الشارقة: محمد أبو عرب
يعود تاريخ سلطة القارئ في منظومة النص الإبداعي إلى النقاد الألمان في جامعة كونستانس حيث جعلوا للقراءة علم جمال خاص دعوه «جماليات التلقي» وأطلق عليه النقاد الأمريكيون ما يعرف بـ «نقد استجابة القارئ»، وكان الناقد الفرنسي الشهير، رولان بارت ومجموعة النقاد البنيويون السبق في فتح باب النص الإبداعي على القارئ، وانتزاع السلطة من الكاتب والنص.
ظل بارت يردد الكثير من العبارات التي تنصب في إطار تشكل نظريته، فآمن «أن «ميلاد القارئ» يجب أن يكون على حساب موت المؤلف»، وهذا ما حققه واقع النص الإبداعي اليوم، وما يشير إليه المستقبل من حالة تحول جذرية في جماليات التلقي، إذ أنتج الفضاء الإلكتروني، والقراءة المتسارعة، وغياب الناقد، والتحول إلى النقد الانطباعي، حالة جديدة من التلقي تسيد فيها القارئ، وبات هو العنصر الأكثر فاعلية في الفعل الإبداعي.
يتجلى هذا بتتبع المواقع الإلكترونية التي منحت القراء فرصة لطرح آرائهم، وتقديم مراجعاتهم بالكتب، التي تتكشف فيها ملامح نظريات «موت المؤلف» التي أطلقها البنيويون، وفيها يظهر موت الناقد كذلك.
«الخليج» تتوقف مع القراء عند ثلاث من الروايات التي لاقت حضوراً في المشهد الثقافي العربي، فاتحة الباب على انطباعات القراء فتبين آراءهم في الرواية الحاصلة على البوكر للعام 2012 «دروز بلغراد»، للروائي اللبناني ربيع جابر، ورواية الكاتب المصري، إبراهيم عيسى «مولانا»، والرواية التي تحمل عنوان«تراب الماس»، للكاتب أحمد مراد، الحاصل على جائزة البوكر العربية عن روايته «الفيل الأزرق».
حول رواية «دروز بلغراد» تكتب إحدى القراءات على موقع «غود ريدز»: «تتناول الرواية أحداثاً تاريخية حقيقية عندما تمّ نفي دروز لبنان إلى بلغراد، إبان الحكم العثماني ويحدث أن يتقاطع مصير حنا يعقوب المسيحي مع هؤلاء الدروز، ما يميز هذه الرواية ليس البعد الإنساني فقط، بل الحدث التاريخي الذي لا يعرف عنه ولم يقرأ عنه القارىء العربي قبل ذلك، كما أن السرد المباشر وأسلوب الراوي، الذي خلا من الصياغات الأدبية المنفرة، سيضيف من رصيد الرواية ويجعلها في مقدمة الروايات المرشحة للبوكر العربي».
وتضيف: «من المهم ذكر أن هذه الرواية هي أرض خصبة لفيلم سينمائي قد يحقق نجاحاً ساحقاً، في ما لو رصد لها المخرج الجيد والإمكانيات الفنية.
تعرض بعض القراءات لإمكانيات جابر، ومهارته في السرد، فتذكر: «كاتب فذ وعبقري وروايته أخذتني لعالم الأدب الراقي، أذهلني بلغته وأسلوبه في السرد ودقة رسم تفاصيل أبطاله وعبقريته في وصف أدق حالاتهم النفسية».
ولا يتوقف الثناء على عمل جابر عند ذلك الحد، وإنما يتجاوزه ليصل إلى الحديث عن اللغة السهلة للعمل الأدبي، وإمكانيات الكاتب في بناء الصور الجمالية، والعمل بدقة على رسم تفاصيل الحكاية.
وفيما يتعلق بعمل الكاتب المصري، إبراهيم عيسى«مولانا»، تتفاوت الآراء حول جودة العمل، إلا أنها في المجمل تنصب لمصلحة النص، وتثني على فكرة العمل ولغته، ومهارة بنائه، فيرد في إحدى المراجعات: «الرواية جذابة جداً ومن أولها والأحداث تجري بسرعة، فهي ممتلئة من معرفة إبراهيم عيسى بخبايا البلد، خاصة أنه يعمل رئيس تحرير جريدة معارضة قبل وبعد الثورة».
ولا تتوقف انطباعات القراء عند ذلك الرأي الانطباعي السريع، وإنما تتجاوز ذلك في الكثير من الأحيان، للحد الذي تقترب بعضها من القراءة النقدية المحكمة، والمبنية على دراية في مناهج النقد الحديث، وتطور مسار الرواية العربية، إذ لا شك أن الكثير من المعلقين والمقدمين للمراجعات له خبراته الأكاديمية والمهنية، ولا يستبعد أن يكون بعضهم ناقداً أكاديمياً، أو كاتباً محترفاً، أو غيرهم من المتمكنين من أدواتهم النقدية.
يتجلى هذا في العديد من القراءات، فيرد لدى إحدى المراجعات ما نصه: «السرد جيد إلى حد بعيد، رسم الشخصيات وملامحها الأساسية جاء متوسطاً، وأسلوب المونولوج الداخلي المسيطر على العمل من بدايته لمنتهاه جاء معبراً عن ذات مضطربة ونفسية ذات أبعاد عقلية وعاطفية وفكرية ملتبسة، وحاتم الشناوي «خالد الجندي ربما»، شخصية العمل الرئيسية يقدم نموذجاً متكاملاً لظاهرة داعية ما يطلبه المشاهدون، ووكالات الإعلان ومنتجو برامجه، هم مرجعيته النهائية في قضية قل ولا تقل وافعل ولا تفعل».
مقابل هذه الآراء التفصيلية للأعمال الروائية، تظهر أمزجة متباينة في قراءة عمل الكاتب أحمد مراد «تراب الماس»، إذ يعبر البعض عن جماليات المئة صفحة الأولى من الرواية، والإشكاليات التي أصابتها بعد ذلك، فيما ترى آراء أخرى أن الرواية بدا فيها الجهد واضحاً في الاشتغال على التفاصيل، وتحول العادي إلى جمالي، إلا أن اللهجة العامية الواردة فيها أضعفتها.
تكتب إحدى المراجعات حول الرواية ما نصه: «في الحقيقة سحرتني الرواية في الصفحات المائة الأولى، كان الكاتب فيها من أنجح ما يكون في دراسة شخصياته وتاريخها وإسقاطاتها، واستطاع أن يضفرها جيداً، وينسج روايته بشكل جاذب لا افتعالي، بعد المائة صفحة الأولى أو أكثر بقليل دخلت الجريمة نسيج الحكاية ومن بداية دخولها انقلب الأمر إلى ما يشبه الفيلم».
وتضيف: «لم تفقد الرواية جاذبية السرد، ربما ولم تجعل الملل يتسرب إليك واستخدمت الرواية كل المعطيات الحديثة والقديمة لجعلك تعيش الحالة، لكن في النهاية تتركك كما في روايات أجاثا كريستي التي يعثر فيها البطل على مفاتيح اللغز بمصادفة لم تكن في الحسبان ثم ينهي الرواية بشكل مسرحي ليسعد جميع الأبطال، نعم هو كتب مشاهده بدقة ورسم شخصياته بحرفية، ونعم أرى أن هناك روائياً عليه أن يتحرر من الاستسهال، لكن رواية تراب الماس فضلت التجاري على الفني، وفضلت الشباك على الخلود تماماً كما في السينما، ومع ذلك أعتبر أحمد مراد كاتباً متميزاً، ومن الممكن لو ترك استسهال الجريمة أن تكون له تجربة مختلفة وخاصة جداً».
وتسجل بعض القراءات ملاحظاتها على الرواية والهنات التي تراها في العمل، فتذكر: «هنالك عدد من التحفظات على الرواية، أهمها: اللهجة العامية التي تختلط بالفصحى، ليس في الحوار فقط، بل في السرد و الوصف أيضا، و لكوني غير مصرية فقد أشكل عليّ في كثير من الأحيان استيعاب المصطلحات المستعملة، و السباب، الشتائم، السجائر، الحشيش، المخدرات، وغيرها: ثوابت تكاد تلمحها في كل مواقف و مشهد في الرواية. أظن أن الكاتب تجاوز مرحلة «النقد البناء» بتصوير سلبيات المجتمع المصري إلى مرحلة «التسليم» بهذه السلبيات التي لم يعد يعتبرها كذلك. حضورها المزمن في النص يعكس قبولاً ولا مبالاة مزعجة في بعض المواضع».
وتصل قراءات بعض القراء إلى الحد الذي تقارب بين الرواية وسائر النتاج الأدبي للكاتب أحمد مراد، فتكب إحدى المراجعات: «من اليسير أن توصف تلك الرواية أنها شقيقة رواية فيرتيجو، لأن التشابهات بينهما كثيرة، و لكن يمكن اعتبار «تراب الماس» الشقيقة الكبرى لأنها أنضج بكثير على مستوى القصة واللغة».
القارئ يقتل المؤلف والناقد
5 سبتمبر 2016 03:02 صباحًا
|
آخر تحديث:
5 سبتمبر 06:51 2016
شارك