رفض الفقيه الأزهري د . نصر فريد واصل أستاذ الشريعة الإسلامية ومفتي مصر الأسبق استخدام أساليب العنف في دعوة الناس إلى الإسلام أو صرفهم عن التجاوزات والمخالفات الشرعية، وأكد ضرورة انتهاج مسلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، باعتباره القدوة والمثل لكل دعاة الإسلام . وأكد د . واصل في حواره مع الخليج أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم في حدود إمكاناته بشرط ألا يترتب على القيام بهذا الواجب الديني أي ضرر بالمجتمع . . ووصف قيام الجماعة السلفية في مصر بإنشاء هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تمارس عملها في الأماكن العامة من دون تصريح، بأنه افتئات على سلطة الدولة التي يعود إليها وحدها حق إنشاء هذه الهيئة . وأوضح مفتي مصر الأسبق أن الإسلام هو أول تشريع يواجه الفاسدين بتطبيق قانون الكسب غير المشروع عليهم، وأن مصادرة الثروة الناتجة عن أساليب وطرق محرمة واجب شرعي . وفيما يلي نص الحوار مع مفتي مصر الأسبق:

منذ إعلان الجماعة السلفية في مصر عن إنشاء هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجدل الديني والاجتماعي والقانوني لم يتوقف . . من وجهة نظر شرعية: هل يجوز لأي جماعة دينية أن تنشئ هيئة تقوم بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وهل تؤيد وتساند هذه الهيئة؟

- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم في حدود طاقته وبالوسائل المتاحة له، فكل مسلم مطالب شرعاً بأن يقدم النصيحة الدينية المخلصة لكل من يراه يرتكب سلوكاً مخالفاً لما جاءت به الشريعة الإسلامية، بشرط ألا يترتب على ذلك أي على هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقوع ضرر على المجتمع .

ولو نظرنا إلى هذا الأمر الآن لوجدنا أن قيام جماعة دينية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقوة سيترتب عليه ضرر، لأن بعض الناس ألفوا المنكر وألفوا العناد والإصرار عليه، وصرفهم عن ذلك المنكر يكون بالتدرج والنصيحة الهادئة .

ولذا ينبغي حساب نتائج أي خطوة قبل اتخاذها، وينبغي أن يدرك الجميع أن إنشاء هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تقوم بمهمتها بشكل جماعي أمر يخص الدولة ومؤسساتها الدينية، ولذلك اجتمع مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، وناقش الأمر وأصدر بياناً أوضح فيه أنه وحده صاحب حق إنشاء الهيئات والمؤسسات الدعوية بحكم واجباته ومسؤولياته القانونية .

وإذا ما قامت جماعة دينية بإنشاء هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من دون تصريح من الدولة التي تعمل في نطاقها، فهذا افتئات على سلطة الدولة .

منهج الدعوة إلى الله

هل يجوز لفرد أو جماعة استخدام أساليب العنف في الدعوة وإجبار مسلم على فعل معروف أو إنكار منكر؟

- الدعوة إلى الله حدد منهجها الخالق عز وجل، ورسم طريقها العملي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله عز وجل يقول في كتابه العزيز ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، ورسول الله صلوات الله وسلامه عليه يقول لدعاة الإسلام وقولوا للناس حسناً، ومن هنا لا يجوز لفرد أو جماعة اللجوء إلى العنف في ممارسة الدعوة ، فهذا خروج على منهج الإسلام .

كثير من المحللين والمراقبين للأحوال السياسية في مصر يرون أن اكتساح الإسلاميين لانتخابات البرلمان المصري يصب في اتجاه الدولة الدينية . . فهل تؤيدون هذا التوجه الديني للدولة المصرية الحديثة؟

- لا يوجد في الإسلام شيء يسمى الدولة الدينية، فالدولة الدينية لم يكن لها وجود في تاريخنا الإسلامي حتى في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، فالدولة في الإسلام دولة مدنية تعمل بتوجهات إسلامية . . ونجاح الإسلاميين في الانتخابات البرلمانية في مصر لا يعني قيام دولة دينية، فالذين نجحوا في الانتخابات مواطنون مصريون وضع الأغلبية ثقتهم فيهم، ولا بد أن تحترم إرادة الناس . . وهؤلاء محل اختبار فإن أجادوا وساروا على الطريق المستقيم ساندناهم ودعمنا مواقفهم، وإن انحرفوا عن طريق الوسطية والاعتدال سحبنا منهم الثقة ورفضنا تمثيلهم لنا . والواقع أن التخوف من الإسلاميين في مصر مبالغ فيه ولا يوجد ما يبرره، والقوى الرافضة لهم عليها أن تقارن بينهم وبين السياسيين الفاسدين الذين فرضهم النظام السابق على الشعب المصري لسنوات طويلة بانتخابات مزورة .

شكا بعض المرشحين الليبراليين في مصر من تكفيرهم وتخويف الناس من انتخابهم . . هل الليبرالية كفر وخروج على الإسلام؟

- هذه دعاية انتخابية لا ينبغي أن نقف عندها، والذين نعتوا الليبراليين بالكفر جهلاء لا يعرفون معنى كلمة ليبرالي وثقافتهم الإسلامية ضحلة .

فالإسلام يؤيد كل فكر حر ويحترم عقل الإنسان واختياره ومادام فكر الإنسان لا يمثل خروجاً على ثوابت الدين فأهلاً ومرحباً به .

تحديات أمام الأزهر

كثيرون يرون أن تنامي التيارات الإسلامية في مصر بعد الثورة واكتساحها للانتخابات البرلمانية يفرض تحديات جديدة على الأزهر وكل المؤسسات الإسلامية الرسمية في مصر . . هل تشاركهم الرأي؟ وكيف ستواجه المؤسسات الإسلامية هذه التحديات؟

-المؤسسات الإسلامية وعلى رأسها الأزهر تواجه تحديات كثيرة منذ سنوات نتيجة تنامي التيارات الدينية الوافدة على المجتمع المصري الذي تربى على الفكر الإسلامي الوسطي، وينبغي على هذه المؤسسات أن تطور من أدائها وتنوع من أساليبها حتى تستطيع الوصول إلى الناس والتأثير فيهم .

لكن رغم تعاظم هذه التحديات يظل الأزهر هو المؤسسة الإسلامية الأكبر والأكثر اعتدالاً في العالم، وليس من مصلحة مصر ولا المصريين بكل توجهاتهم الدينية والفكرية والثقافية، هدم هذه المؤسسة الإسلامية العريقة التي نالت شهرة واسعة في كل أرجاء المعمورة، بل العقل والمنطق يفرضان على كل أنصار التيارات الدينية في مصر أن يلتفوا حول الأزهر ويتحاوروا مع علمائه وينسقوا جهودهم الدعوية معه . . أما التعامل معه بروح الصراع وتنازع الفكر والافتئات على مسؤولياته، فهذا سلوك خاطئ وسيلقي بظلال قاتمة على مناخ العمل الدعوي والفكري في مصر، وستنتقل عدوى النزاع والصراع بين الهيئات والمؤسسات الإسلامية الرسمية والأهلية إلى العديد من الدول العربية والإسلامية، وهذا النزاع يحقق هدف خصوم الإسلام، الذين يسعون دائماً إلى بث الفرقة والوقيعة بين المسلمين .

مع الفن النظيف

أثارت زيارة نقيب الممثلين في مصر مرشد الإخوان المسلمين ثورة عارمة في الوسط الفني واعتبرها كثيرون سقطة من النقيب . . هل يمثل صعود الإخوان والسلفيين والجماعات الإسلامية ضربة للفن في مصر؟

- مشكلتنا في مصر وفي العالم العربي عموماً تتمثل في العناد الذي يجلب لنا كثيراً من المصائب، ويجعلنا دائماً في حالة تنافر وصراع، فنحن للأسف- لم نتربّ على الحوار الهادئ الذي يؤدي إلى التفاهم .

أنا لا أرى مشكلة في زيارة نقيب الممثلين المصريين مرشد الإخوان المسلمين، خاصة بعد أن أشاع دعاة الوقيعة بأن الإخوان الذين فازوا بنصيب وافر من مقاعد البرلمان سيقفون في وجه الفن وسيعيقون حركة الإبداع الفني في مصر، لكن كان ينبغي على نقيب الممثلين أن يذهب أولا إلى شيخ الأزهر، وأن يستمع إلى ملاحظاته على توجهات وحركة الفن المصري، فنحن بوصفنا علماء ودعاة، لنا ملاحظات كثيرة ونرفض التجاوزات الكثيرة الموجودة في الأعمال الفنية على اختلاف أنواعها وأشكالها، والحوار هنا يفيد ولا يضر على الإطلاق . وأنا هنا أؤكد أن الإسلام مع الفن النظيف الهادف وضد كل أشكال الإسفاف والابتذال الجنسي الرخيص التي تزخر بها الأعمال الفنية .

الزوجة العاملة

هل أعطى الإسلام للرجل حق منع زوجته من العمل؟

- قضية خروج المرأة للعمل يجب أن تخضع للتفاهم والتشاور بين الزوجين بما يحقق مصلحة الأسرة، ولا بد من تجنب العناد الذي يضر بالزوجين والأبناء، فالمرأة والرجل كلاهما يكمل الآخر، وقد زود الله كلاً منهما بطاقات واستعدادات تتناسب مع المهمة التي يقوم بها ليحقق الخلافة في الأرض، ومع الدور الذي يحسن أداءه في الحياة، وقد جعل الله لكل منهما ميداناً يمكن أن يؤدي فيه رسالته بيسر وفاعلية، فإذا كان ميدان عمل الرجل خارج البيت لتوفير متطلبات الحياة للأسرة كلها كما ألزمه الإسلام بذلك، فإن ميدان المرأة هو البيت ورعايته رعاية تامة والإشراف على مصالح زوجها والقيام على الجيل الناشئ ورعايته .

إن الإسلام رغّب المرأة وحثّها على الاستقرار في بيتها فقال تعإلى: وقرن في بيوتكن، ولذلك فإن الأولى بالمرأة أن تعشق البيت وتهب له كل حياتها وحبها، وأحسن ما قيل عن وضع المرأة بين البيت والمجتمع هو أنه لا ينبغي خروجها إلا عند حاجتها إلى العمل أو حاجة العمل إليها .

لكن ليس من حق الزوج أن يمنع زوجته من العمل إذا ما كان قد وافق لها على ذلك من قبل، أو تزوجها وهي تعمل ورضي بعملها . وإذا كان الزوج قد اشترط على زوجته عند عقد الزواج عدم العمل ووافقت على هذا الشرط فيجب احترام ما تم الاتفاق عليه، وإذا أرادت الزوجة الخروج إلى العمل في هذه الحالة فيكون بموافقة زوجها ورضاه .

مصادرة المال الحرام

هناك مطالبات من القوى الثورية في مصر وتونس وليبيا بمصادرة ثروات المتهمين بالفساد من السياسيين ورجال الأعمال . . هل الشريعة الإسلامية تبيح هذه المصادرة؟

- أحكام الشريعة الإسلامية تقوم على العدل والإنصاف، فلا مصادرة لمال أو عقار أو أي ممتلكات إلا بحكم قضائي نهائي . . ولذلك لا يجوز لأي سلطة مصادرة ثروة آلت إلى صاحبها عن طريق كسب مشروع أو ميراث مصدره مشروع . . أما لو كانت هذه الثروة من مصدر حرام فمصادرتها من الواجبات الشرعية، حيث حرم الإسلام تحريماً قاطعاً جميع طرائق الكسب غير السليم، وهي الطرائق التي تقوم على الربا أو الرشوة، أو استغلال النفوذ، أو على غش الناس، أو ابتزاز أموالهم، أو التحكم في ضروريات حياتهم، أو استغلال حالات عوزهم وحاجتهم، وما إلى ذلك من الطرائق غير السليمة في كسب المال، وحرم الإسلام امتلاك ما ينجم عنها، وأجاز مصادرته وضمه إلى بيت المال، أي إخراجه من حيز الملكية الفردية إلى الملكية الجماعية .

والإسلام يحقق بذلك عدة أهداف سامية، فهو يوصد بذلك أهم الأبواب التي تؤدي عادة إلى تضخم الثروات في يد بعض الأفراد، ذلك أن الطرائق المشروعة في الكسب لا ينجم عنها في الغالب إلا الربح المعتدل المعقول المتفق مع سنن الاقتصاد، أما الأرباح الفاحشة والثروات الضخمة فإنما تكون في الأغلب نتيجة لطرائق الكسب غير المشروع، ففي تحريم الإسلام لهذه الطرائق تحقيق لتكافؤ الفرص بين الناس، وقضاء على أهم عامل من العوامل التي تؤدي إلى اتساع الفروق الاقتصادية بين الأفراد والطبقات، وفي ذلك تحقيق للمساواة في شؤون الاقتصاد من أمثل طريق .

ويحقق الإسلام كذلك بموقفه هذا غرضاً إنسانياً مهماً، وهو أن تقوم العلاقات الاقتصادية بين الناس على دعائم من التكافل والتراحم والتعاطف والتواصي بالصدق والعدل والإحسان، وأن يتجنبوا في معاملاتهم بعضهم مع بعض كل ما يأباه الخلق السليم، وما يؤدي إلى التنافر والتباغض وصراع الطبقات، واضطراب حياة الجماعات .

ويحقق الإسلام كذلك بموقفه هذا غرضاً ثالثاً وهو دفع الناس إلى العمل والكد لكسب المال وتنميته، وصرفهم عن الكسل والبطالة والطرق المهينة والوضيعة التي تأتي بالكسب والتنمية من دون جهد ولا عناء .

فحرم الإسلام عمليات الربا تحريماً قاطعاً، وجعلها من كبريات الكبائر، وتوعد أهلها بحرب من الله ورسوله .

وحرم الإسلام كذلك استغلال النفوذ والسلطان للحصول على المال، وحرم امتلاك ما يأتي عن هذا الطريق، وأجاز لولي الأمر مصادرته واستيلاء بيت المال عليه لإنفاقه في المصالح العامة للمسلمين، وعلى ذوي الحاجات منهم، أي نقل ملكيته من الملكية الفردية إلى الملكية الجماعية، فالإسلام هو أول تشريع سن قانون (الكسب غير المشروع) أو قانون (من أين لك هذا؟) كما يطيب لبعض الناس أن يسميه في الوقت الحاضر لمواجهة الفاسدين .

وأول من طبق هذا المبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، في الواقعة الخاصة بابن اللتبية الذي استعمله رسول الله على صدقات بني سليم، (أي لجمع الزكاة منهم على الصدقة)، فلما قدم إلى المدينة قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، ولما بلغ ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قولته الشهيرة: فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منه شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته . . . .

وطبق هذا المبدأ في نطاق واسع بعد الرسول عليه الصلاة والسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في أيام خلافته، فكان يصادر ما كان يكسبه الولاة من أعمال لا يجوز لهم الاشتغال بها كالتجارة وما إليها، وما كان يأتيهم من هدايا وأموال نتيجة لاستغلال نفوذهم وجاههم، وقد فعل ذلك مع ولاته على البصرة، ويقال إنه فعله مع أبي هريرة رضي الله عنه عامله على البحرين، ومع عمرو بن العاص واليه على مصر، بل يقال إنه فعله مع ابنه عبدالله نفسه .

وحرم الإسلام كذلك جميع المعاملات التي تنطوي على غش أو رشوة أو أكل أموال الناس بالباطل، أو تطفيف في الكيل أو الميزان، وفي هذا يقول الله تعإلى: وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) ويقول تعإلى أيضاً: (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ألاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ويقول عليه الصلاة والسلام: من غش أمتي فليس مني . وحرم الإسلام كذلك احتكار الضرورات للتحكم في أسعارها، وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام: من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد برئ من الله تعإلى وبرئ الله تعإلى منه .