القرآن الكريم كلام الله تعالى المنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - المتعبد بتلاوته.. فهو ليس من كلام الإنس أو الجن أو الملائكة، بل ليس من كلامه عليه الصلاة والسلام، ولا تناله قدرته البلاغية على سموقها ورفعتها.
لكن كثيراً من غير المسلمين يشوشون على هذه الحقيقة بإنكارهم أن يكون القرآن الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - وحياً من الله تعالى، والعجيب أنهم رغم اعترافهم بأن التوراة والإنجيل كلاهما وحي الله إلى موسى وعيسى - عليهما السلام - إلا أنهم يستكثرون على محمد صلوات الله وسلامه عليه أن يكون نبياً يوحى إليه، وأن يكون قد سمع القرآن كلام الله تعالى بأذنيه، وتلقاه عن الوحي لفظاً ومعنًى، ثم بلغه للناس كما تلقاه ووعاه، ويقررون أن هذا القرآن من تأليف محمد ومن كلامه، وأنه كان رجلاً ذكياً أو عبقرياً جاء بنص أدبي راق تأثر به الناس.
ومن إعجاز القرآن الكريم أنه لفت أنظارنا إلى هذا الإفك من القول والاعتقاد، وحسم أمره في كثير من الآيات التي تبين أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - ليس له دخل في لفظة واحدة من ألفاظ القرآن: «ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين» (الحاقة: 44، 46).
«وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين» (يونس:37).

على أن النظر العقلي في تاريخ محمد - صلى الله عليه وسلم - وحياته قبل البعثة وبعدها، يرفض رفضاً قاطعاً التشكيك في نسبة القرآن إلى الله تعالى.. ذلك أنه لو تخيلنا أن محمداً عليه الصلاة والسلام، لم يكن نبياً يوحى إليه - كما يقول الملحدون - وأنه كان زعيماً أو مصلحاً اجتماعياً أو حتى فيلسوفاً، أليس من مصلحته - حالتئذ، فيما يقول علماؤنا - أن ينسب القرآن بفصاحته وبلاغته ولغته العالية إلى نفسه؛ ليزداد بهذه النسبة قوةً وعظمةً وسيطرةً في قومه، وليتيه على خصومه بأنه صاحب هذا النص المدهش الذي تحدى به فصحاء العرب وعيّرهم بقصورهم وعجزهم عن الإتيان بمثله؟! نحن نعلم أن من الأدباء والمفكرين والكتاب من يعتدي على آثار الغير ويسرقونها وينسبونها إلى أنفسهم فيما يسمى «السرقات الأدبية»، لكننا لا نعلم أبداً أن أحداً من الشعراء أو الكتاب تبرأ من قصيدة رائعة قالها أو نص بديع كتبه ثم نسبه إلى غيره، فلو كان محمد - صلى الله عليه وسلم - هو الذي ألف القرآن الذي تحدى به أكابر الشعراء والبلغاء والخطباء، أكان يعقل أن ينسبه إلى غيره وهو الذي كان في أمس الحاجة - يومئذ - إلى عمل كهذا يدفع به تحديات الخصوم والأعداء؟

ومن إعجاز القرآن أيضا أنه تصدى لفرية أخرى زعم فيها المستشرقون أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - اقتبس القرآن من التوراة والإنجيل ومن علماء أهل الكتاب من اليهود والنصارى المتفرقين في شبه جزيرة العرب في خيبر ويثرب ونجران.. لافتاً الأذهان إلى أن لغة التوراة والإنجيل - في ذلكم الوقت - لغة أعجمية، بينما لغة القرآن في أعلى درجات لغة العرب من حيث الفصاحة والبلاغة، فكيف يزعم أن القرآن العربي كان مزيجاً وأخلاطاً من نصوص أعجمية؟!

ولو أن محمداً كان يعلم العبرية أو اليونانية أو الآرامية لكان لمثل هذا الزعم شيء من الوجاهة، لكنه - صلى الله عليه وسلم - أمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة في لغته الأم، فكيف بالقراءة والكتابة في لغات أخرى لم يعرفها هو ولا قومه في مكة وما حولها؟

وأذكر أنني قد تباحثت مع عدد من المستشرقين الفرنسيين حول هذا الموضوع، وسألتهم: متى ظهرت أول ترجمة عربية للتوراة والإنجيل؛ لأعرف هل كانت هناك ترجمة عربية لهذين الكتابين أيام النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وفي حياته، فأجابوني - بعد بحث علمي دقيق - أن أول ترجمة عربية للتوراة والإنجيل ظهرت بعد وفاة محمد عليه الصلاة والسلام بمئة عام على الأقل.. وهكذا تأكد لي سقوط هذه الأسطورة التي لا تزال دوائر بعض المستشرقين - حتى يومنا هذا - ترددها، وقد سبق القرآن الكريم إلى تقرير هذه الحقيقة العلمية بأكثر من ألف سنة على الأقل؛ وذلك في قوله تعالى: «ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين» (النحل: 103).. ثم تذكرت قول الله - تعالى - لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم: «قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون» (يونس:16)، «وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون» (العنكبوت 48).

د. أحمد الطيب
} شيخ الأزهر رئيس مجلس حكماء المسلمين