رفضت الخنوع وراء جدران منزلها، لكنها لم تهمله، وأظهرت قدراً كبيراً من المزاوجة بين مهامها كزوجة وواجبات أسرتها، وبين كونها فلسطينية، تشارك الرجل في هموم القضية، ودفع ضريبة النضال، فقدمت المرأة الفلسطينية نماذج تضحية مشرقة، فكانت الشهيدة والأسيرة، لكنها دوماً تدرك قدسية دورها الأهم كمصنع للرجال، فتقاوم الاحتلال بإنجاب الأبطال...
الحاجة أم السعيد الكسيحة أم ل16 فرداً من البنين والبنات.. تزوجت وعمرها 17 عاماً فأنجبت أول طفلة: رشيدة وبعدها أول طفل وهو سعيد، وتوالى إنجابها حتى آخر العنقود زياد.
تعتقد أم السعيد بمقاومة المحتل بالإنجاب، وتعتبرها تكليفاً للمرأة الفلسطينية لا ينتهي عند الولادة بل يمتد إلى آخر يوم في عمرها إذ يتوجب عليها تربية أطفالها تربية صالحة والتضحية من أجلهم..وتكاد تكون أم السعيد علماً في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، ويشهد لها الجميع بصبرها على الظروف الصعبة ووقفتها الشجاعة بجانب زوجها ومساعدته في عمله..
لا تتردد أم السعيد في تأكيد إنجابها لهذا العدد الكبيرة من الأبناء من أجل مقاومة المحتل، وتبدي استعدادها لاستشهادهم وتمنيها أن تكون وإياهم شهداء في جيش فلسطين الذي يعيد الأرض المسلوبة والحق المسلوب لأصحابه، لأنه ما من شيء أجمل من أن ينهي الإنسان حياته شهيداً..
صمتت أم السعيد قليلاً محاولة أن تبحث في عالمٍ داخلها عن شيء آخر تقوله وكان الشيء الآخر خرزةً ماسيةً جديدة أضافتها ابنتها هناء للعقد الذي بدأت هي بإعداده؛ وقالت: أغبط ابنتي هناء على استشهاد ابنها محمد عبد الهادي الذي سيظل تاجاً على رأسها في الدنيا وسيكون شفيعاً يوم القيامة.
أنجبت أم السعيد في الأصل 20 طفلاً؛ توفي منهم توأمان في صغرهما.
وينتمي معظمهم إلى فصائل المقاومة، ومنهم أحمد الباحث دوماً عن الشهادة.. تبارك أم السعيد هدفه بقلبها وعواطفها.
وإذا كانت أم السعيد تتمنى الشهادة لنفسها وأبنائها، فإن أم عامر الجرجاوي نالت ذلك وقدمت ابنها عمار وهو الثاني بين أشقائه التسعة شهيداً.. وتفخر أم عامر بابنها الشهيد الذي ارتقى أثناء تصديه لإحدى عمليات التوغل الإسرائيلية في حي الزيتون قبل أربعة أعوام.
هي كغيرها من النساء الفلسطينيات، تتميز بالبساطة وطيبة القلب، وترفض أم عامر دور المرأة التقليدية، التي لا تتعدى اهتماماتها جدارن المنزل، وتؤمن بوجوب أن يكون للمرأة هدف في حياتها، أو مبدأ تعيش من أجله.. وتفاخر أم عامر بأنها نذرت جميع أبنائها للشهادة، ولا تخفي رغبتها في أن يعود بها الزمان سنوات إلى الوراء لتنجب أكثر وأكثر، وتحث زوجات أبنائها على الإنجاب من أجل المقاومة.
وكما أم السعيد وأم عامر، تؤمن أم رامي فرحات التي قدمت اثنين من أبنائها العشرة شهداء هما البكر رامي (28 عاماً) ومحمد (23 عاماً) بأن إنجاب المرأة الفلسطينية درجة من درجات الجهاد والمقاومة ضد المحتل، في ظل شراسة القتل الذي تمارسه قوات الاحتلال، بينما طريق التحرير لا تزال طويلة وبحاجة إلى سواعد تحمل السلاح.
الأسيرة المحررة خديجة حرز أهدت وطنها لبنان عريساً في حرب يوليو/ تموز سنة 2006.. خديجة التي تعمل كمسؤولة في مجال العلاقات العامة وفرع المحاسبة في مؤسسة الشهيد أم لتسعة أبناء أربعة ذكور شباب خاضوا المعركة في جنوب لبنان. تقول مغالبة دموعها لا أحد يستطيع أن يصادر حزني فأنا أم ولكن لا أحد في المقابل من حقه أن يشوه الأمومة في داخلي أو ينال من عنفوان إحساسي بالفخر لاستشهاد ولدي.. حزينة صحيح ولكن الشهادة وسام علقه حسن على صدري.. أنا لست أفضل من أم الشهيد عماد مغنية والتي قدمت ثلاثة شهداء شباب واعتذرت لأنه لم يتبق لها أبناء لتقدمهم من أجل الوطن.
ألفت محمود خزعل رئيسة جمعية المرأة الخيرية العاملة في المخيمات الفلسطينية تقول: نعم أنا كفلسطينية مع كثرة الانجاب، لأننا نتعرض لحرب ابادة ولا بد من الحفاظ على وجودنا، ولكن نحتاج في المقابل الى دعم مادي يمكننا من تعليم ابنائنا وتأهيلهم.
وتقول أنا أومن بالبندقية المثقفة والعلم هو الأساس الذي من خلاله نحقق طموحاتها واحلامنا واناشد الدول والمؤسسات العربية والصديقة العمل على دعم تعليم ابناء فلسطين وتحسين وضعهم الاقتصادي والمعيشي.
آمنة حويلة أو أم خليل فلسطينية من البصّة قضاء عكا انجبت عشرة أبناء وتتمنى لو بإمكانها ان تنجب المزيد.. العيلة عزوة استشهد واحد من اولادي كانوا سبعة صبيان وثلاث بنات. وتضحك ام خليل وهي تروي طرفة تتردد عن الفلسطينيين وهي أن الفلسطيني يجب أن ينجب خمسة اولاد على أقل تقدير واحد للاستشهاد وواحد للأسر وواحد معوق حرب وواحد مهاجر يعمل في الخارج والخامس يبقى لرعاية الأسرة.
نهاد قاسم النونو لبنانية متزوجة من فلسطيني انجبت ستة صبيان وخمس بنات غير الطروحة كما تسميهم، وتقول كثرة الانجاب تجوهر المرأة وليس صحيحا انها تسيء الى صحتها وأنا كان بدي اجيب اكثر.. على العموم انا أريد لأولادي ان يضاعفوا العدد لازم نحافظ على نسلنا.
عايدة احمد علي من الناصرة انجبت اربعة شباب وتسع بنات اضافة الى اكثر من حادث اجهاض أو ترويح كما تسميه. وتقول: زوجي كان يحب الأولاد كثيرا واذا ما قلت له انهم يحتاجون مصاري كان يزعل يقول الله لا ينسى احداً.. احنا بنحب العائلة الكبيرة والاولاد سند وعزوة. كان زوجي يعمل سائق سيارة وهو لبناني من بوارج قضاء زحلة. أنا مبسوطة أنني جبت كل هالاولاد وما نراه اليوم يؤكد أهمية العائلة الكبيرة.. يخرب بيتهم يريدون ان يبيدونا. وتعود لتقول: اصيب ابني في الحرب واستشهد.. صحيح قلبي احترق ولكن ما في حرية بلا ثمن. بروح ولد وبيجي اثنين.
فاتن علي ازدحمد من النهر قضا عكا باحثة اجتماعية في جمعية المرأة الخيرة تقول ان لديها اربعة ابناء بينهم توأم وهي تحب الاولاد ولا تزال في سن الانجاب ولن تتوقف عن انجاب المزيد لكنها تفضل ان يكون على الأقل سنة ونصف ما بين طفل وآخر. وتضيف صحيح أنني احب الأولاد ولكن ايضاً احب قضيتي ووطني وسأربيهم على هذا الحب وأنا لا اتردد بالاعتراف بانني أنذرهم للشهادة.