من شروط صحة البيع ألا يكون المبيع مجهولا، ولا يكون الثمن مجهولا، لذلك فإن بيع الغائب قيده العلماء بأن يتم على الصفة، فمتى وجد المشتري المبيع كما وصفه له البائع، صار البيع نافذا حتى لو لم يره المشتري.
قال المالكية: يجوز بيع الغائب على الصفة إذا كانت غيبة يؤمن أن تتغير فيها صفته قبل القبض، فإذا جاء على الصفة المذكورة لزم البيع، لأنه من الغرر اليسير، والصفة تنوب عن المعاينة بسبب غيبة المبيع، أو المشقة في إظهاره.
وقول المالكية لأنه من الغرر اليسير يفهم منه أن الغرر إذا كان كثيراً لم يصح البيع، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر.
- والغرر في لغة العرب ما له ظاهر محبوب وباطن مكروه، وقد يكون لفظ الغرر من الغرارة التي هي الخديعة.
وفي الشرع عرف بأنه ما يكون مستور العاقبة، أو ما احتمل أمرين كما يقول الرملي من الشافعية، أو كما قال ابن القيم في إعلام الموقعين إنه ما لا يقدر على تسليمه سواء كان موجودا أو معدوما، وهو بيع ما لا يعلم حصوله أو لا يقدر على تسليمه أو لا يعرف مقداره.
وقد يقول قائل: إن الغرر هو المجهول والمجهول هو الغرر، لذلك فإن القرافي المالكي في كتاب الفروق قال: توسع العلماء في هاتين العبارتين واستعملوا إحداهما في مكان الأخرى، لكن هناك فرق بين الغرر والمجهول، فإذا كان مما لا يدرى أيحصل أم لا كالطير في الهواء والسمك في الماء فهو غرر، وإذا كان مما علم حصوله لكن جهلت صفته كبيعه ما في كمه فهو مجهول.
والغرر قسمه العلماء إلى غرر كثير وغرر يسير، فالغرر الكثير هو ما كان غالبا في العقد حتى إن العقد صار يعرف به، والغرر اليسير ما لا بد منه أي لا يخلو منه عقد، لذلك فإن اليسير دخل في باب المعفو عنه، أما الغرر الكثير فمحاسب عليه الإنسان، وبناء عليه فإنه مؤثر في العقود.
وقد بين الدر دير في الشرح الصغير في ج 4 أن الغرر اليسير يغتفر بالإجماع للضرورة كأساس الدار، لا يعلم عمقه ولا عرضه ولا متانته، وكالإجارة مشاهرة مع عدم العلم بمقدار الشهر، ثم قال: فهذه الأمور لا يقصد فيها الغرر، فإن قصد الغرر لم يجز.
وللعلماء في تقسيم الغرر عدة تقسيمات، ويقول الدكتور محمد مصطفى الشنقيطي في كتابه دراسة شرعية لأهم العقود المالية المستحدثة: إن أكثر المذاهب تفريعا للغرر هو المذهب المالكي، ثم ذكر أن ابن جزي أوصل الأقسام إلى عشرة.
أما القرافي فحصرها في ستة أشياء هي: الوجود والجنس والبيوع والمقدار والتعيين والبقاء.
أما ابن تيمية في القواعد النورانية في ص 39 فإنه قسم الغرر إلى ثلاثة أقسام هي المعدوم مثل حبل الحبلة، ثم المعجوز عن تسليمه كالبعير الشارد، ثم المجهول المطلق أو المعين المجهول جنسه أو قدره كقوله بعتك عبدا، أو بعتك ما في بيتي أو بعتك عبدي.
ويلاحظ أن تقسيم ابن تيمية للغرر يتصف بالسهولة والوضوح والشمولية مع الاختصار.
وبناء على هذا التقسيم فإن الجمهور على عدم جواز المعدوم في المعاوضة والتبرع، بخلاف المالكية الذين أجازوا أن يكون المعدوم محلا للعقد كعقود التبرعات، إذا كان ممكن الوجود مستقبلا، وحجة الجمهور حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي نهى عن بيع الغرر والحديث رواه مسلم.
واحتجوا أيضاً بحديث لا تبع ما ليس عندك (رواه أبوداود والترمذي)
وبالمناسبة فإن ابن تيمية وابن القيم خالفا الجمهور وأجازا بيع المعدوم، وحجتهما أنه لم ترد آية ولا حديث بالمنع مطلقا، بل ورد النهي عن بيع بعض الأشياء المعدومة، وفي المقابل ورد النهي عن بيع بعض الأشياء الموجودة أيضاً، مما يدل على أن علة التحريم والنهي هي الغرر لا العدم.