القرآن الكريم ليس مجرد كتاب سماوي مقدس نتبرك به في المناسبات، لكنه مصدر هداية المسلم في كل شؤون حياته العامة والخاصة، ولذا فإن واجب كل مسلم أن يقترب من كتاب الله، ويتعرف المتاح من أسراره، ويقف على ما جاء به من حقائق دينية ودنيوية، فحينما تكتمل صورة القرآن في أذهاننا تزداد قداسة كتاب الله الخاتم للرسالات السماوية في نفوسنا .
وللقرآن الكريم أسماء كثيرة منها: "الفرقان" لتفرقته بين الحق والباطل، قال تعالى: "تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً"، ومنها "الكتاب"، قال تعالى: "الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً"، ومنها "الذكر"، قال تعالى: "وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون"، ومنها "التنزيل"، قال عز وجل: "وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين" .
القرآن الكريم معجزة خالدة بما اشتمل عليه من إبداع بياني ومن حقائق علمية لم يكشف العلماء عن جوانب منها إلا في العصر الحديث .
وإلى جانب العمل بما جاء في القرآن والالتزام بكل ما جاء به من أوامر ونواه، فإن واجب المسلم أن يكثر من تلاوة القرآن، لأن هذه التلاوة ترفع درجاته، وتمحو سيئاته، وتهذب أخلاقه، وتشرح صدره . قال تعالى: "إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور" (فاطر: 29) . وفي الحديث الشريف: "من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف" . وفي حديث ثان: "أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن" .

سور القرآن

ويحتوي القرآن الكريم على مئة وأربع عشرة سورة، وهي تنقسم إلى أربعة أقسام:
- السور الطوال وهي: سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والتوبة .
- السور المئون: وهي السور التي تزيد آياتها على مئة آية، كسورتي النحل ويوسف .
- السور المثاني: وهي التي تلي المئين في عدد الآيات كسورتي الحج والفرقان .
- سور المفصل: وهي السور التي تمتاز بالقصر، كالسور التي في أواخر القرآن الكريم .
ولتقسيم القرآن الكريم إلى سور فوائد منها: تيسير حفظه وتشويق القارئين إلى مدارسته، لأنه لو كان سورة واحدة يصعب عليهم أن يحفظوه، ولأعياهم فهمه، ومنها الدلالة على موضوع الحديث ومحور الكلام، فإن لكل سور موضوعاً بارزاً تتحدث عنه بصورة أكثر تفصيلاً من غيرها . وترتيب سور القرآن لم يأت عشوائياً، فالراجح من آراء العلماء أنه لم توضع سورة في مكانها إلا بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم .
وعدد آيات القرآن الكريم 6220 آية، ومعرفة أوائل الآيات ونهاياتها مرجعها إلى ما حفظه الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك الشأن في ترتيب هذه الآيات القرآنية في سورها .
فقد انعقد إجماع الأمة على أن ترتيب آيات القرآن الكريم على هذا النمط الذي نراه اليوم في المصاحف، كان بتوقيف عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا مجال للرأي والاجتهاد فيه، بل كان جبريل ينزل بالآيات أو بالآية على الرسول صلى الله عليه وسلم ويرشده إلى موضع كل آية من سورتها، ثم يقرؤها صلى الله عليه وسلم على أصحابه ويأمر من يكتب عنه من أصحابه بكتابتها في الموضع الذي يحدده لهم .
وقد تعددت آراء العلماء حول أول وآخر ما نزل من القرآن الكريم، والقول الصحيح أن أول ما نزل من القرآن هو صدر سورة "اقرأ" بدليل الأحاديث الصحيحة التي وردت في ذلك، وآخر ما نزل من القرآن على الإطلاق هو قوله تعالى: "واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفّى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون"، فقد نزلت هذه الآية على الرسول صلى الله عليه وسلم قبيل وفاته بتسع ليال فقط .
أما الآية التي يقول الحق سبحانه وتعالى فيها: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً"، فقد نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم يوم عرفة في حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة، وكان نزولها قبل وفاته بأكثر من شهرين .
لكن ما الفائدة التي تعود علينا من معرفة أول وآخر ما نزل؟
ولمعرفة أول وآخر ما نزل من كتاب الله فوائد كثيرة منها: تمييز الناسخ من المنسوخ، وذلك فيما إذا وردت آيتان أو آيات في موضوع واحد، وكان الحكم في إحدى هذه الآيات يغاير الحكم في الأخرى، فإننا في هذه الحالة نعرف أن الآية المتأخرة في النزول قد نسخت الآية المتقدمة، وكذلك من فوائد هذه المعرفة الوقوف على تاريخ التشريع الإسلامي وملاحظة سيره وتدرجه في تربية الناس برفق وهوادة .

المكي والمدني

وقد تعددت اجتهادات العلماء في معرفة المكي والمدني من القرآن الكريم، والرأي الراجح الذي اتفق عليه عدد كبير من العلماء هو أن القرآن المكي ما نزل قبل الهجرة ولو كان نزوله في غير مكة، وأن القرآن المدني ما نزل بعد الهجرة، ولو كان نزوله في غير المدينة .
فمثلاً قوله تعالى: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها" يعتبر من القرآن المدني مع أنه نزل بمكة في جوف الكعبة عام الفتح الأعظم . وقوله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي" من القرآن المدني، مع أن نزوله كان بعرفة في حجة الوداع .
وهناك ضوابط لفظية يعرف بها القرآن المكي منها:
كل سورة فيها لفظ "كلا" فهي مكية، وقد ذكر هذا اللفظ في القرآن 33 مرة في خمس عشرة سورة كلها في النصف الأخير من القرآن .
- كل سورة فيها سجدة فهي مكية .
- كل سورة بدئت بحرف من حروف التهجي فهي مكية ما عدا سورتي "البقرة وآل عمران" .
- كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم السابقة فهي مكية سوى سورة "البقرة" .
أما ضوابط القرآن المدني فهي كثيرة ومن أهمها:
- كل سورة تتحدث باستفاضة عن الحدود والتشريعات المتنوعة فهي مدنية .
- كل سورة تتحدث عن الجهاد وأحكامه فهي مدنية .
- كل سورة تتحدث بالتفصيل عن المنافقين وأحوالهم وصفاتهم فهي مدنية .

أسباب النزول

نزل القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم في مدة تصل إلى ثلاثة وعشرين عاماً، وكان نزوله لإخراج الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام، وأكثر آيات القرآن وسوره نزلت للهداية ولسعادة البشرية في حاضرها ومستقبلها، ومنه ما نزل لبيان ما هو حق في أحداث خاصة حدثت بين المسلمين أو بينهم وبين غيرهم، أو للإجابة عن أسئلة سألها بعض الناس للنبي صلى الله عليه وسلم كالآيات التي نزلت في أعقاب حديث "الإفك" الذي أشاعه المنافقون عن السيدة عائشة رضي الله عنها .
والطريق لمعرفة أسباب نزول الآية أو الآيات لا يكون إلا بواسطة النقل عن الصحابة الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم، ووقفوا على الأحوال والملابسات التي أحاطت بنزول الآيات، وسمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يسمعه غيرهم .
ولمعرفة سبب نزول الآية أو الآيات فوائد أهمها:
- فهم الآية أو الآيات فهماً صحيحاً، لأن المسلم إذا عرف سبب نزول الآية أو الآيات عرف معناها معرفة خالية من اللبس والخلط .
- معرفة حكمة الله تعالى على اليقين فيما شرعه من أحكام عن طريق القرآن الكريم، وفي هذه المعرفة منفعة للمسلمين، لكي يزدادوا إيماناً على إيمانهم وثباتاً على ثباتهم، ومنفعة أيضاً لغير المسلمين قد تنفعهم إلى الهداية إلى الصراط المستقيم، وإلى أن يفهموا ما اشتملت عليه شريعة الإسلام من عدالة، وإحقاق للحق، وإبطال للباطل .

آداب التلاوة

وبما أن القرآن الكريم هو كتاب الله تعالى الذي أنزله هداية لجميع خلقه لاشتماله على الأحكام العادلة والأخلاق الفاضلة والوصايا النافعة، والآداب الرفيعة، فقد جاءت النصوص، من القرآن والسنة، تحض المسلم على أن يكثر من قراءة القرآن الكريم . قال تعالى: "إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور" . ومن الأحاديث الصحيحة التي جاءت للحض على قراءة القرآن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه" .
ولتلاوة القرآن آداب يستحب للمسلم والمسلمة المحافظة عليها، من أهمها:
- أن يكون القارئ للقرآن الكريم على وضوء، لأن قراءة القرآن من أفضل الأعمال التي يتقرب بها الإنسان إلى خالقه، لكن يجوز لمن هم على غير وضوء أن يقرأوا القرآن الكريم .
- يستحب لقارئ القرآن أن يكون في مكان نظيف طاهر تكريماً للقرآن، واحتراماً لمنزلته ومكانته، فهو كلام الله تعالى الذي قال في شأنه: "لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون" (الحشر: 21) .
- أن يتحلى المسلم أو المسلمة عند قراءة القرآن بالخشوع والسكينة والوقار، وأن يبدأ قراءته بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، ثم بالبسملة بقوله "بسم الله الرحمن الرحيم" . . هكذا كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ونحن ملزمون بالاقتداء به .
- أن يتدبر المسلم أو المسلمة ما يقرأ، لأن هذا التدبر والإيقاظ والاعتبار هو المقصود الأعظم من القراءة، وذلك بأن يشغل تفكيره في معنى ما يقرأ ويتجاوب مع كل آية بمشاعره وعواطفه وعقله، وأن يعمل المسلم على أن يحسّن صوته بالقراءة من دون تطريب أو تصنع يتجافى مع الوقار والأدب الذي يجب أن يتحلى به قارئ القرآن وسامعه . فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "زينوا القرآن بأصواتكم"، فالصوت الجميل يجذب المسلمين وغير المسلمين إلى الاستماع إلى كلام الله، وقد كان من الأسباب التي دفعت بعض الناس إلى الدخول في الإسلام استماعهم إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو يقرأ القرآن بصوت جميل مؤثر، ما جعل بعض زعماء المشركين يمنعون الرجال والنساء من الاستماع إلى أبي بكر .