القاهرة «الخليج»:

«تبسيط الأدب للناشئين» هو إحدى الوسائل الحديثة لتقريب الآداب والكتب الفكرية إلى الأجيال الجديدة، من خلال سلاسل متخصصة في هذا المجال تعمل على تبسيط أهم الأعمال الأدبية والفكرية، حيث تؤكد الروائية نجلاء علام - مدير تحرير سلسلة الأدب العربي للناشئين، التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة - أن مثل هذه السلاسل تعمل على تشجيع القراءة لدى الأجيال الجديدة، وكانت موجهة للكتب المعرفية في البداية، ثم تطور الأمر ليشمل الروايات والقصص، فالتبسيط موجود في كل مكان في العالم، بالعكس حين بدأنا نقرأ شكسبير قرأناه مبسطاً، في فترة الطفولة.
وتضيف أن الطفل وهو صغير لن يستطيع قراءة الأعمال الإبداعية الضخمة، هو في هذه السن الصغيرة يحتاج إلى مصاحبة الكتاب، كي يعرف كبار الكتاب أمثال طه حسين ونجيب محفوظ والعقاد، وعليه بعد فترة أن يبحث عن الأعمال الأصلية ويقرأها بعد أن يشتد عوده.
التبسيط ليس الاختزال، وإنما الوصول للقارئ بنفس الشخصيات الموجودة في الأعمال، والوصول للفكرة إذا كان عملاً فكرياً دون المساس بالأفكار الرئيسية، التغيير يكون في تبسيط عبارة لكن السياق العام يظل محتفظاً بسماته ولغته، ولا بد من وجود الخيط العام للعمل داخل السياق، والاقتراب من روح المؤلف، وامتزاج الشخصية في المجتمع وتطور الشخصية درامياً داخل العمل المبسط.
أنا شخصياً - تقول نجلاء - أرى كلمة تبسيط غير كافية لعمق ما يقدم، فنحن نختار الأعمال، التي يتم تبسيطها بعناية فائقة، حيث إننا نقدمها إلى قارئ نوعي، ولو تم ذلك بشكل سهل سيفتح المجال أمامه للقراءة الموسعة.
وحول موقف ورثة المؤلف الأصلي للعمل تقول نجلاء علام: أي مؤلف له حقوق الملكية الفكرية، لو كان على قيد الحياة، ثم تؤول حقوقه للورثة، لو تم تبسيط الكتاب من الممكن أن يسعد أسرة الكاتب، نظراً لتقديمه لفئات أوسع من القراء وطبعه في طبعات شعبية، ثمنها رخيص للغاية، رأيت رواية «ساحر الصحراء» محولة إلى فيلم للأطفال، وقال «كويلهو» في مقدمة العمل المبسط: «لم أسعد بعمل لي قبل هذا الكتاب، الذي يقرأه الأطفال، ويشاهدونه في الوقت نفسه في فيلم صغير».
تؤكد نجلاء أن المشكلة فيمن يقوم بالتبسيط، فلو أن العمل علمي، لا بد أن يراعى ذلك، وكل ذلك في تبسيط الأعمال الأدبية لا بد أن يكون قريبا من الحركة الثقافية، وعلى من يبسط العمل أن يدرك أنه لا يؤلف من جديد، وإنما يبسط فقط، ويضع الكتاب في متناول قارئ في أول سلم القراءة.
تقول: أصدرنا كتاب «حياتي» لأحمد أمين، وأنا بسّطت رواية «في بيتنا رجل» لإحسان عبد القدوس، وتم تبسيط أعمال جبران خليل جبران، وأعتقد أن التنوع في اختيار الأعمال المبسطة جذب كثيرا من القراء، فنسبة مبيعاتها مرتفعة بخلاف الكتب الأخرى لأنها تقدم العمل في صفحات أقل وبسعر رخيص، وأشعر بأن من يتقدم لهذا العمل يقدم رسالة أدبية وفنية، وقد تربينا كجيل على كثير من مثل هذه المطبوعات التي كانت تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب، فقرأنا معظم أعمال الأدباء العالميين بتبسيط وترجمة لكبار المترجمين أمثال د. محمد عناني والشريف خاطر.

ويؤكد الناقد د. السيد نجم أن فن تبسيط الإبداع موجود في كل الثقافات، وهو ملائم - من ناحية أخرى - للحظة الراهنة، حيث يعمل على توصيل العمل الإبداعي في مساحة أقل من العمل الأصلي، فيوفر الوقت والجهد، خاصة أن المستفيد الأكبر منه هو فئة «الأطفال» وهو فن ليس جديداً على الثقافة، فقد تربت أجيال كثيرة على أعمال مبسطة، إما لكبر حجمها، أو عدم استيعاب الأطفال لهذه الأعمال، لو قرئت مباشرة، وقد وجدنا مجموعة من السلاسل التي تصدر في الهيئات الحكومية، وكذلك في بعض دور النشر الخاصة.

يشير د. نجم إلى أهمية أن يكون من يتصدى لمثل هذا العمل عنده خبرة ثقافية، ويكون بإمكانه الربط بين الأحداث والشخصيات، من دون أن يؤثر في السياق العام للعمل الأدبي، فكثير من الأعمال التي يتم تلخيصها وتبسيطها عادة ما تكون لكبار الأدباء والمبدعين، وأي تغيير سواء بالحذف أو الإضافة يمثل جريمة ضد هذه الأعمال، يمكن أن يبسط من يقوم بهذا العمل كلمة صعبة فيضع مرادفها القريب من معارف الأطفال والناشئة، أما أن يتم التغيير في صفحات كاملة، فهذا يعد تشويهاً لمثل هذه الأعمال.
يشير القاص سعيد الكفراوي إلى أن هذه السلاسل لها دور في ترقية الوعي بالإبداع لدى الأجيال الجديدة، ومن الممكن أن تساعد على القراءة الإبداعية من خلال كتاب صغير يحمله الصبي والشاب، يمكن أن يقرأه في أي مكان، في النادي والمواصلات العامة وغيرها، وهذه النماذج ليست بالغريبة، لكنها قد تكون فرصة لاستعادة عادة القراءة، التي توارثناها جيلاً وراء جيل منذ عهد الفراعنة حتى الآن.
يؤكد الكفراوي أن ما ينقص هذا الجيل هو الاتجاه إلى الكتاب الورقي الذي يجب أن يستعيد دوره على حد تعبيره، ولو تم تكثيف هذه السلاسل وزيادتها فإن ذلك سوف يكون بداية لعودة القراءة مرة أخرى لتصبح عادة يومية لدى الأجيال الجديدة، وهذه أمنية ليس تحقيقها ببعيد.
يرى الناقد د. مدحت الجيار أن تبسيط الثقافة أمر مطلوب للغاية، خاصة ونحن نمر بلحظات من الفوضى والأحداث المتشابكة، وهناك مفاهيم نخبوية صعبة على القارئ العادي بحاجة إلى تبسيط، وهذا ما يمكن أن تقوم به سلاسل تبسيط العلوم والأعمال الأدبية.
ويضيف: تربينا على مثل هذه السلاسل وقد أضافت إلينا الكثير من المعلومات ومن المعرفة وعمّقت معرفتنا بالآداب الأخرى، كذلك فإن الجيل الجديد لم يعد عنده الوقت الكافي ليقرأ كتاباً من خمسة أجزاء مثلاً أو رواية من ألف صفحة، إيقاع الحياة أسرع من ذلك، ولا بد من ابتكار تقنيات جديدة في التلقي تكون مواكبة لذلك التطور السريع.
يرى الناقد محمد السيد إسماعيل أن هناك أنواعاً أدبية لا يمكن تبسيطها أو الاختصار منها، مثل «الشعر» فلا يجوز المساس به، فحذف كلمة يؤثر في المبنى والمعنى، ويغير من مسار التركيب الشعري، والحالة الشعرية تختلف كثيراً لو تم التغيير فيها.
ويشير إسماعيل إلى أن القصيدة بناء خاص حتى لو كانت قصيدة النثر، فحذف جملة شعرية أو سطر شعري يؤثر جملة على المعنى، ربما التبسيط يفيد مع فن «الرواية» فهو متتاليات حكائية، وأحداث متنوعة وشخصيات لها مواقف متعددة، حيث يمكن الاستعاضة ببعض الأحداث بما لا يرهق العمل الروائي ويفسده، وهنا تكمن أهمية المحافظة على بنية النص الأصلي عند تبسيطه، لأن هناك حقوقاً ملكية فكرية تخص المؤلف الأصلي، والذي يقوم بعملية التبسيط لا بد أن تكون عنده الخبرة الكافية حتى لا تحدث كارثة ثقافية، وأظن أن المسألة تغري البعض لتقريب الكتب المهمة، سواء في الفكر والأدب، إلى القارئ الجديد الذي يدخل إلى عالم القراءة الأدبية والثقافية ربما لأول مرة.
يرى القاص حسن الجوخ أن مسألة تبسيط الكتب تخدم الأطفال بصورة أساسية، وقد تكون عملية ضرورية لتقريب الأعمال التي أثرت في العقل العربي بلغة أكثر تبسيطاً وقرباً من ذائقة الطفل، لأن هذا الجيل - كما يقول «الجوخ» - يتميز بعدة سمات، أولاها: أنه جيل ناقد، لا يرضى بأنصاف الحلول، يريد النتائج السريعة، وعنده ذائقة فريدة تميز بين المعارف المختلفة، بالإضافة إلى أنه جيل لا يحب الفضفضة، يحب اللغة المبسطة التي تؤدي المعنى بسرعة، وهذا ما يمكن أن يفعله مشروع تبسيط الثقافة المكتوبة، ويمكن الاستفادة منه في فتح مجالات في وسائل الاتصال الحديثة، بحيث تصل هذه الكتب المبسطة إلى أكبر عدد ممكن من القراء، وهذه الوسائل بدأ تطبيقها في الغرب منذ سنوات، وأثمرت نتائج فائقة، حيث تم المزج بين تقنيات وسائط المعلومات مع القراءة التقليدية في عرض وتبسيط التراث الثقافي في المسرح والرواية وغيرهما من الفنون.
ويضيف الجوخ: أنا أحياناً ما ألجأ إلى بعض الكتب الموجودة بهذه الصيغة وعندي مختصرات لكتب شكسبير، وهرمان هسه، وفوكنر، وإميل زولا وغيرهم من الكتاب العالميين الذين تمت ترجمة أعمالهم إلى العربية بشكل مبسط من خلال سلاسل تخصصت في ذلك في هيئة الكتابة وأخيرا في الهيئة العامة لقصور الثقافة.
ويؤكد المترجم أحمد علي بدوي أن مثل هذا المشروع يقرب الثقافة إلى النشء بصورة سهلة للغاية، ويجعلهم مقبلين على المعرفة، وأنه لو طرح عليه تنفيذ كتاب وتلخيصه وتبسيطه، فسوف يكون سعيداً بذلك، لأن هذه فرصة طيبة لاستعادة أمهات الكتب، كي يدرك النشء مدى ما أنجزه الأجداد من تراث يجب أن يحتفى به، وهناك مئات الكتب التي يمكن أن يعاد تقديمها في هذا الإطار، سواء لمفكرين ومبدعين عرب أمثال د. طه حسين وتوفيق الحكيم ومحمد مندور ونجيب محفوظ، أو كتاب عالميين أمثال سارتر وماركيز وجونتر جراس وغيرهم.
ويتفق مع هذا الرأي القاص هشام قاسم، الذي يرى أن تجربة «تبسيط الكتب» تجربة ناجحة على أكثر من مستوى، فهي تجعل الكتب التي يصعب قراءتها في متناول اليد ويفهمها كل القراء.
ثانيا: أنها تأتي بأسعار زهيدة، وتقلل من الوقت الذي كان من الممكن أن يأخذه الكتاب الأصلي في القراءة.
ويؤكد هشام أن عادة القراءة بدأت في التزايد مرة أخرى خلال الفترة الماضية، ونحتاج إلى ما كان يسمى «كتب الجيب» وهي كتب صغيرة تنتقل مع القارئ في كل مكان يذهب اليه، وأعتقد أن هذه التجربة سوف تنشط عملية القراءة مرة أخرى، وتجعل الشباب يقبلون عليها.