آية 5)
أي في كل جنة من الجنتين عين تجري بالماء الزلال، إحداهما التسنيم . والأخرى السلسبيل، وهما تجريان لسقي الأشجار والأغصان لتثمر من جميع الأشكال والألوان، فماؤهما غزير وظلهما ظليل .
إِن الْمُتقِينَ فِي جَناتٍ وَعُيُونٍ .ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آَمِنِينَ (سورة الحجر الآيتان ،45 و46)
أي: إن للمتقين الذين يخافون ربهم ويجتنبون محارمه لهم في الآخرة الحدائق الزاهرة والبساتين الناضرة والعيون المتفجرة بالماء السلسبيل، ويقال لهم يوم القيامة: ادخلوا الجنة سالمين .
ثالثاً: عين الله الراعية: وورد لفظ (عين الله) خمس مرات في القرآن الكريم، منها: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الذِينَ ظَلَمُوا إِنهُمْ مُغْرَقُون (سورة هود-الآية 37) أي اصنع يا نوح السفن بحفظنا ورعايتنا وتحت نظرنا وبتعليمنا لك، ولا تراجعني بشأن قومك الظالمين فإنهم سيعاقبون بالغرق .
وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبكَ فَإِنكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبحْ بِحَمْدِ رَبكَ حِينَ تَقُوم (سورة الطور آية 48) والخطاب في هذه الآية الكريمة موجه إلى رسولنا الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم- للتحلي بالصبر ولتقبل قضاء الله وحكمه، لأنه عليه الصلاة والسلام- بحفظ الله وحمايته ورعايته، وإن الله عزّ وجل يطالبه بالتسبيح والتمجيد لله رب العالمين حين يقوم من فراشه ومن مجلسه أي أن يسبح الله في كل وقت وحين .
* رئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس