أعظم ما يقف عليه المسلم في القرآن الكريم حديثه عن نفسه، وأروع ما في كلام الخالق سبحانه هو قدرته على مخاطبة كل الناس، بصرف النظر عن مستواهم الفكري والثقافي.. فحديث القرآن عن نفسه، هو حديث الصدق في أسمى درجاته، وحديث الطهر في أنقى صوره؛ لأنه مصون من كل المؤثرات، محفوظ من كل صور التبديل والتغيير والتحريف، يقول الحق سبحانه : «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون»، فكتاب الله الخاتم محفوظ مصون، لا يستطيع أحد مهما كانت بلاغته أن يأتي بمثله، أو ببعض آياته، وقد حاول الكثيرون وعادت محاولاتهم عليهم حسرة وندامة.. وصدق الحق عز وجل ؛ حيث يقول: «إنه لقرآن كريم. في كتاب مكنون. لا يمسه إلا المطهرون. تنزيل من رب العالمين».
يقول د. أحمد عمر هاشم، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: لقد ضرب الله الأمثلة على عظمة القرآن، وأكد أنه لو أنزل على جبل لخشع وتصدع من خشية الله.. يقول سبحانه: «لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون».
ويضيف: لا شك أن القرآن الكريم هو أجل النعم الإلهية وأولها، ولذا صدّر الرحمن حديثه عن القرآن في صدد تعداد النعم الوافرة فذكره قبل نعمة النطق وغيرها من النعم والآلاء، فقال: «الرحمن. علم القرآن. خلق الإنسان. علمه البيان. الشمس والقمر بحسبان. والنجم والشجر يسجدان. والسماء رفعها ووضع الميزان».
دستور الهداية
والسؤال المهم هنا: ماذا نستفيد من القرآن الكريم الآن وماذا استفاد منه السابقون؟ وماذا سيستفيد اللاحقون؟
يقول د. هاشم: عظمة القرآن ومنزلته تتمثل في: (الهداية) فقد أراده الله دستوراً هادياً للناس ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ومن ابتغى الهدي في غيره أضله الله، يقول سبحانه: «وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم»، و«إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم».. فمن التزم بتعاليم هذا الكتاب المقدس اهتدى إلى طريق الحق والخير، ومن أعرض عنه سار في طريق الضلال والانحراف، وقد بيّن القرآن نتيجة الإعراض عن هدايته في قوله تعالى: «ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى. قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً. قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى».
معجزة بلاغية
والقرآن الكريم اكتملت فيه كل ملامح البلاغة والبيان، وسط قوم ملكوا زمام الفصاحة، فجاءهم بمعجزة من نوع ما برعوا فيه، فعجزوا عن الإتيان بمثله، يقول سبحانه وتعالى: «وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين»؛ بل إن التحدي كان للإنس والجن، قال تعالى: «قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا».
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة».
ولأهمية كتاب الله الخالد، حفظه الله قديماً وحديثاً من كل محاولات التحريف والتزييف، وأفشل كل محاولات محترفي التقليد والتزوير، وقال عز من قائل «وإنه لكتاب عزيز. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد».
الوحي والتوحيد
وقد كذب القرآن الكريم الافتراءات والأكاذيب التي افتراها أعداء الإسلام في قوله تعالى: «وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين، أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئاً هو أعلم ما تفيضون فيه كفى به شهيداً بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم»، إلخ.
يقول د. هاشم: لقد جاءت هذه الآيات الكريمة لتقرر قضية الوحي الإلهي في أجل صورها وأسماها، بعد أن تصدت الآيات السابقة لها من صدر سورة الأحقاف التي تقرر عقيدة التوحيد، عن طريق بيان ما أنزل الله من كتاب، وما خلق من السماوات والأرض وما بينهما، وكتاب الكون المفتوح بما فيه من شواهد العظمة الإلهية والقدرة القوية شاهد على صدق الكتاب المنزل الذي يهدي للتي هي أقوم، وكلاهما يتضافران في بيان أوضح الأدلة على وحدانية الله تعالى، ومن عجب بعد كل هذا الوضوح أن يعرض الذين كفروا عن تلك الحقيقة الواضحة التي لا لبس فيها ولا غموض «حم. تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم. ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى»، بعد ذلك تطرح تساؤلاتها القوية والحجج الملحة وتتحدى من يعبدون أحداً غير الله وتبين عجز الجميع عن أن يخلقوا شيئاً «أروني ماذا خلقوا من الأرض».
وأما نهايتهم في الآخرة فهي وقوع العداوة بينهم وبين معبوداتهم «وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين»، وهكذا أبطلت الآيات السابقة عقيدة الشرك، وأثبتت قضية التوحيد في جلاء ووضوح.
الرحمة الإلهية
وفي وسط هذا الجو الخانق لديهم ومع هذا الحوار الشديد يكشف القرآن عن أسرار الرحمة الإلهية، ويشعرهم بحلم الله عليهم رغم تلك الجرائم والافتراءات، فيقول: «وهو الغفور الرحيم»، فقد تتداركهم هداية الله فيهديهم، وقد يثوبون إلى رشدهم فيرحمهم، وبعد مناقشة المشركين في ضوء تلك الآيات البينات وبيان أنها حق أخذت في مناقشتهم عن طريق من أنزل عليه القرآن وهو الرسول صلى الله عليه وسلم فهو لا يختص نفسه بشيء، ولا يصدر في أمر إلا عن وحي الله، وأنه ليس أول رسول جاء برسالة ربه، فقد سبقه من قبل الرسل «قل ما كنت بدعاً من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين».. أما ما أشارت إليه الآية: «وما أدري ما يفعل بي ولا بكم» فالمراد به ما لم يكن من وظائف النبوة كالحوادث والوقائع الدنيوية، أما ما يحدث في الآخرة من ثواب وعقاب أو غير ذلك فإن علم مثل هذا من شؤون النبوة ووظائفها؛ ولذا اختتمت الآية الكريمة بما يبين إنذار الرسول صلى الله عليه وسلم بعقاب الله تعالى: «وما أنا إلا نذير مبين».
فهم مقاصد النص
أما د. محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف المصري، أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الأزهر، فيؤكد من خلال تجربة طويلة في مجال العمل الدعوي أن أكثر أساليب الدعوة تأثيراً في النفوس هي تلك التي تنطلق من بيان القرآن الكريم وأوجه إعجازه، وحسن فهم مقاصده ومراميه.. ويقول: المتلقي للنص القرآني، إنما يتلقى من المَعين الأصفى؛ ذلك أن القرآن الكريم إنما هو كلام رب العالمين الذي لا يناله التحريف، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو الذي لا تكاد ألفاظه تصل إلى الآذان حتى تكون المعاني قد وصلت إلى القلوب، فلم تلبث الجن إذ سمعته أن قالوا: «إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا».
وما إن سمعه الوليد بن المغيرة حتى قال: «والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه»، وما إن سمع أحد الأعراب قوله تعالى: «وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين» حتى انطلق قائلاً: «إن هذا لهو كلام رب العالمين لا يشبه كلام المخلوقين، وإلا فمن ذا الذي يأمر الأرض أن تبلع ماءها فتبلع؟ ويأمر السماء أن تقلع عن إنزال الماء فتقلع؟ إنه رب العالمين ولا أحد سواه».
ومن هنا يؤكد د. جمعة ضرورة إبراز أوجه العظمة والبلاغة والفصاحة والإعجاز في القرآن الكريم؛ لأن ذلك يسهم في ترسيخ القيم الإيمانية والأخلاقية والإنسانية، شريطة أن نحسن فهم مرامي النص، وأن نحسن توصيل تلك المعاني، لنجعل المتلقي يعيشها حساً وروحاً وتأثراً ومعايشة، ولا يتأتى ذلك إلا إذا كان الداعية أو الخطيب قدوة ينقل من إحساسه ومشاعره الإيمانية ما يؤثر في وجدان المتلقي، وأن يتمتع بقدر من البلاغة يجعله قادراً على حسن توصيل تلك المعاني والدلالات التي يحملها النص الكريم.