يظن البعض واهماً أن «الفقه الإسلامي» هو سبب الجمود والتخلف في الخطاب الإسلامي المعاصر، حيث يتهمون معظم العلماء والدعاة بالتنقيب في كتب الفقه القديمة، بحثاً عن أحكام قديمة أطلقها فقهاء العصور الأولى ولم تعد مناسبة للعصر، ولا تصلح لإنسان هذا الزمان، وجاؤوا بأدلة وبراهين من سجلات الفتاوى المنتشرة على وسائل التواصل الحديثة، ليؤكدوا أن الفقه هو «أس البلاء» في الخطاب الديني المعاصر.
فهل هذه التهمة صحيحة؟ وهل هناك مايؤيدها ويدعمها من واقع الخطاب الديني المعاصر؟ وكيف نتعامل مع الفقه ونطوّره ونأخذ منه ما يناسب أحوالنا وظروفنا من خلال اجتهادات وفتاوى معاصرة تستفيد من رؤى فقهاء العصور السابقة وتعطي لفقهاء عصرنا فرصة استنباط أحكام فقهية مرنة ومتطورة وتربط الإسلام بالعصر؟
الفقيه د. محمد نبيل غنايم - أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة - يؤكد أن الوقوف على ما جاء على ألسنة الفقهاء يكون في الأمور المحسومة شرعاً وليس في الأمور الاجتهادية التي تتسع لكل الآراء وتتعدد حولها الاجتهادات ويقول: الإنتاج المعرفي للفقهاء يستمد قدره ومكانته الشرعية من كون «مادة» الفقه الإسلامي هي شريعة الإسلام وعباداته وعقائده من خلال الاستنباط المباشر من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.. ومن مكانة الفقهاء وقدرهم، فالفقهاء الذين وصلوا لأقصى درجات التخصص والقدرة على الفهم من مصادر الإسلام الصحيحة ينبغي أن نجلهم ونحترمهم ونقدر اجتهاداتهم، وأن نعمل بما وصلنا منهم مما يتعلق بأصول وثوابت شريعتنا، وأن نمعن النظر في اجتهاداتهم الأخرى فما ناسبنا وحقق مصالحنا نحن المسلمين في هذا العصر عملنا به، وما رأيناه غير ذلك صرفنا النظر عنه، وليس في ذلك تقليل من قدرهم فقد عاشوا في أزمان غير زماننا، ولكل زمان ما يناسبه.
ويشير د. غنايم إلى أن عطاء الفقهاء يجب أن يحترم، خاصة هؤلاء الذين أثروا حياتنا الفكرية والفقهية بثروة فقهية متميزة فنحن أمة لا تتنكر لفقهائها أو علمائها، ولا تجحد عطاءهم.. وعطاء فقهاء الأمة كثير ومتميز.
مساحة الاجتهاد الرحبة
ويضيف: الفقه الإسلامي يحمل مرونة لا يعرفها هؤلاء الذين يتهمونه بالتخلف وعدم القدرة على مواكبة العصر، فهو يحمل في ذاته كل معاني المرونة والتجدد، وليس الجمود والتزمت كما يدعي البعض، ومن مظاهر هذه السعة وتلك المرونة تعدد وتنوع المصادر، حيث لم يعتمد العلماء أو الفقهاء على القرآن والسنة وحدهما في فهم الأحكام، بل اعتمدوا عليهما مع استحداث مصادر مرنة أخرى مثل: القياس العقلي والاستحسان والإجماع الاجتهادي والمصلحة العامة والاستصحاب ومراعاة العرف، فضلاً عن التنوع في مراتب الأحكام الشرعية.
أيضا ما يؤكد مرونة هذا الفقه خاصة في الجانب الاجتهادي منه، أن فقهاء الإسلام يعملون دائماً في مساحة رحبة للغاية، وهي المنطقة التي لم يرد فيها نص شرعي وهذه أوسع كثيراً من المنطقة التي وردت فيها نصوص، وهذه تسمى منطقة «العفو» أي التي أعفانا الله فيها من الحكم القاطع وترك للعقل البشري حرية الاجتهاد فيها، وهذا واضح في حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً»، ثم تلا صلى الله عليه وسلك قوله تعالى: «وما كان ربك نسيّاً».
وإلى جانب كل ذلك لا بد أن نراعي قدرة الفقهاء الفائقة في التعامل مع الأحكام التي ورد فيها نص، وقلّما تجد حُكماً لم يختلف في فهمه عالمان، وهذا من مظاهر الإعجاز في الحكم الشرعي، ومن مظاهر التخفيف عن الناس، ومن مظاهر المرونة في الفقه.
تجديد مستمر
ويؤكد د. غنايم أن فقهاء الإسلام الآن يعيشون حالة تجديد مستمرة، وهم ليسوا في حاجة إلى إذن بذلك وليسوا في حاجة إلى من يحثهم على القيام بواجباتهم العلمية المتمثلة بالاجتهاد، وهو الذي يؤكد حيوية الفقه ويربطه بالعصر، ولذلك فإن واجبنا أن نزيل كل العوائق من طريق علماء الأمة القادرين على التجديد عن طريق الاجتهاد المنضبط بالضوابط الشرعية.
ومن هنا يرفض د. غنايم مقولة «إن باب الاجتهاد قد أغلق» ويرى أنها عبارة مريبة لا تجسد الحقيقة، ذلك أن الاجتهاد ليس «باباً» يملك واحد من الناس «مفتاحه» ليتحكم فيه وحده، بل هو ملك علماء الأمة كلهم، وقضية الاحتياط في بعض جوانب الاجتهاد كانت «اجتهاداً» حتى لا يقع العلماء في الشبهات وفي الوقت نفسه، فإن القرآن الكريم والسنة النبوية يسرهما الخالق للفهم لكثير من الناس فضلاً عن المتخصصين، وجعل الله في الأمة في كل عصر علماء ومجددين كما ذكر رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - في الحديث: «لا يزال يبعث على رأس كل مئة سنة لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها»، وقد وجد في كل عصر مجددون، حتى في تلك السنوات التي قيل عنها إن الاجتهاد قد أغلق فيها.
وهنا يؤكد أستاذ الشريعة الإسلامية، ضرورة الحرص الشديد على عدم المساس بالثوابت الشرعية، ويقول: «إن عقول علماء الأمة لا تزال قادرة على الاجتهاد والعطاء الفكري المتميز، وهو ما يعني أن اجتهاداتهم مستمرة وأن عطاء الفقه الإسلامي على أياديهم مستمر، ولن يستطيع أحد مصادرة حقهم في الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية التي تؤكد مرونة هذا الفقه وتميزه وقدرته على التجاوب مع حاجات المسلمين الآن كما أوفى بحاجاتهم في الماضي».
تغير الفتوى
وما يؤكد أن فقهاء الإسلام في حالة تجدد دائمة - كما يقول د. غنايم - أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والمصلحة والذي يقدر ذلك هم العلماء والفقهاء، وهذا مظهر من مظاهر مرونة الحكم الشرعي المستنبط فقهاً من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه المرونة لم تظهر فجأة الآن، وهي ليست شعاراً يردده الفقهاء وعلماء الشريعة للدفاع عن الفقه الإسلامي، أو يعبرون من خلاله عن ولائهم وتقديرهم لشريعتهم.. لكن هذه المرونة بدأت منذ العصر الأول للإسلام، وطبقها كبار الصحابة والخلفاء الراشدون في أحكامهم واجتهاداتهم الفقهية، وعلينا هنا أن نتذكر فتاوى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما جمد سهم «المؤلفة قلوبهم» لأن الإسلام بلغ شأناً لا يحتاج معه لتأليف القلوب المرتجفة، أو عندما أخر جمع الزكاة عام الجدب تخفيفاً عن الممولين، أو عندما أوقف حد السرقة عام المجاعة لوجود الشبهة التي يدرأ الحد بها، كما نتذكر اجتهادات الإمام الشافعي والمقولة التي كادت تصبح أصلاً من أصول الاجتهاد وهي: «هذا اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان».. إذن فإن الذي ملك تقدير مصلحة الشريعة وتقدير ظرف الزمان والمكان كان«فقيهاً» ولم يكن نبياً ولا رسولاً يوحى إليه.
تراث عظيم
د. شوقي علام - أستاذ الفقه المقارن، مفتي مصر - يؤكد من جانبه أن الفقه الإسلامي بفعل اجتهاد الفقهاء في كل مكان يعيش بالفعل حالة تجدد وتطور ومعايشة للعصر، ويقول: لا شيء يصرف الفقيه عن الاجتهاد الدائم ما دام مؤهلاً لذلك، والخائفون على ثوابت الإسلام نطمئنهم بأن هذه الثوابت لن يتم المساس بها لأنها تمثل جوهر الدين وقواعده الأساسية، ولا خوف على الثوابت طالما أن الذين يقومون على تجديد «الفقه» أو «الفكر» وغربلة ما وصل إلينا من اجتهادات وجهد السابقين علماء ثقات يملكون مؤهلات الاجتهاد ويستطيعون القيام بعملية الفرز أو الغربلة لانتقاء ما يصلح للعصر، مؤكداً أن «الجمود على الموجود» أمر غير مقبول لا من الناحية الدينية ولا من الناحية العقلية، وهو أمر ترفضه طبيعة الشريعة الإسلامية التي توصف دائماً بالمرونة والسعة والقدرة على التجدد.
ويرى د. علام أن تجديد الفقه في الجوانب الاجتهادية يعني نزع القداسة عما وصل إلينا من اجتهادات العلماء والفقهاء في كل العصور، مؤكداً أنه لا قداسة لغير ما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة، وطالب بالاستفادة من التراث الفكري والفقهي باعتباره عملاً تراكمياً محترماً، ولكنه ليس مقدساً، بمعنى أننا نستفيد من مناهج السلف الصالح لأنها مبنية على اللغة والعقل وقواعد تفسير النصوص، ولكن في الوقت نفسه لا نلتزم بمسائلهم التي ارتبطت بسياق واقعهم وقتها، مع تنقية هذا التراث العظيم من كل ما هو دخيل وغريب عنه من دون انتقاص لهذا المجهود الكبير وغير المسبوق.
وينتهي د. علام إلى المطالبة بعدم ترك ساحة الاجتهاد في الأمور الشرعية مفتوحة أمام المتسلقين والمتطفلين بدعوى التجديد والتطوير، مؤكداً ضرورة احترام المرجعية الإسلامية، وترك الحديث في أمور الدين لأهل الاختصاص، كلٌ في علمه وفنّه، تحقيقاً لقول الله تعالى: «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون».