العقل السليم والتفكير العقلاني هو الذي يقود الإنسان إلى معرفة الله عز وجل هذا ما اتفق عليه علماء العقيدة. لكن مسألة وجود الله كما يقول المفكر الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله مسألة وعي قبل كل شيء.

فكيف يعي العقل حقيقة الخالق ويؤمن بوجوده؟

يقول العقاد: الإنسان له وعي يقيني بوجوده الخاص وحقيقته الذاتية. ولا يخلو من وعي يقيني بالوجود الأعظم، وبالحقيقة الكونية، لأنه متصل بهذا الوجود، بل قائم عليه. والوعي والعقل لا يتناقضان، وإن كان الوعي أعم من العقل في إدراكه، لأنه مستمد من كيان الإنسان كله، ومن ظاهره وباطنه، وما يعيه هو وما لا يعيه، ولكنه يقوم به قياما مجملا محتاجا إلى التفصيل والتفسير.

يضيف: ونحن إذا رجعنا إلى تاريخ الإيمان في بني الإنسان، وجدنا أن اعتماده على الوعي أعظم جدا من اعتماده على القضايا المنطقية، والبراهين العقلية وأنه أقوى جدا من كل يقين يتأتى من جانب التحليل والتقسيم.

كل ما في الكون

والعلماء الأخيار، والعقلاء الأبرار كثيرا ما يعبرون عن وجود الله تعالى على أنه من البدهيات التي يدركها الإنسان بفطرته، ويهتدي إليها بطبيعته.

فهذا أحد الصالحين يقول له قائل: إن فلانا قد أقام على وجود الله ألف دليل، فيرد هذا الرجل الصالح الحكيم فيقول: لأن فلانا هذا في نفسه ألف شبهة.

وكأنه يريد أن يقول: إن وجود الله حقيقة لا شك في أمرها، ولا مجال لإنكارها، ولا يحتاج إلى إقامة برهان أو دليل.. فالأمر كما قال الشاعر:

وليس يصح في الأذهان شيء/ إذا احتاج النهار إلى دليل.

يقول ابن عطاء الله السكندري: إلهي كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك.. متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟

والخلاصة كما يقول الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر أن فطرة الله التي فطر الناس عليها هي خير دليل على وجوده، وجودا تتزلزل له الجبال الرواسي، ولا يتزلزل هذا اليقين بوجوده عز وجل في نفوسهم وفي كل ذرة من كيانهم.

وإذا كانت الفطرة الإنسانية قد دلت على وجود الخالق سبحانه، فإن العقل السليم قد دل أيضا على وجوده سبحانه وجودا لا مجال معه لشك أو تردد.

تارة عن طريق المخلوقات التي لابد لها من خالق أوجدها وأبرزها من العدم إلى الظهور، إذ من البديهيات الأولية والمسلمات العقلية أن كل مخلوق لابد له من خالق.. قال تعالى: سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون. أي: جل شأن الله الذي خلق الأنواع والأصناف كلها ذكورا وإناثا التي تنبت في الأرض، والتي خلقها من أنفسهم، إذ الذكر من الأنثى، والأنثى من الذكر مما لا يعلمون.

وتارة يكون الإيمان بوجود الله عن طريق التأمل والتدبر في كل ما يحيط بنا، وما نراه من إتقان وإحسان لكل المخلوقات، وإكمال صنعها، وجعلها في هذه الصورة البديعة التي تشهد بأن لها خالقا قادرا حكيما. قال تعالى: ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين.

وهذا الإحسان في خلق الكائنات كما يوضح الدكتور أحمد شوقي إبراهيم أحد رواد الإعجاز العلمي في القرآن الكريم نراه في كل شيء، في الإنسان وفي الحيوان، وفي النبات وفي الأرض، وفي السماء وفي الجبال وفي الأنهار.. في كل المخلوقات التي لا يعلم عددها إلا الله عز وجل.

وتاره يقودنا التقدير المحكم الدقيق الذي يجعل كل شيء في مكانه الملائم، وزمانه المناسب، وكيفيته المتناسقة وكميته المتوازنة إلى معرفة الله والاطمئنان لوجوده. يقول الحق سبحانه وتعالى: إنا كل شيء خلقناه بقدر، وقال سبحانه: وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم.

هذه المخلوقات التي لا تعد ولا تحصى، والتي أوجدها الله تعالى بتلك الصورة البديعة السوية الدقيقة هي التي جعلت الأعرابي يعبر عن وجوده سبحانه بتلك العبارات الواضحة فيقول لمن سأله عن وجود الله تعالى البعرة تدل على البعير، وأثر السير يدل على المسير، فكيف بسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أفلا يدل ذلك على العلي الكبير؟.

فروض عقلية

في طرق إثبات وجود الله طرح علماء العقيدة ثلاثة فروض عقلية يمكن أن يفترضها أي عقل في تعليل الأصل الذي عن طريقه وجدت هذه المخلوقات التي ضمها هذا الكون الهائل البديع.

الفرض الأول: أن هذه المخلوقات قد وجدت من العدم.

الفرض الثاني: أن تكون هذه المخلوقات قد وجدت عن طريق الصدفة.

الفرض الثالث: أن يكون لهذه المخلوقات موجد قادر حكيم.

أما الفرض الأول كما أوضح العلماء فهو ظاهر البطلان من دون أن يختلف في ذلك عاقلان، لأن العدم لا يتصور أن يكون أصلا لما هو موجود، إذ فاقد الشيء لا يعطيه، كما يقولون. وصدق الله تعالى إذ يقول: أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون.

أي: هل وجد الضالون على هذه الصورة البديعة والهيئة القويمة من غير أن يكون هناك خالق لهم؟ وهل هم الذين خلقوا أنفسهم أم خلقوا السماوات والأرض؟!

كلا.. ثم كلا إن شيئا من ذلك لم يحدث، وإنما الذي حدث وأيده العقل والواقع أن الذي أوجدهم وخلقهم وخلق هذا الكون بأرضه وسمائه إنما هو الله تعالى، كما قال سبحانه: الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل.

وأما الفرض الثاني فهو أشد بطلانا، وأعظم تهافتا من سابقه، لأن الصدفة لا يمكن أن ينبثق عنها هذا الكون البديع المحكم المتوازن المتناسق الذي تحكمه سنن مطردة، وقوانين في غاية الدقة.

يقول العلماء: ليس معقولا أن تكون الصدفة والتي هي وليدة الاعتباط والاتفاق غير المقصود، هي التي أوجدت هذه المخلوقات بهذه الصورة الدقيقة المحكمة التي تجعل العقل البشري ينطق بأعلى الأصوات قائلا: إن المشاهدة تقول لي: كن موقنا بأن لكل شيء في هذا الوجود موجدا أوجده، وأن لكل معلول علة وأن لكل فعل فاعلا، ولكل مؤثر أثرا، وأن شيئا لا يمكن أن يوجد من غير سبب.

ليس معقولا أن تكون الصدفة هي التي خلقت الذكر والأنثى، وجعلت بين الزوجين المودة والرحمة، ليس معقولا أن تكون الصدفة هي التي هدت كل مخلوق إلى وظيفته التي خلق من أجلها، وأعطته من الحواس والمشاعر ما يعينه على أداء هذه الوظيفة.

ليس معقولا أن تكون الصدفة هي التي أوجدت الكواكب بهذه الهيئة التي هي في نهاية الدقة والتنظيم والسرعة الهائلة.. ألا ما أصدق قوله تعالى: والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون.

ومادام هذان الفرضان قد ثبت بطلانهما يقينا، لأنهما خارجان عن دائرة العقل والمنطق والعلم، لم يبق إلا الفرض الثالث، وهو أن لهذا الكون خالقا مدبرا حكيما موجدا لغيره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين.

أدلة وبراهين

ويقول الداعية الراحل الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: وجود الله تعالى من البداهات التي يدركها الإنسان بفطرته، ويهتدي إليها بطبيعته وليس من مسائل العلوم المعقدة، ولا من حقائق التفكير العويصة. وهذه بعض الأدلة التي تنبه العقل الغافل وتجعله يبصر حقيقته:

الإنسان لم يخلق نفسه، ولم يخلق أولاده، ولم يخلق الأرض التي يدرج فوقها ولا السماء التي يعيش تحتها. ومن المقطوع به أن شيئا لا يحدث من تلقاء نفسه، فلم يبق إلا الله. وقد لفت القرآن أنظار العرب إلى مظاهر الإبداع في المجتمع الساذج الذي يحيون فيه فقال: أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت. ويسمى هذا الدليل: دليل الإبداع.

لو دخل المرء دارا فوجد بها غرفة مهيأة للطعام، وأخرى للمنام، وأخرى للنظافة، وأخرى للضيافة، لجزم بأن هذا الترتيب لم يتم وحده، وأن هذا الإعداد النافع لابد أنه قد نشأ عن تقدير وحكمة، وأشرف عليه فاعل يعرف ما يفعل. والناظر في الكون وآفاقه، والمادة وخصائصها. يعرف أنها محكومة بقوانين مضبوطة، شرحت الكثير منها علوم الطبيعة والكيمياء والطب بطريقة أبعدت كل شبهة توهم أن هذا الكون قد وجد كيفما اتفق، قال تعالى: تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا. ويسمى هذا الدليل: دليل العناية.

هل فكرت في هذه السيارات المنطلقة، أعني هذه الكواكب التي تخترق أعماق الجو، والتي تلتزم مدارا واحدا لا تنحرف عنه يمينا ولا يسارا، من الذي هيمن على نظامها وأشرف على مدارها؟ بل من الذي أمسك بأجرامها الهائلة ودفعها تجري بهذه القوة الفائقة؟ إنها لا ترتكز في علومها إلا على دعائم القدرة ويسمى هذا دليل الحركة.

لا شك أن لوجود كل واحد منا بداية معروفة، فنحن قبل ميلادنا لم نكن شيئا يذكر. وعناصر هذا الكون الذي نعيش فيه كذلك لها بداية معروفة عند أهل الخبرة. إننا جازمون بأن وجودنا محدث لأن تفكيرنا وإحساسنا يهدينا لذلك وغير معقول أن يتطور العدم إلى وجود تطورا ذاتيا. ويسمى هذا دليل الحدوث.

وفي النهاية يتضح أن معرفة الله تعالى هي أعظم المعارف وأجلها، إذ هي الأساس الذي تبنى عليه الحياة الروحية الصحيحة. ووجود الله عز وجل تشهد به الفطرة السليمة والعقول الإنسانية الرشيدة، وقد أقام علماء الإسلام الأدلة الكثيرة والمتنوعة على أن وجود الله عز وجل حقيقة لا شك في أمرها، ولا مجال لإنكارها.