كتب:بكر المحاسنة
في مواسم هطول الأمطار والربيع نجد الصغير قبل الكبير يبحث بلهفة للحصول على نبات الحميض والفقع بكل أنواعه، من خلال منظر جميل يؤكد عمق الموروث الشعبي، وذلك عندما تخضرّالبيداء وتعشب فرحة بالمطروالشتاء لتقدّم للإنسان بعض نعم الله التي لا تُعدّ ولا تُحصى.

عن نبات الحميض، يقول سعيد محمد الكندي: هو نبات بري موسمي معروف منذ القدم يتم جمعه بعد هطول الأمطار بفترة معينة على الجبال والوديان، وكان ولا يزال يستخدم في السلطات والبعض يستعين به في إعداد بعض الأكلات الشعبية المعروفة، كما أن البعض يقوم بتقطيعه وإضافة الملح والبهارات عليه وأكله أخضر رغم كونه حامض الطعم، حيث يحتوي على فوائد كبيرة ويستخدم والفقع كذلك في علاج العديد من الأمراض والآلام المعروفة لدى الأهالي.
ويؤكد الكندي أنه منذ القدم والآباء والأجداد والأبناء يسارعون بكل فرح وسعادة بعد هطول الأمطار للبحث عن نبات الحميض، ومن أجله يخوض الصغار سباقاً كبيراً مع الكبار، وقد يشعر هؤلاء بمتعة مختلفة عند الحصول على النبتة المنشودة، ومن يجمع أكبر قدر ممكن منها لا يبقى أمامه سوى الانتظار لأكلها، والكل منهم يتبع طرق البحث التقليدية عنها، والمحافظة عليها أثناء القطف.

رمال وجبال
يتحدث محمد عبد الله اليليلي، عن نبات الفقع (الكمأة)، قائلاً: منذ الماضي كان الأهالي يستعدون لموسم جمعه وذلك بعد هطول الأمطار الموسمية وخاصة المصحوبة بالرعد والبرق، وحدوث تشققات في الأرض، وكان يتم البحث بالقرب من شجرة الرقاه حيث ينمو الفقع بشكل كبير، وهي الدليل الرئيسي على وجوده ويكون تحت هذه الشجرة على شكل مجموعات، وينمو في الأماكن الرملية والجبلية ويكون ذا لون أبيض على الجبال وبمختلف الأشكال والأنواع، أما الذي ينمو في الرمل فيكون لونه بنياً وبعض الأنواع تحمل اللون الأسود، ومن أكثر الأماكن الرملية في الدولة التي ينمو فيها سويحان والمناطق القريبة من جبل علي، إضافة إلى بعض مناطق أبوظبي الغربية، أما بالنسبة للأماكن الجبلية فإنه يكثر في مناطق وادي الحلو والفجيرة ورأس الخيمة الجبلية والسهلية.
غذاء الملوك
وحول رحلة جني الفقع، يقول اليليلي: بعد سقوط الأمطار الرعدية بيومين أو ثلاثة يذهب الناس للبحث عنه على سفوح الجبال وتحت أشجار الرقاه أو بين ثنايا التلال الرملية التي يتناثر فيها العديد من أنواعه، ويكون البحث عنه بشكل جماعي ويقود المجموعة رجل لديه معرفة كافية بالمناطق التي يكثر فيها، وأثناء البحث يتم ترديد بعض الأغاني الشعبية التي كان يرددها الآباء والأجداد في رحلات جَنْيه، وبعد جمع الفقع، يفرز كل نوع على حدة وينظف من الأتربة والرمال من خلال نقعه في الماء لعدة ساعات ثم التخلص من جلدته الخارجية وبذلك يكون جاهزاً للطهي.
ويضيف، قائلاً: كانت تجارة الفقع قديماً مربحة، حيث يقوم البعض بجنيه للبيع وكان يشكل مصدر رزق كبير خاصة في نهاية موسم الأمطار، حيث يأتي عدد من تجار الدول المجاورة لشرائه بثمن كبير للإهداء، لأنه يحمل لقب «غذاء الملوك» نظراً لقلة وجوده في العديد من دول العالم، ولقيمته الغذائية الكبيرة ويحظى بمكانة عالية كطعام فاخر، ويعتبر من الأكلات الشهية الغالية.

بديل اللحوم
ويتحدث ناصر عبيد راشد، عن الفقع، قائلاً: يحظى بمكانة عالية عند الآباء والأجداد لأنه لذيذ الطعم وله رائحة عطرية ويمكن تناوله نيئاً أو مطهياً، وكان يستخدم بديلاً للحوم في العديد من الوجبات لغناه بالبروتين كما أنه لا يحتوي على الدهون، لذلك يحرص الأهالي دائماً في مواسم ظهوره على إعداد ولائم يدخل في تجهيزها لأنه يضفي على الأكل طعماً رائعاً بالإضافة إلى قيمته الغذائية الكبيرة، ويستخدم كذلك في الطب الشعبي لعلاج العديد من الأمراض، حيث يعالج ماء الفقع بعض أمراض العيون، ويستخرج الماء من داخله عن طريق حفرة صغيرة في رأس «الفقعة» وبعدها توضع على «الفحم المشتعل» حتى يخرج الماء من خلال الحفرة الموجودة برأس الكمأة، ثم نقوم بشفطه بشكل سريع حتى لا يتبخر، باستخدام أداة شفط توضع في علبة خاصة، كما يستخدم قشرة الفقع في إزالة الحروق وعلاج التشققات الجلدية.
ويؤكد راشد أنه وأبناء الجيل الجديد يحرصون على هواية أو مهنة جني الفقع وذلك باستخدام أساليب الآباء والأجداد، والجميع يتقنها، ويتفنن في كيفية إعداده للطبخ، حيث يعتبر البحث عنه هواية شعبية ومهنة ذات ربح عالٍ ويبحث الناس عنه في الأرض منذ مئات السنين، وحتى وقتنا الحاضر.