قال تعالى: {والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير}، (سورة النور الآية: 45).
تفوق أنواع الحشرات وفصائلها وأممها بأشكالها وأحوالها وألوانها وأجناسها وأجسادها وأجنحتها وريشها وأرجلها العديدة كل مخلوقات الأرض؛ إذ إنها تعيش على اليابسة وفي المياه وفي أعماق الأرض وفي جو السماء وفي البحيرات والبرك والأحراش، وفي الشقوق والأحجار والصخور والرمال، وبعضها يطير بأجنحة، وأخرى تسير على أرجل أربع أو أكثر، ومنها ما يتحرك بالحركة الدودية، ومنها الثاقب في الأرض وفي النبات والشجر وغيرها من المخلوقات العديدة.
ولعل أشهر ما في هذا العالم من الحشرات هي فصائل الفراشات المختلفة الأشكال والجميلة الألوان في أجنحتها والتي تسرح ما بين الزهور في البساتين والحدائق، وتنتقل من زهرة إلى أخرى لتمتص رحيقها وعطرها، وتنقل بأرجلها حبوب اللقاح من مكان إلى آخر لتتم عملية التلقيح والتزاوج بين النباتات والزهور المختلفة خلال تنقلها.
كل الحشرات تدور في منظومة كاملة من التعايش في المناطق المختلفة ومع التوازن البيئي فيها، وتضع الحشرات بيضها على سطوح أوراق النباتات والأشجار من الخلف ومن أسفل لتخفيه عن الأنظار وأيضاً لحمايته من الأمطار والعواصف حتى تتم دورتها لتفقس يرقات ضئيلة سرعان ما تتغذى على ما حولها من أوراق الأشجار الغضة الطرية، وتبدأ في الحركة والزحف في كل اتجاه، ومع تمام نموها تبدأ في مرحلة الشرنقة داخل غلاف حريري أو جلدي أو نسيجي أو قشري، وتتشكل خلال ذلك لتخرج منها فراشة تطير وتنطلق في الفضاء وتبحث عن أماكن آمنة لوضع بيضها بعد التزاوج لتبدأ حياة جديدة.

الفطرة الكامنة

يقول المهندس حسين الليثي في كتابه «الله خالق الكون الأعظم»: هناك أكثر من 150 ألف فصيلة معروفة من المرتبات الحشرية تمثلها الفراشات، حيث تبدأ حياتها من يرقات ضعيفة تخرج من الشرانق والبيض لأنواعها المختلفة وتعرف الواحدة من هذه اليرقات باليسروع، وهي مرحلة أولى في دورة حياة الفراشات وتكون على هيئة ديدان صغيرة ضعيفة تتغذى على عصارة أوراق النباتات التي يفقس بيضها عليها، ثم ما تلبث أن تتحول إلى حشرات كاملة التخلق بأجنحتها وتنطلق في الطبيعة ضاربة بأجنحتها الرشيقة في الهواء حيث تدور وتهبط وتتخايل بألوانها المبرقشة البديعة التي وهبها إياها الخالق العظيم، وتنتقل بين البساتين والحدائق والأشجار والمروج والزهور بفطرتها الطبيعية لكي تمتص من رحيقها وعصارتها عندما تحط عليها في دلال وهدوء من دون أن تؤثر أو تدمر رقيق الأوراق والزهور اليانعة، وهي تختار بعضها لترسو عليه وتمر بسرعة على غيرها، وهذه هي الفطرة الكامنة التي أودعها الله فيها للتعرف والتمييز والشم والإحساس.
وللفراشات أشكال متعددة وهي مختلفة الحجم والأجنحة، ولو أنها تشترك في تكوينها بوجود زوجين من الأجنحة على جانبي الجسم، والأعلى منها هو الأكبر وهو من نسيج شفاف رفيع ذي ألوان كثيرة ومتداخلة ومنسقة مع بعضها مع الرأس الدقيق الذي تخرج منه قرون الاستشعار وخراطيم المص، ثم أزواج من الأرجل الرفيعة ذات الأهداب وتختلف أطوال أجنحتها من دقيقة حتى يبلغ بعضها ما يزيد على عشرة سنتيمترات.

في كل الأجواء

وتستطيع الفراشات الطيران في كل الأجواء، وترتاد المروج والوديان والمرتفعات والحقول المكشوفة والحدائق والمزارع والمتنزهات، وتنتشر طائرة في الجو ذهاباً وارتفاعاً بسرعة ونشاط وكأنما تسابق الأخريات في الوصول إلى براعم الزهور قبيل تفتحها حيث يكون عصيرها وعطرها في أوجه قمته قبل تمام تفتحها، وصاحبة الحظ منها هي التي تحط على وردة مبللة بقليل من الندى ويفوح شذاها من بعد فتلتقطه الفراشة بحاستها وتهبط عليها لتمتص وترتوي.
وتتغذى الفراشات المختلفة على عصارات أوراق الأشجار وأغصانها وتختار بعضها أنواعاً خاصة من النباتات والأوراق دون سواها وتتعرف إليها بسهولة كما تعزف عن أشجار أخرى بفطرتها من دون أن تحط عليها، وليس بمقدور العلم تفسير لذلك. وتتدرج أشكال وألوان أجنحة الفراشات من المخطط والمزركش والمنقط والمدور والمبقع مشكلة جميع الألوان الخلابة الممتزجة ببعضها وقد أضفى عليها هذا التلون الرائع البهجة للمشاهد، كما يستخدم لجذب الذكور والإناث في موسم التزاوج لإتمام دورة حياتها، ثم خروج أجيال أخرى جديدة من مختلف أنواع الفراشات البراقة التي تضفى على الحدائق والمزارع الشعور الجميل والبهجة والتأمل.
وتعتبر الفراشات ذات الأجنحة الجميلة الرشيقة غير مؤذية ولا ضارة بالإنسان أو البيئة، إلا أنها في طورها الثاني تضع الملايين من بيضها على أسطح أوراق النباتات وهذا البيض بعد أن يفقس تخرج منه ديدان رقيقة صغيرة، لا تفتأ أن تكبر سريعاً لتنتشر على أسطح هذه الأوراق أو ظهرها وتبدأ في التهامها بشراهة حتى لا يبقى من الورقة سوى شعيرات رفيعة.
ومن عجائب الفراشات أنها ترى بأجنحتها في أشد الظلام وهو ما ذكره محمد كامل عبد الصمد في كتابه «ثبت علمياً»، حيث اكتشف اثنان من علماء الحيوان البريطانيين أن أجنحة الفراشات تأخذ لوناً آخر عندما تطير في الأشعة فوق البنفسجية Uitra Violet
، وأن هذا اللون يشبه ألوان قوس قزح، حيث وجد العالمان وهما «كلير برونتون» و«مايكل ميجورز» من جامعة كمبريدج البريطانية أن فراشات «كولياس» البريطانية، وفراشات «جونبتريكس» من جزر الكناري، تختلف ألوان أجنحتها في الظلام كلما لقيت فراشاً من فصيلتها نفسها أكثر مما يحدث إذا لقيت فراشاً من فصائل أخرى.. واستنتج العالمان من ذلك أن الفراشات ربما تفعل ذلك للتعرف إلى زميلاتها من النوع نفسه، وأيضاً للتمييز بين الذكور ومعرفة أيها أكثر صلاحية للتكاثر. هذا، وقد استخدم العالمان كاميرا شديدة الحساسية للضوء فوق البنفسجي، وتبين لهما أن الفراشة تستخدم الارتفاعات المختلفة الموجودة في الجناحين، مما يعطي انعكاسات مختلفة الدرجات للضوء فوق البنفسجي، وهكذا تتعدد درجات اللون.
وأيضاً اكتشف العالمان أن لون الجناح في الضوء العادي بالنهار يختلف عن لونه في الليل وفي الضوء البنفسجي، وأنواع الفراشات تختلف فيما بينها اختلافاً كبيراً في درجات هذا التلون.

الوقوع في النار

ويذكر عبد اللطيف عاشور في «موسوعة الطير والحيوان في الحديث النبوي»: أن الفراش جنس من الفصيلة الفراشية، ورتبة حرشفيات الأجنحة وأن الفراشات تتهافت حول السراج فتحترق. واحدتها: فراشة. ويقول الدميرى: «الفراش دواب مثل البعوض، واحدتها فراشة، وهي التي تطير وتتهافت في السراج لضعف إبصارها، فهي بسبب ذلك تطلب ضوء النهار، فإذا رأت فتيلة السراج في الليل ظنت أن السراج كوّة إلى الموضع المضيء، فلا تزال تطلب الضوء، وترمي بنفسها إلى النار، فإذا جاوزتها، ورأت الظلام، ظنت أنها لم تصب الكوّة، ولم تقصدها على السداد، فتعود إليها مرة بعد أخرى حتى تحترق».
وكم تغنى الشعراء بجمال الفراشات في الربيع، وهي تحوم حول الأزهار، تقبل الورد وتشمه، ثم تحمل عطره فتعطر الجو، وقد ورد ذكر الفراش في القرآن. فقال سبحانه: {يوم يكون الناس كالفراش المبثوث}، (سورة القارعة الآية: 4).
حيث شبههم بالفراش في الكثرة والانتشار، والضعف والذلة، والتطاير من كل جانب كما يتطاير الفراش. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما مثلي ومثل أمتي، كمثل رجل استوقد ناراً، فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه، فأنا آخذ بحجزكم، وأنتم تقتحمون فيه». (رواه مسلم).
وروى مسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تتفلتون من يدي».
وأيضاً روي مسلم عن ابن مسعود قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض منها، قال تبارك وتعالى: {إذ يغشى السدرة ما يغشى}، (سورة النجم الآية: 16) قال: فراش من ذهب.
وعن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحمل الناس على الصراط يوم القيامة فتقادع بهم جنبة الصراط تقادع الفراش في النار.. قال: فينجي الله تبارك وتعالى برحمته من يشاء. قال: ثم يؤذن للملائكة والنبيين والشهداء أن يشفعوا، فيشفعون ويخرجون، ويشفعون ويخرجون، ويشفعون ويخرجون (وزاد عفان مرة فقال أيضاً: ويشفعون ويخرجون) من كان في قلبه ما يزن ذرة من إيمان»، (رواه أحمد في مسنده).