الشارقة -محمد ولد محمد سالم:
مع حلول شهر مايو يكون صيادو اللؤلؤ في الإمارات قد أكملوا استعداداتهم للذهاب في رحلة الصيد الطويلة التي تمتد أشهراً بحثاً عن ذلك المعدن الكريم الذي يجلب الرزق الوفير لصاحبه، كان ذلك في أيام مضت، لكن شهر مايو اليوم يمر دون كثير من الاحتفاء، ودون استعدادات كبيرة للغوص نظراً لأن هذه الحرفة التي كانت تمثل تسعين بالمئة من مصادر الدخل في الساحل الإماراتي لم تعد اليوم تلبي أبسط متطلبات الحياة المعاصرة، نتيجة لغزو اللؤلؤ الصناعي واللؤلؤ القادم من جهات أخرى من العالم الأسواق الإماراتية، وتوفره بأسعار أقل من سعر اللؤلؤ الأصلي، وكذلك لأن مخزون السواحل الإماراتية من اللؤلؤ قد تضاءل بنسب كبيرة وانحسر بفعل التلوث البحري الناجم عن عمليات استخراج النفط والمخلفات الصناعية للسفن العملاقة وغيرها، مما قضى على المغاصات القديمة وأصبح يهدد هذه الثروة بالانقراض، إن لم تكن انقرضت فعلاً .
نتيجة لهذا الوضع فإن جمعية الإمارات للغوص التي تأسست عام ،1995 تضع في بندها الأول أنها جمعية غير ربحية، هدفها الأول هو الحفاظ على البيئة البحرية سليمة من التلوث والتلف، ونشر ثقافة الغوص بين الشباب باعتباره تراثاً وطنياً أصيلاً ينبغي التعرف إليه وتثمينه، وهي تشجع منتسبيها على ممارسة الغوص كهواية والنزول إلى الأعماق البحرية في مناطق الغوص التقليدية، بهدف التدرب واستكشاف أعماق البحر، ولا يسعى الهواة في الأغلب إلى استخراج اللؤلؤ، وحتى إن سعوا إلى ذلك فإن اللؤلؤ بجودته التقليدية لم يعد متوفراً، وأغلب المتوفر اليوم نوع رديء يسمى اللؤلؤ الأزرق، وهو لا يشجع على العناء المبذول من أجله .
كان شهر مايو شهر بداية النشاط فعندما يحل يكونون قد جمعوا كل أسباب الارتحال إلى أعالي البحر، والمكوث هناك أشهراً ينقبون في مناطق محددة معروفة لهم عن ذلك البلور المستدير الذي يتلألأ له القلب عندما يتدحرج بين يدي الغواص، وتبدأ الاستعدادات بتجهيز السفن بأنواعها المعروفة في الغوص، وهي الجالبوت والبتيل والسنبوك والشوعي، ثم تحمل السفينة بجميع الأدوات اللازمة للغوص، وكذلك بالمؤونة والماء العذب حيث لا يتوفر في أعالي البحر إلا الماء المالح، وبعد أن تنتهي الاستعدادات يأتي اليوم المشهود يوم الوداع فيبدو الحي كئيباً وحسرة الفراق تعلو أوجه النساء والأطفال والعجزة، لأن الرجال سيغادرون إلى المجهول، إلى البحر واهب الموت المخيف، ولن تنفك عقدة الخوف تلك إلا بعد أشهر حين ينادي منادي الحي أن البحارة عادوا محملين بصيد ثمين، هناك تبدأ الزغاريد ويرقص أهل الحي رقصة العيالة والليوا، ويغنون مواويل الفرح والظفر .
للغوص أزمنة يكثر فيها اللؤلؤ، وأخرى يقل فيها، فهناك موسم الغوص الكبير، ويسمونه "العود" وهو الأهم، ويبدأ من شهر مايو/ أيار حتى سبتمبر/ أيلول ويعد من أطول، ويكون في المغاصات البعيدة عن الشواطئ، وهو الموسم الأهم نظراً لأن اللؤلؤ يتكاثر في موسم الحرارة، وهناك غوص "الخانجية" في شهر إبريل/ نيسان، وغوص "الردة" في شهر أكتوبر/ تشرين الأول قريباً من الشواطئ، ومثله غوص "القحة" .
على السفينة يتوزع العمل بين البحارة، فيكون لكل منهم مهنته المحددة، فالمرحلة الأولى يسمى البحار فيها "جليس" وهو الموكل بالعمل على ظهر السفينة، وخاصة فتح المحار، واستخراج اللؤلؤ منه، ثم السيب وهو الذي يساعد الغواص على الخروج من البحر، ثم الغواص الذي ينزل للأعماق ويجمع المحار، ويضعه في حصالته التي يعلقها في رقبته، ويضع الغواص على أنفه صماماً يسمى "فطام" يمنعه من التنفس مدة الغوص التي لا تتجاوز دقيقتين، كما يحزم في حجارة بوزن عدة أرطال تساعده على الوصول السريع إلى الأعماق، ويثبت في وسطه حبلاً طويلاً يمسك السيب فوق السفينة برأسه، وعند انتهاء الغوصة يهز البحار الحبل، فيبدأ السيب في سحبه إلى الأعلى، وكان الخطر الأكبر يأتي على الغواص، فقد يتأخر في البحث عن اللؤلؤ فقد تطول مدة غوصه، فيحتاج إلى التنفس، فيبدأ في ابتلاع الماء، وإن لم يسارع مساعده إلى سحبه إلى السطح، فإنه سوف يموت، وقد يهاجمه حوت متفرس، وأحياناً كثيرة يرجع من غوصته، ولم يحصل على شيء، فيظل يعيد المحاولة مرات ومرات، ثم "المجدمي" وهو رئيس البحارة والمسؤول عن العمل في السفينة، وهناك النهام وهو المطرب الذي يغني للبحارة على ظهر السفينة ليحمّسهم ويذهب سأمهم وكآبتهم، وأما النوخذة فهو الربان قائد السفينة، وفي أغلب الأحيان هو مالك السفينة الذي يجمع المحصول ويبيعه للطواش وهو تاجر اللؤلؤ، وعادة يخرج البحارة في أسطول من عدة سفن، ويكون عليهم قائد عام يسمّى السردال هو الذي يأمر بالتحرك ويوجه المجموعة إلى أماكن الغوص .
ينقسم اللؤلؤ حسب أحجامه وكانوا يقيسونه بأنواع من الطاسات المثقفوبة بثقوب متفاوتة الحجم من طاسة إلى أخرى، وهناك لؤلؤة "الرأس" وهي الكبيرة التي لا تخرج من ثقوب الطاسة الكبيرة، ولؤلؤة البطن: هي اللؤلؤة التي لا تخرج من ثقوب الطاسة الثانية، ولؤلؤة الذيل، وهي التي لا تسقط من الطاسة الثالثة، وكانت نظام الأجور في يتبع للكمية المصطادة من محار اللؤلؤ وقيمتها، ويحصل الغواص عادة على أجر كبير بقياس النقد في ذلك العصر، وحين يعود البحارة ظافرين فإن أهل الحي يعيشون أيام رخاء سعيدة وسعادة، وينعمون بألوان من الأكل الطيب، وتشتري النساء الألبسة ويكون ذلك موسم حصاد حقيقياً، لكن ليس كل من يدخل البحر يعود منه، فكثيراً ما تعود السفينة وقد فقد منها واحد أو اثنان وربما لا تعود كلها، وذلك كان التهديد الأكبر والخطر الدائم الذي يترصد أولئك الرجال الأشداء أصحاب العزائم التي لا تكل، والإرادة التي تعرف الخطر لكنها تواجهه بإصرار يجعل من الإرادة الإنسانية أكبر من كل تهديد، وصراعه في سبيل أهداف الوجودية يتضاءل معه كل خطر .