قال تعالى: أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين . يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير . (البقرة: 19-20)

السؤال: ما سر إفراد الرعد والبرق بعد جمع الظلمات في قوله تعالى: أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق . . حيث كان مقام المبالغة في تصوير شدة ما أصاب القوم من الهلع والفزع يقتضي جمعهما بعد جمع الظلمات؟

- الجواب: لعل السر - والله أعلم- في إفراد الرعد والبرق بعد جمع الظلمات أن المراد الإشارة الى شدة الظلمات وتكاثفها ولو جمعت الرعود والبروق لكان من ضوئهما ما يقلل من شدة الظلمات وتكاثفها، وهذا غير مراد، والله أعلم بمراده .

السؤال: ما سر جمع الظلمات في الآية؟

- الجواب: للدلالة على تكاثف الظلمات وشدتها، فهي: وإن كانت في الأصل ظلمة واحدة لكنها لشدتها استعيرت لها صيغة الجمع مبالغة . وبناء عليه فقد استعيرت كثرة الظلمات بجمعها للدلالة على شدتها، والله أعلم .

السؤال: لِمَ أعيد حرف التشبيه (الكاف) في قوله: أو كصيب؟

- الجواب: تكرار حرف التشبيه مع حرف العطف أغنى عن اعادة العامل حيث التقدير: أو مثلهم كصيب . .

وفي التكرار ايضا اشارة الى اختلاف الحالين المشبهين في المثلين الأول والثاني . والله اعلم .

الإحاطة بالكافرين

السؤال: لماذا قيل: يجعلون أصابعهم في آذانهم ولم يقل: يدخلون أصابعهم . . .؟

- الجواب: لأن جعل الشيء في الشيء أدل على إحاطة الثاني بالأول وشموله من إدخاله فيه . والله أعلم .

السؤال: ما نوع (من) في قوله: من الصواعق؟

- الجواب: (من) هنا للسببية، لأن الصواعق هي علة جعل الأصابع في الآذان .

السؤال: ما صلة قوله: حذر الموت بما قبله؟

- الجواب: هو علة لما قبله، لأن ادخالهم أصابعهم في آذانهم علته أنهم يحذرون الموت . كما أن قوله: حذر الموت غاية أيضاً . وفي هذا إيجاز بديع .

السؤال: ما نوع الواو في قوله: والله محيط بالكافرين؟

- الجواب: الواو اعتراضية، والجملة معترضة بين قوله: حذر الموت وقوله: يكاد البرق فهي إذن جملة اعتراضية بين جملتين من قصة واحدة، وفيها تنبيه على وعيدهم وتهديدهم . والله أعلم .

السؤال: ما نوع المجاز في قوله تعالى: والله محيط بالكافرين؟

- الجواب: استعارة تبعية، حيث شبهت القدرة الإلهية المطلقة التي لا يفوتها شيء باحاطة المحيط بالمحاط بحيث لا يفوته، ولا يتفلت منه . والله أعلم .

السؤال: لم وضع الاسم الظاهر - الكافرين - موضع الضمير في قوله تعالى: والله محيط بالكافرين حيث كان ظاهر السياق أن يقال: يجعلون أصابعهم في آذانهم حذر الموت والله محيط بهم؟ .

- الجواب: للاشارة الى ان سبب هلاكهم واستحقاقهم ذلك العذاب هو كفرهم . فالإهلاك عن سخط (أشد وأبلغ، وفيه تنبيه على أن ما صنعوه من سد الآذان بالأصابع لا يغني عنهم شيئا، وقد أحاط بهم الهلاك، ولا يدفع الحذر القدر) . والله أعلم بمراده .

السؤال: ما سر التعبير باسم الفاعل (الكافرين) وإيثاره على الفعلية: الذين كفروا؟

- الجواب: للدلالة على رسوخهم في الكفر وثباتهم فيه . والله أعلم .

السؤال: لماذا فصلت جملة يكاد البرق يخطف أبصارهم عما قبلها؟

- الجواب: للاستئناف البياني، حيث وقعت جواباً عن سؤال تقديره: كيف حالهم مع تلك الأمطار الشديدة المصحوبة بالبرق؟ فقيل: يكاد يخطف أبصارهم . والله اعلم .

السؤال: علام يدل التعبير بالمضارع (يخطف) في قوله تعالى: يكاد البرق يخطف أبصارهم؟

- الجواب: يدل على الحال المناسب للمقاربة في (يكاد) حتى كأن الخطف لشدة قربه وقع .

السؤال: لم أسند الخطف الى البرق؟

- الجواب: الخطف معناه: الأخذ بسرعة، وإسناده الى البرق من باب المجاز العقلي، لأنه سبب في أخذ الأبصار . والله أعلم .

السؤال: ما سر ذكر (كلما) في جانب الإضاءة، و(إذا) الظرفية في جانب الاظلام في قوله تعالى: كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا (البقرة: 20)

- الجواب: للدلالة على شدة حرصهم على المشي، وأنهم يترصدون الإضاءة، فلا يضيعون لحظة من لحظات حصولها إلا واغتنموها ليتبينوا الطريق في سيرهم لشدة الظلام وتكاثفه .

السؤال: لماذا أسند الاظلام الى البرق؟

- الجواب: لأنه سبب فيه، والتقدير: وإذا أظلم عليهم البرق الطريق باختفائه عنهم . وجاء هذا على طريق المجاز العقلي بعلاقة السببية .

القيام والوقوف

السؤال: لِمَ قيل: وإذا أظلم عليهم قاموا ولم يقل: وإذا أظلم عليهم وقفوا؟

- الجواب: في كلمة (قاموا) دلالة على التهيؤ والاستعداد للوثب والحركة حين تحين فرصتها، وهذا رشحها لأن تكون ألصق بالسياق من كلمة (وقف)، لأن في الوقوف جموداً وسكوناً، بخلاف (قام) فإنها مع دلالتها على القيام تدل أيضاً على حركة داخلية تتأهب وتتحين، ولهذا يقولون: قامت الحرب على ساقها ولا يقولون: وقفت على ساقها، ويقولون أيضاً: قام عليه أي حفظه ورعاه، ولا يقولون: وقف عليه ليفيدوا هذا المعنى . وتلك الفروق الخفية بين الكلمات المتشابهة باب جليل من أبواب فهم اللغة وبلاغتها نبه إليه رجال من سلفنا الصالح . والله أعلم .

السؤال: كيف قيل: كلما أضاء لهم مشوا فيه والمشي لا يكون في البرق وإنما في محله وموضع إشراق ضوئه؟

- الجواب: الفعل (أضاء) يستخدم لازماً ومتعدياً، ويمكن أن يكون هنا متعدياً، ومفعوله محذوف، والتقدير: كلما أضاء لهم طريقاً أو ممشى مشوا فيه . وبهذا تستقيم العبارة في الآية الكريمة، والله أعلم بمراده .

السؤال: في الآية الكريمة ومن خلال المثل المذكور للمنافقين إشارة إلى تحينهم فرصة لمعان البرق للهروب من الهول المطبق عليهم، فلم قيل -إذن - مشوا فيه ولم يقل مثلاً جَرَوا فيه أو سعوا فيه لمناسبته لمقام محاولة الإفلات مما فيه القوم الممثل بهم التشبيه؟

- الجواب: السر في ايثار الفعل (مشى) على (سعى) أو (جرى) هو الإشارة إلى خور قواهم لفرط دهشتهم وهلعهم، لذا فهم لا يقدرون على سرعة الهروب من فم الموت كلما سنحت لهم الفرصة وإن كانوا يتمنون ذلك، ولكن تثاقلت أرجلهم على حملهم مما هم فيه ولم تسعفهم للجري السريع اغتناماً للمعان البرق ليتبينوا ممشاهم . والله أعلم بمراده .

السؤال: علام يدل حذف مفعول (أضاء) في الآية الكريمة؟ الجواب: يدل على فرط تخبطهم، وشدة تحيرهم لدرجة أنهم يمشون بغير هدى كل ممشى، وأنهم يخبطون خبط عشواء . والله أعلم .

السؤال: علام يعود الضمير في قوله تعالى: بسمعهم وأبصارهم؟

- الجواب: يعود إلى المشتبه به وهم أصحاب الصيب المشبه بحالهم حال المنافقين بدليل قوله سبحانه يكاد البرق يخطف أبصارهم وقوله: يجعلون أصابعهم في آذانهم، فالإخبار بمضمون الجملتين يناسب القوم المشبه بهم .

السؤال: ما فائدة ذكر الرعد والبرق في هيئة المشبه به؟

- الجواب: أولاً أشير إلى ان الرعد والبرق الواقعين في صورة المشبه به قد بلغا منتهى قوة جنسيهما بحيث لا يمنع قصف الرعد من إتلاف أسماع سامعيه، ولا يمنع وميض البرق من إتلاف أبصار ناظريه إلا مشيئة الله وعدم وقوع ذلك لحكمة، وفائدة ذكر هذا المعنى في حالة المشبه به الإشارة إلى نظيره في حالة المشبه: أي المنافقين، فهم على وشك انعدام الانتفاع بأسماعهم وأبصارهم انعداماً تاماً من كثرة عنادهم وإعراضهم عن الحق، إلا أن الله سبحانه لم يشأ ذلك استدراجاً لهم وإمهالاً وإملاء ليزدادوا طغياناً وعناداً حتى إذا أخذهم لم يفلتهم، أو تلوا ما لهم وإعذاراً لعل منهم من يرتدع فيثوب إلى رشده ويؤمن . والله أعلم .

السؤال: هل المقصود من الخبر في قوله تعالى: والله محيط بالكافرين فائدته أم لازم فائدته؟

- الجواب: المقصود لازم فائدة الخبر، وهو أن الله تعالى لا يهمل المنافقين ومن على شاكلتهم من أهل الكفر والظلم- وأنه سينتقم منهم أشد انتقام بما قدمت أيديهم . والله أعلم .

السؤال: علاَم يدل امتناع مشيئة الله سبحانه إذهاب أسماعهم وأبصارهم في قوله: ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم (البقرة: 20)؟

- الجواب: في ذلك دلالة على أنه سبحانه لم يشأ ذلك لهؤلاء القوم ليظلوا يكابدون العناد، ويعاينون أسباب الهلاك ويعايشونه ليستمر عذابهم، لأن هذه الحواس لو تعطلت لما شعروا بذلك . والله أعلم .

السؤال: ختمت الآية الكريمة بقوله تعالى: إن الله على كل شيء قدير فما موقع تلك الجملة بما قبلها؟ وماذا أفادت؟

- الجواب: وقعت تلك الجملة تَذييلاً لما قبلها، والتذييل هنا يجري مجرى المثل لاستقلاله عما قبله، وعدم توقفه عليه . وفيه زيادة في وعيد المنافقين وتهديدهم، كما فيه زيادة في تذكيرهم إثباتاً للحجة عليهم وقطعاً لمعذرتهم . والله أعلم .

صورتان للضياع

السؤال: ورد مثلان لتشبيه حالة المنافقين في التذبذب والحيرة والضياع، الأول في قوله سبحانه: مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً . . (البقرة: 18) .

والثاني في قوله سبحانه: أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق . . . (البقرة: 19)، فأي المثلين أبين في الكشف عن حالة المنافقين النفسية؟

- الجواب: أجاب الزمخشري عن هذا السؤال فقال:

( . . الثاني، لأنه دلّ على فرط الحيرة، وشدة الأمر وفظاعته، ولذلك أخّر، وهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ) .

وإذا أردنا أن نوازن بين التشبيهين فإننا نلحظ أن الحيرة في التشبيه الأول تركز على الظلمة التي تجعل القوم يحرصون على الضوء فيستوقدون ناراً، والحيرة في التشبيه الثاني في ظلمة أيضاً، ولكن لم تكن وحدها تشكل الصورة، بل انضاف إليها المطر المنهمر بكثافة وغزارة، والرعد الشديد الذي يكاد يصم الآذان، والبرق الذي يخطف الأبصار . إذن فالظلمة في التشبيه الأول هي محور الصورة، وتكاد تكون وحدها، أما الظلمة في التشبيه الثاني فليست هي التي تشكل الصورة وحدها كما بينا .

كما أن التمثيل الأول اعتمد على حاسة واحدة وهي البصر بخلاف التمثيل الثاني الذي اعتمد على حاستي البصر والسمع، وهذا كله يدلل على أن الموقف في التشبيه الثاني أكثر رعباً وهولاً وفزعاً لإضافة تلك العناصر الجديدة على الظلمة من صيب ورعد وبرق كما بينا مما جعل الظلمة مهولة تحمل في جوفها أسباب الهلاك لهؤلاء القوم الضالين الذين لا يحول بينهم وبينها إلا مشيئة الله تعالى التي شاءت استمرارهم أحياء كاملي الحواس ليعانوا هول الموقف بحس يقظ سليم .

ومما يلمح في المثل الثاني أيضاً أن عناصر الصورة فيه وهي الصيب وما تبعه من رعد وبرق وظلمة ولم تكن خالصة في باب الهول والحيرة فقط، وإنما هي أشياء لها وجهان: وجه للخير والحياة، ووجه للإبادة والإهلاك، فالسحاب ومطره رحمة ونعمة وخير يسوق الله تعالى إلى الأرض الميتة فتحيا وتثمر، وهذا وجه الخير، وقد يكون هذا المطر دماراً وعذاباً وعقاباً، كما قال سبحانه: فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم (الاحقاف- 24) فاختيار الصيب في المثل الثاني له مغزى لأنه شابه الشريعة من هذه الجهة، فهو إما حياة ونماء، وإما أن يكون دماراً وفناء .

القوم الحائرون التائهون في ظلمة باطلهم في هذا المثل إنما تصعقهم الأهوال وهم في وادي الحياة والماء الغامر، لأنهم ضلوا وجه النفع فيه، فالمنافق اشترى الضلالة بالهدى والكفر بالإيمان والحيرة باليقين، فسبيل الفوز والنجاة يتراءى أمامه، والهدى بين يديه، إلا أنه أبى الالتفات إليه، وكأنه حائر تائه وسبيل الرشد تحت بصره!والله أعلى وأعلم بمراده .

moc .oohay@46yrhzala