لماذا لا توجد قصيدة عربية لافتة عن القدس؟، والملاحظ أيضاً في الأدب العربي بصفة عامة أن هناك مدناً عربية كان لها حضور بارز في السرد أكثر بما لا يقاس بالقدس، والملاحظ ثانياً أن اهتمامنا بالقدس موسمي ويخضع لتلاحق الأحداث وأن المدينة الحاضرة في الوجدان الفردي والجماعي لم تجد الدعم الثقافي الذي يرسخ لها معرفياً، أسئلة وملاحظات عدة تثيرها القدس حاولنا الاقتراب منها وتحليلها في التحقيق التالي:
يقول الناقد الدكتور، محمد عبدالمطلب، إن القدس لها حضور قديم وحديث وخاصة في الخطاب الشعري، فليس هناك شاعر إلا وكتب عنها، فالشاعر المصري أحمد سويلم له ديوان كامل عن القدس، وكل الشعراء كتبوا عنها: نزار قباني، ومحمود درويش، ونازك الملائكة، القدس هي الشغل الشاغل للذاكرة العربية الإسلامية، والمبدعون يهتمون بها إلى أبعد الحدود، ولم تخل الروايات التاريخية من سيرة القدس، وحروب الصليبيين حولها، ومحاولات الاستيلاء عليها .
ويشير إلى أن القدس لم تغب قط عن الثقافة العربية، ولكن زاد ظهورها في مرحلة الستينات خلال المرحلة الناصرية، حيث كانت القضية الفلسطينية آنذاك في مقدمة القضايا، وساد الإصرار في أنحاء الوطن العربي كي تكون القدس عاصمة فلسطين، وظل هذا هو محور الحوار الأدبي والاجتماعي، والسياسي فكل المؤتمرات في الستينات والسبعينات والثمانينات من الماضي وضعت القدس عربية عاصمة لفلسطين، وحرص الخطاب السياسي على تأكيد هويتها العربية، والمثقف العربي بشكل عام، إن لم يكن يخص القدس، فهو يتحدث عن فلسطين لأن الحديث عنها يتضمن بالضرورة الحديث عن القدس، فلا قدس بلا فلسطين ولا فلسطين بلا قدس، وذكر العام يشمل بالطبع ذكر الخاص .
ويؤكد أنه إذا كان الربيع العربي الآن شغل الناس بقضاياهم الخاصة أكثر من انشغالهم بالقضية الفلسطينية، فهذه مرحلة مؤقتة، وحين تستقر الأمور في الوطن العربي ستستعيد القدس مكانتها، في الأدب العربي مرة أخرى .
ويقول القاص المصري سعيد الكفراوي إن المبدع والمثقف العربي استطاع أن يعبر عن القضية، فعبر ال100 سنة الأخيرة كانت القدس بالنسبة للمبدع أو المثقف هي الذاكرة ولدى المثقف تنقسم في أحوال، بمعنى أنه للقدس خصوصية الزمان، والمكان، والنضال من أجل استردادها، وكثير من الأعمال الفكرية والتاريخية، والإبداعية، انشغلت بالقدس، وما مجمل الشعر الفلسطيني، عند الشعراء الكبار: محمود درويش، ومعين بسيسو، وأحمد دحبور، وسميح القاسم، إلا ديوان متكامل عن القدس، والقدس في الإبداع العربي لها الكثير من التجليات فهي التاريخ، والدلالة على الإبداع والمقاومة والصمود، عبر مسجدها الأقصى، والسنوات التي مضت فيها القدس المطلب والأمل بالعودة والاستقلال، لا يمكننا أن نغفل السياقات التي أنجزت منذ العشرينات من القرن الماضي حتى اليوم، وكان مضامينها القدس .
ويعد الكفراوي أن القدس هي المدينة الأولى في الذاكرة العربية التي عبر عنها الإبداع العربي في مجمل ما أنتج من آداب، ويرى أن أية كتابة جيدة وأي إبداع جيد في الشعر وفي الرواية وفي القصة القصيرة، والمسرح ينقل المتلقي من النسيان إلى التذكر، والتذكر هو حياة لمدينة وقع عليها كل المظالم وشاركت في اسالة دمها كل القوى المعاصرة، وتظل القدس حية مادام العالم العربي قادراً على أن يبدع ويتذكر ومن ثم يكتب .
ما يجري حول القدس يدعو للاستنكار، فبالرغم من الانقسامات الفلسطينية الفلسطينية، والمفاوضات التي تستمر من دون جدوى، وفترة الربيع العربي، بالرغم من كل هذا فإن القدس لا يمكن لأحد أن يفرط فيها، أو يتخلى عنها لأنها جزء من الهوية، ووجود أساسي لوجودنا، فهي عبر التاريخ كله تعرضت لغزوات الصليبيين والإنجليز والأتراك، لكنها في النهاية تعود لأنها متقاطعة مع المقدس، وهي في النهاية جزء من المكان والزمان والبشر المقيمين على هذه الأرض منذ فجر التاريخ .
وعلى نحو مختلف يؤكد الدكتور محمد خالد الأزعر- الأستاذ في معهد الدراسات العربية والمستشار الثقافي لسفارة فلسطين بالقاهرة - أن معظم التغطيات الخاصة بالقدس كانت محلية، ربما هنا أو هناك حدث تأثير، ولكنه لم يخلق رأياً عاماً ضاغطاً بقوة، ولهذا السبب شعرت إسرائيل بأن يدها طليقة تفعل وتقول ما تشاء، لأن ردود الفعل متفرقة وموسمية وغير مؤثرة .
هناك كتابات جيدة بالفعل، والقدس في ضمير الكتاب موجودة، ولكن تستشعر أن كلا منهم يحاول تبرئة ذمته فيقول قولته ويمضي، ليس هناك نهر قوي متدفق من الكتابة حول المدينة، الكتابة الفاعلة التي تحرك العقول والعواطف معاً .
ويشير إلى أن هناك أدبيات تصف ما يجري في القدس نحن جميعاً نعرف ما يجري في القدس، لكن ماذا بعد، يجري التحدث عن إنقاذ وما إلى ذلك، لكنه يظل حديثاً موسمياً، يعيد إنتاج نفسه من وقت لآخر، في الوقت الذي تقضم فيه إسرائيل قدسنا يوما تلو الآخر على مرأى ومسمع الجميع، وإنني أعجب للقدس كيف تصمد كل هذا الصمود منذ عهد الانتداب، والزحف الصهيوني مستمر نحوها، ويجري على قدم وساق إخلاؤها من المؤسسات، وتجميد البناء، والعمران العربي والإسلامي، والاعتداء على التراث، وللأسف فإن المأساة تقع على عاتق جماعة محددة من الناس، وبالتحديد على أهل الضفة والقدس، كأن أهل القدس مطلوب منهم كل شيء وحدهم .
ويضيف: كيف يمكن تحويل الاستجابة من أهل القدس فقط وجوارها إلى استجابة عامة من الأمة ككل؟ هذا هو السؤال، فالتحدي أكبر بكثير منهم ومن الشعب ككل رغم الاعتراف بصمودهم التاريخي، لكن الهجمة كبيرة تحتاج لما هو أكبر من قدرات المقدسيين الذين نشد على أيديهم، في مواجهة الصهيونية .
للأسف الشديد هناك جهل بالقضية الفلسطينية بصفة عامة، لا نلوم في ذلك المثقف بالتحديد وإنما نلوم الساسة، لأن الإعلام قام بتحجيم دور المثقف، وأصبح السياسي طاغياً في وجه الثقافي ويتحكم في القضايا التي يطرحها، في تصعيد قضايا بعينها في ساعات لتشغل الرأي العام، وفي الوقت نفسه يخبئ قضايا أخرى، ويطفئ من حولها الأنوار كي ينصرف الناس عنها .
يقول الروائي جبور الدويهي: الحديث عن القدس هو نوع من جلد الذات وتقريع النفس على بقاء مدينة الأديان السماوية وعاصمة فلسطين التاريخية تحت الاحتلال الإسرائيلي . نوبّخ أنفسنا لأن السياسة لم تفعل الكثير للقدس وفلسطين، وعندما حاولت أن تفعل لم تساعدنا موازين القوى على تحقيق الانتصار، فضلاً عن ضآلة حضورنا في المشهد العالمي، وقلة حيويتنا في الدفاع عن حقوقنا، إلى حد أننا نظن أن امتلاكنا للحق طافٍ كي يعود إلينا من دون أن نبذل جهداً في سبيل إعادته . هكذا، بقيت القدس أسيرة الضمير والوجدان الفردي والجماعي اللذين يتألمان وينتفضان كلما حدث شيء جديد في ملف المدينة المعرّضة للتهويد المستمر، وتفريغها من سكانها المقدسيين، وقضم المساحات في القسم الشرقي منها، ومنع تحوله إلى عاصمة لفلسطين في ما لو انتهت المفاوضات إلى حل يكفل قيام دولتين . لم نتوقف كعرب وكمسلمين عن دعم قضية القدس والقضية الفلسطينية بشكل عام، ولكن أشكال الدعم هذه بقيت غير كافية للحفاظ عليها وحمايتها . لقد اختيرت القدس عاصمة للثقافة العربية في عام ،2009 ولكن إسرائيل منعت إقامة الفعاليات الخاصة بها داخل المدينة المحتفى بها . وفي العام الماضي، أطلقت الحكومة الفلسطينية جائزة القدس التي ستمنح للأشخاص والمؤسسات المحلية والعربية والإسلامية والدولية الداعمة للمدينة، ولا تغيب القدس عن مشاريع منظمات المجتمع الأهلي الفلسطيني التي تلقى دعماً مستمراً من منظمات مماثلة في أوروبا والعالم، ويشارك بعض الناشطين والكتاب والمفكرين بشكل مبشر في هذه الأنشطة المناهضة لاحتلال القدس وتهويدها وطمس معالمها ضمن مخططات عنصرية وصهيونية . إجمالاً، تمثل القدس هاجساً للمثقف العربي سواء في مشاركته في فعاليات وأنشطة داعمة للحفاظ على المدينة، أو في الكتابة المباشرة وغير المباشرة عنها، فقد حضرت القدس في سياق روايات وقصص وقصائد ولوحات تشكيلية ومسرحيات وأفلام كثيرة، ويمكن استعراض أسماء عدة وخصوصاً الفلسطينيين منهم لأنهم أصحاب القضية، ولكن هؤلاء مثل غيرهم من الكتاب والفنانين والمفكرين العرب، لم يخصصوا نصوصاً وأبحاثاً للقدس تحديداً، بل ذابت القدس في أعمالهم التي تناولت القضية الفلسطينية بوصفها قضية العرب وجرحهم النازف . هل كانت نصوصهم وأعمالهم كافية ومتناسبة مع أهمية هذه القضية؟ أظن أن الجواب هو نعم، مع تحفظ بسيط تجاه فكرة أن الكتابة تبقي القضية حية وقيد التداول، ولكنها غير كافية وحدها لتغيير الوضع القائم للمدينة تحت الاحتلال .
ويقول الشاعر محمد علي شمس الدين: القدس أكثر من مدينة، بل لعلها رمز شعري يرتفع إلى مرتبة الرؤيا . إنها أيقونة مقدسة، وموطن نزاع ليس على السماء بل على الأرض . الإسلام جعلها مدينته، واليهود سمّوها أورشليم، والمسيحيون صاغوا جزءاً من قداستها لهم .
حتى الآن، هناك تاريخ للقدس أكثر من النصوص المكتوبة عنها . لقد دخلت في أدبيات الصراع التاريخي والسياسي قبل أن تحظى بشغف الشعراء والكتاب، ولكنها باعتقادي لم تكن رمزاً شديد الإثارة، لأن شعراء الحداثة العربية لم يكونوا ذوي اتجاه يقدس المدن لمجرد أن الأديان قدستها أو لأنها موضوع صراع ينبغي أن يكون عادلاً . القدس لم تختلف عن المدن الأخرى في النتاج الشعري، بل إن مدناً فلسطينية أخرى حضرت بكثافة أكثر مثل: حيفا ويافا وعكا . القدس موجودة في وجداننا كجرح ورمز لقضية كبرى، ولكنها لم تترجم كفاية في الشعر . يقول محمود درويش: هنا القدسُ يا امرأةً من حليب البلابل، ولكن عليك أن تشرح طويلاً معنى حليب البلابل لأهل القدس ولجمهور الشعر عموماً . لا أجد في ذاكرتي الآن قصيدة في الشعر العربي عن القدس تحفر عميقاً في النفس . كتب سميح القاسم ديواناً عن القدس لا تجد له أثراً يُذكر، وجملة درويش العابرة أيضاً ليس لها أثر، القدس لم تكن أيقونة شعرية عربية، وأتساءل هنا: هل تستحق هي بمفردها أم أن الأرض وفلسطين كلها هي الأيقونة؟ لعل هذا يفسر لِمَ نتحدث عن شعراء الأرض المحتلة، وشعراء فلسطين، وشعراء القضية الفلسطينية، بينما القدس هي جزء من النسيج الكلي لهذا القول . وهنا أشير إلى أن القدس قد تكون مذكورة أكثر في أدبيات وممارسات اليهود . من حائط المبكى إلى هيكل سليمان الذين يحفرون تحت المسجد الأقصى بحثاً عنه . مؤرخوهم ابتكروا الماضي من خرافات حول أورشليم . هكذا، كأن القدس ناجزة ومنجزة للعرب والمسلمين، ولا تحتاج إلى مرافعات شعرية أو سردية تدافع عن أحقيتنا بها .
ويقول الناقد التشكيلي فيصل سلطان: أظن أن القدس هي ضحية غياب استراتيجية ثقافية فاعلة ومنظمة ومستمرة لإبقائها في دائرة الضوء، وبالتالي حمايتها من مخططات التهويد المستمرة من قبل الاحتلال الإسرائيلي . هناك كتابات ونصوص وأعمال كثيرة، إضافة إلى النقاش الفكري والسياسي الذي لم يتوقف منذ نشوء القضية الفلسطينية عام ،1948 بل إن بعض هذه الأعمال والجهود الصادقة بدأت قبل ذلك بسنوات، ولكن المشكلة في رأيي موجودة في العقل العربي الذي حوّل القضية الفلسطينية والقدس في قلبها إلى أيقونة وجدانية وجرح نفسي، بدلاً من أن تكون هدفاً ملموساً وقضية واقعية . صحيح أن موازين القوى لم تكن يوماً لمصلحتنا، ولكن العرب كحكومات وأنظمة استكانت لفكرة أن العدو أقوى، كما أن بعض هذه الأنظمة تاجرت بالقضية الفلسطينية، وتحولت القدس في خطابها إلى مادة لفظية وجزءاً من كليشيهات النضال اللغوي الذي تحول مع الوقت إلى لغوٍ سياسي يصعب ترجمته للمواطن العربي قبل ترجمته للرأي العام العالمي . ضمن هذه الصورة، يبدو المثقف العربي أمام قضايا عدة، فعليه أن يكون كاتباً جيداً ومصلحاً اجتماعياً ومناضلاً سياسياً وناشطاً في قضايا الحريات والتعبير . المثقف الفلسطيني لصيق بقضيته أكثر من المثقف العربي المحارب من قبل الأنظمة التي يعيش فيها، وعليه في الوقت نفسه أن يكون صوتاً مختلفاً وضميراً لشعبه وشاهداً حقيقياً على الواقع . والسؤال هو ماذا يمكن لمثقف يعيش كل هذه الظروف أن يقدم للقدس وفلسطين؟
الأكاديمي عبدالسلام ولد حرمة يقول منذ أن احتلت هذه المدينة المقدسة من طرف الصهاينة في يونيو/ حزيران 1967 أصبحت أهم رمز لأكبر وأطول صراع معاصر، وهو صراع العرب والمسلمين مع العدو الصهيوني الاستعماري الاستيطاني، وغدت إلى جانب ذلك عنواناً للقضية الفلسطينية وبوابتها، وقضية العرب كل العرب مسلمين ومسيحيين، والمسلمين عموماً وجميع الأحرار في العالم،
ولئن انشغل السواد الأعظم من مفكري وأدباء الأمة وقادة رأيها وإعلامييها بهذه المدينة الرمز، وعملوا على نشر ثقافة المقاومة لمحاولات تهويدها وطمس تاريخها المتطاول، ومكافحة التطبيع مع من يحتلون أراضي فلسطين السليبة التي تعتبر القدس خندق مواجهتهم الأول وعنوانه الرئيس، وتصدوا بكل وسائل القول والتعبير لسياسة الإنهاك والتيئيس التي اعتمدها الكيان الصهيوني وممثلوه المباشرون وغير المباشرين، لنزع روح الممانعة والرفض، إلا أن ذلك كله ظل دون حجم الجهد المطلوب، لجعل القدس في كل شبر من تراب الوطن العربي جزءاً من غضبة الشعب، من تمرده، من جرحه، من تطلعه، من دموعه، من أمانيه، من طموح كادحيه، وفلاحيه من معركته الوجودية التي يشكل الجانب الروحي والعقدي أهم دعاماتها، ولعل ذلك ما عبر عنه قبل عقود الشاعر الموريتاني فاضل أمين حين قال:
يا أيها الباكون في أعطافها
والحاملون إلى الصلاة زمامها
القدس أكبر من حكاية ناكص
ومن العجائز نمقت أحلامها
القدس ليست خيمة عربية
ضاعت فردد شاعر أنغامها
القدس ليست قصة وهمية
تذروا الرياح الذاريات كلامها
القدس تولد من هنا من شمسنا
ومن الروابي يحتسين ضرامها
القاص جمال عمر يقول لا أعتقد أن موضوع القدس يمكن فصله عن السياق العام للقضية الفلسطينية وإن كانت القدس تشكل محور ذلك الاهتمام نظراً لبعدها المقدس والتاريخي، حيث ظل الحديث عن مسجدها الأقصى مدخلا للحديث كذلك عن الأماكن المقدسة الأخرى كمدينة بيت لحم وكنيسة المهد وكنيسة القيامة وغيرها .
ولذا يمكن القول إن المثقف العربي تناول مدينة القدس الرمز في كثير من نصوصه سواء كانت شعراً أو نثراً، كتعبير عن رفض الاستلاب الديني والحضاري للأمة العربية والإسلامية كحاضن لمكونات ثقافية ودينية أخرى (إسلامية، مسيحية) متآلفة وليست متصارعة، ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار نصوص أدبية وفكرية لكتاب مسيحيين كغسان كنفاني وإدوارد سعيد تجسيدا لذلك الطرح .
وبقدر ما ظلت قضية الاستعمار والهوية العربية حاضرة في النصوص الأدبية للمثقفين العرب ظلت قضية القدس حاضرة بقوة في تلك النصوص، بل إن تناول قضية القدس والقضية الفلسطينية ظلت ولا تزال تعبيراً عن الالتزام في الأدب العربي، حيث قلما نجد أديباً أو مفكراً أو سياسياً عربياً من المشرق العربي إلى مغربه لم يتطرق لقضية القدس من بعيد أو من قريب، لدرجة أنه يمكنني القول إن دور الأدب في الدفاع عن قضية القدس شكل لها حصناً منيعاً ضد محاولات الطمس التي تتعرض لها يومياً على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي .
الكاتب والباحث محمد ولد أحظانا يقول: لابد أولاً من الإقرار بأن القدس تدخل ضمن المقدس العربي والديني، ومن الصعب التعبير عن المقدس أياً كان، خاصة إذا كان هذا المقدس في ظروف غير طبيعية بسبب أفعال غير طبيعية . ويضيف: القصيدة، أو اللوحة، أو غيرها، لا تكفي للتعبير الكلي عن المقدس، لأن التعبير فيه ما هو رمزي وفيه ما هو عملي، وفيه ما هو عاطفي وما هو عقلي ولاهوتي، واستخدام جميع وسائل التعبير العملية والذهنية المباشرة وغير المباشرة قلما يرقى إلى التعبير عن المقدس مكاناً أو مبدءاً، وأرى أن المثقف العربي أصلاً غير مؤهل للتعبير بمنظومته الفكرية الحالية وسعته النظرية عن كل هذه الأبعاد مجتمعة . ويؤكد: كما عجز الساسة والمخططون للسياسات حول حماية القدس، فقد عجز المثقفون أيضا في التعبير عنها التعبير المناسب، أي التعبير عنها من خلال فكر تحريري، غير بسيط ولا انفعالي، وإنما هو فكر مبادرة .
ويضيف طبعاً ثمة إخلاص وحرارة في المشاعر واجتهاد في التعبير من طرف المثقفين العرب عن القدس كرمز وقضية، وهي قضية إجماعية، وهذا جهد محمود، لكن الإخلاص وحرارة المشاعر والاجتهاد لا تعني بالضرورة الوصول إلى طاقة التعبير الكافية، فطاقة التفكير وسعته واستيعابه وتمثله للقضية يمكن أن يوصف بعدم الكفاية في مجال القدس .
هذا العيب أو القصور الفكري هو السبب في تخلف الفكر العربي بصفة عامة وليس في هذه القضية وحدها رغم أولويتها، ولكن في كل القضايا ولو كانت الأساليب الفكرية المبتورة ستنجح في شيء لنجحت في التعبير عن قضية القدس، لأنها قضية إجتماعية وقضية دينية وقضية حضارية وقضية إنسانية فهي قادرة على أن تملأ جميع فراغات الاهتمام في المثقف، وما دام لا يعبر عنها فلن يعبر عن الأشياء الأخرى بصفة كافية .
أساس المسألة أنني أتوقع ألا ينجح المثقف العربي في التعبير عن القدس ما لم يغير منهج التفكير فيها لدرجة تتجاوز الانفعال بالأحداث إلى درجة المبادرة والإبداع، إبداع التشخيص، والمنهج، والحلول .