استهل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حفظه الله، كتاب رؤيتي بقصة جميلة تبعث في نفس قارئها روح العمل ودفء الأمل، فقال سموه:

مع إطلالة كل صباح في إفريقيا يستيقظ الغزال مدركاً أن عليه أن يسابق أسرع الأسود عدواً، وإلا كان مصيره الهلاك، ومع إطلالة كل صباح في إفريقيا يستيقظ الأسد مدركاً أن عليه أن يعدو أسرع من أبطأ غزال، وإلا أهلكه الجوع .

ثم يقول سموه: لا يهم إن كنت أسداً أو كنت غزالاً، فمع إشراقة كل صباح يتعين عليك أن تعدو أسرع من غيرك حتى تحقق النجاح .

هذه القصة لم يروها لنا سموه إلا لأنه يريد أن يعلمنا فلسفة حياة، لنتخذها نحن بوصلة كلما أردنا أن نبحر في اتجاهات شتى، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وغيرها .

مثل هذه الفلسفة عندما نسمعها من رجل قيادي مثل الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نجزم بأن لها مغزى كبيراً، فهو ملاّح ماهر خبر أعماق الحياة بغواصات فهمه، ومراصد بصيرته الثاقبة، وحسه القادر على قراءة الشيء قبل أن يكون، وعلى المبادرة بالشيء قبل أن يطلب منه .

نعم . . . الحياة فرص، والفرص لا يحصدها إلا أصحاب الهمم العالية، والإنسان مهما يكن دوره وقدراته في الحياة على الاستمرارية، فإن من واجبه أن يبذل قصارى جهده لكي يحقق الفوز، ولا يعطي لغيره فرصة أن يأخذ منه الأدوار، وقديماً قال الشاعر:

بقدر الجد تكتسب المعالي

ومَنْ طلب العلا سهر الليالي

ومَنْ طلب العلا من غير كدّ

أضاع العمر في طلب المحال

إن الحياة حافلة بالأخطار، وإن السلامة ما هي إلا فرصة تنتزع من بين كل هذه الأهوال والمخاطر التي تحيط بنا، والفرص الكبيرة، كما قال سمو الشيخ محمد بن راشد في كتاب رؤيتي، لا تطرق الأبواب، فمن يريدها عليه أن ينتزعها انتزاعاً، ويكتسبها لشعبه ونفسه، وعلى الإنسان أن يتسلح بروح القوة وصلابة الإرادة والعزيمة والرغبة في انتزاع الفرص الكبيرة، لكيلا يعيش على فتات الأسود .

أقول لأبنائي وأبناء وطني الإمارات: لا تعتمدوا على ما حققه الآباء لكم من أمجاد فقط، فإن المخزون مهما يبلغ حجمه كماً وكيفاً، فإن مصيره إلى النفاد ما لم يتصل جهد الأبناء بجهد الآباء .

وأقول لهم أيضاً: أن يكون أحدكم عصامياً خير له من أن يكون عظامياً، فالعرب مدحوا العصاميين لا العظاميين وقالوا:

لسنا وإن أحسابنا كرمت

يوماً على الأحساب نتكلُ

نبني كما كانت أوائلنا

تبني ونفعل مثلما فعلوا

إن فرص الأبناء اليوم أكثر من فرص الآباء، والمهم أن يعرفوا كيف يوجهون اللطمة إلى مَنْ يريد أن يفوّت عليهم الفرصة، وقد روي أن الأرنب التقطت ثمرة، فاختلسها الثعلب وأكلها، فانطلقا يتخاصمان إلى الضب، فقالت الأرنب: يا أبا الحسن، قال الضب: سميعاً دعوت، قال: أتيناك لنختصم إليك، قال: عادلاً حكّمتما، في بيته يؤتى الحكم، قالت: إني وجدت ثمرة، قال: حلوة فكليها، قالت: فاختلسها الثعلب، قال: لنفسه بغى الخير، قالت: فلطمته، قال: بحقك أخذت، قالت: فلطمني، قال: حرّ انتصر، قالت: فاقض بيننا، قال: قد قضيت، فذهبت أقواله كلها أمثالاً .