محمد حماد

في الحديث الصحيح أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: مرني بأمر، قال: لا تغضب، قال: فمر، (أو فذهب، ثم رجع)، قال: مرني بأمر، قال: لا تغضب، قال: فردد مراراً، كل ذلك يرجع فيقول: «لا تغضب»، قال الرجل ففكرت حين قال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال، فإذا الغضب يجمع الشر كله.
الحديث أخرجه البخاري، وفي الصحيحين أيضاً عن سليمان بن صرد قال: «كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم، ورجلان يستبان، فأحدهما احمر وجهه وانتفخت أوداجه (عروق من العنق) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد»، وفي صحيح الجامع الصغير: قال صلى الله عليه وسلم: إذا غضب الرجل فقال أعوذ بالله، سكن غضبه».
الغضب إذا تملك الإنسان بعث فيه حالة هياج وثورة لا يتجاوزها غير الذي يملك نفسه ويشد لجامه من أن يقع في الشرور والآثام، والغضب في لغة العرب نقيض الرضا الذي هو خير عميم، وهما نقيضان في النتيجة أيضاً فالغضب لا يورث إلا شروراً والرضا لا يخلف غير الخير.
مجمع كل شر
الإنسان يتأثر بما يجري حوله، ويتفاعل بما يشاهد ويسمع من الآخرين، فيضحك ويبكي، ويفرح ويحزن، ويرضى ويغضب، وكلها انفعالات نفسية، وكما قيل: فإن الغضب انفعال يهيج الأعصاب ويحرك العواطف ويعطل التفكير ويفقد الاتزان ويزيد في عمل القلب ويرفع ضغط الدم فيزداد تدفقه على الدماغ وتضطرب الأعضاء ويظهر ذلك بجلاء على ملامح الإنسان فيتغير لونه وترتعد فرائصه وترتجف أطرافه، ويخرج عن اعتداله، وربما ينفلت لسانه فينطق بما يشين من الشتم والفحش، أو تمتد يده لتسبقه إلى الضرب والعنف وربما القتل، ولكل ذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغضب، لأن الإنسان قد يخرج بسببه عن طوره، وربما جره إلى أمور لا تحمد عقباها، ومما يؤسف له أن أكثر ما يثور بنا الغضب في أيام رمضان تحت زعم أننا صائمون، والصيام بريء من غضبنا.
والغضب لا يذم ولا يمدح، إلا بآثاره، فمن غضب وكظم غيظه مدح، ومن قاده غضبه إلى غضب الله عليه فقد خسر، وهو لا شك مذموم بقدر ما وقع منه من تصرف، والغضب يؤدي بصاحبه إلى الثورة والانفعال، وعدم القدرة على التحكم في أقواله وأفعاله غالباً، وكما قيل فإن الغضب مجمع كل شر، حيث يفقد الإنسان صوابه، ويسلبه عقله، ويدفعه إلى السب والشتم والسخرية، والتلفظ بالألفاظ البذيئة التي قد تسبب له الحسرة والندامة فيما بعد، وقد تسقطه من أعين الناس، إضافة إلى ما قد يقوم به الإنسان حين غضبه من التصرفات الطائشة البعيدة عن الحكمة، والمجانبة للصواب.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من دعاء: «اللهم إني أسألك كلمة الحق في الغضب والرضا»، لأن الغضب إذا اعترى العبد، فإنه قد يمنعه من قول الحق أو قبوله، ويرتب الكثير من المضار التي تمتد لتشمل جميع جوانب الحياة.
مخاطر اجتماعية
ومن مضار الغضب أيضاً أنه يولد الحقد في القلوب، وإضمار السوء للناس، وهذا ربما أدى إلى إيذاء المسلمين وهجرهم، ومزيد من الشماتة بهم عند المصيبة، وهكذا تثور العداوة والبغضاء بين الأصدقاء، وتنقطع الصلة بين الأقرباء، فتفسد الحياة، وتفسد العلاقات.
وللغضب العديد من المضار على صحة الإنسان منها التعرض لارتفاع ضغط الدم، واحتمال الإصابة بأزمة قلبية نتيجة التوتر الشديد الذي يصاب به الإنسان الغاضب الذي يتعرض لتغير لونه، وطفح دمه، وانتفاخ أوداجه، وارتعاد أطرافه، واضطراب حركته، وتلجلج كلامه، ويمكن أن تؤدي شدة الغضب والانفعال إلى سرعة خفقان القلب، أو انفجار شرايين المخ، أو الإصابة بالجلطة إذا كان الغاضب يشكو من ضعف في القلب.
والغضب طبع بشري فطري لا يمكن دفعه، لكن يمكنك الحد من آثاره، وأول ذلك أن تدرب نفسك على أن تكظم غيظك، ومن الصفات التي امتدح الله بها عباده المؤمنين ما جاء في قوله تعالى: (الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)، ذلك أن الانفعال الشديد يعطل القدرة على التفكير السليم، وإصدار القرارات الصائبة، ويفقد الإنسان اتزانه العقلي، بعد أن يفقد القدرة على ضبط نفسه، والتحكم في تصرفاته نتيجة لقوة غضبه، وشدة انفعاله، والناس منهم من يكظم غيظه ويوقفه عند حده، ومنهم من يعفو عمن أساء إليه، ومنهم من يرتقي به سمو خلقه إلى أن يقابل إساءة الغير بالإحسان إليه، ويخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن أجر الكاظم غيظه فيقول: «من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله تبارك وتعالى على رؤوس الخلائق، حتى يخيره من أي الحور شاء».
وسائل وقائية
السؤال هو: كيف تُحدّ من غضبك، وتتحكم بنفسك في حال الغضب؟
النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتف بالنهي عن الغضب، وبيان آثاره، بل دلنا على الوسائل والعلاجات التي يستعين بها الإنسان للتخفيف من حدة الغضب، وتجنب غوائله، والإجابة عن مثل هذا السؤال من الهدي النبوي أن تبتعد عن دواعي الغضب وتتجنب أسبابه، واعلم أن الكبر والتعالي والتفاخر على الناس، والهزء والسخرية من الآخرين، وكثرة المزاح ولاسيما في غير حق، والجدل والتدخل في ما لا يعني، والحرص على فضول المال أو الجاه، كلها أفعال وأقوال تؤدي إلى الغضب، فاحرص على أن تتجنبها، فإذا جاءك الغضب فعليك أولاً: اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء، والتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الذي يوقد جمرة الغضب في القلب، يقول الله تعالى: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله)، فالإنسان الغاضب عندما يستعيذ بالله تعالى من الشيطان إنما يعتصم بعظمة الله تعالى ويلوذ بها، ويستحضرها في نفسه لما في ذلك من طرد للشيطان ودحره، وإبطال مكره، ومن ثم يسكن الغضب وتهدأ ثورته بإذن الله تعالى.
وقد قيل في العموم إنه إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، والقاعدة عند الغضب هي التزام الصمت، وأن تمنع نفسك عن الكلام حتى لا تقع فيما لا تحمد عقباه من بذيء اللفظ، وسيئ الكلام سبّاً، أو شتماً، أو سخرية، أو نحو ذلك، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا غضب أحدكم فليسكت»، قالها ثلاثاً، وعن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «علموا ويسروا ولا تعسروا، وإذا غضبت فاسكت، وإذا غضبت فاسكت، وإذا غضبت فاسكت».
الالتصاق بالأرض
ومن الهدي النبوي أن يلتصق الغاضب بالأرض لما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا وإنّ الغضب جمرة في قلب ابن آدم، أما رأيتم إلى حمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه، فمن أحس بشيء من ذلك فليلصق بالأرض»، والغرض من ذلك تجميد كل حركة يمكن أن تنجم عنها آثار غضبية مادية، فلا يتحرك حتى تهدأ ثائرته، والواقع يؤكد أن كثرة الحركة تشير إلى تصاعد حدة الغضب، وأن يهدينا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الالتصاق بالأرض معناه أن يمنع تصاعد الغضب ويتيح الفرصة لهدوء النفس إذا ما فعل ذلك تاركاً لنفسه فرصة للهدوء، والمقصود هو تغيير الهيئة التي عليها الغاضب، بأن يقعد إذا كان واقفاً، ويضطجع إذا كان جالساً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع».
ومن وسائل تخفيف الغضب الوضوء، فعن عطية السعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تُطفَأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ».
وعلى الغاضب أن يكثر من ذكر الله تعالى والاستغفار، فإن ذلك يعينه على طمأنينة القلب وذهاب فورة الغضب: «ألا بذكر الله تطمئن القلوب»، كما أن في ذلك تذكيراً للنفس الغاضبة بعظمة الله جل في علاه وقدرته، وحثّاً على الخوف منه سبحانه لاسيما متى كان غضب الإنسان على من هو قادر على عقابه والانتقام منه.
وكلما انفعلت النفس واشتد الأمر كان كظم الغيظ أعلى في الرتبة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».