الحديث في القرآن لا ينتهي، وقد فَسَّره الرسول بسلوكه أكثر مما فَسَّره بقوله المباشر في معناه . وكان خُلقه تفسيراً للقرآن لقد كان لكم في رسول الله أُسوةٌ حسنة . . وفسره صلى الله عليه وسلم بأحاديثه الكثيرة عن طريق غير مباشر أكثر مما فسره بطريق مباشر، وكانت حياته كلها، قولاً وصمتاً، حركة وسكوناً، تفسيراً للقرآن، وسار الصحابة على منواله بقدر استطاعتهم . يستهدون بالقرآن، ليكون القرآن ما استطاعوا خُلقهم .

كانوا يعملون بالقرآن، ويتخذونه إماماً وقائداً، وهداية عملية، حتى إن بعضهم ما كان يجاوز في الحفظ السورة إلى غيرها إلا إذا حقق ما فيها من أوامر وانتهى عما فيها من نواه . فقد اتخذوه دستورهم في الحياة، وطبقوا قواعده والتزموا مبادئه: من صدق في القول، وإتقان في العمل، وجهاد في الحياة .

لأن الشرق العربي والعالم الإسلامي، ينبغي أن يرقى ويتطور، كانت الحاجة إلى مصدر الهداية ومنبع القوة، وكان هذا هو الباعث لأن يتجه فكر الدكتور عبد الحليم محمود (شيخ الأزهر الأسبق) إلى القرآن، حينما طُلب منه ذات يوم أن يؤلف كتاباً ليُنشر في شهر رمضان المبارك . ولكن واجهته مشكلة في صورة سؤال: عن أي زاوية من زوايا القرآن يتحدث؟

وحالما بدأ التفكير في الموضوع، بدت أمامه الآية القرآنية: اقرأ باسم ربك الذي خلق كمنهج حياة، موحية، موجهة . وسار على هديها مستلهماً، فهي أول آية نزلت في القرآن، وهي ثرية المعاني، وبها يبتدئ الوحي وقوله تعالى: اقرأ باسم ربك الذي خلق . وهو المادة الأولى من الدستور الإسلامي غني بالمعاني، ثري بالتوجيهات، ويبتدئ بكلمة: اقرأ، أي أنه يأمر بالقراءة التي هي من أهم وسائل العلم والمعرفة، إن لم تكن أهمها . ويتسم الإسلام في أول لحظة زمنية من حياته وبأول كلمة فيه بسمة العلم، وتتوالى الآيات بعد ذلك مُوضحة ومؤكدة هذه السمة، جاعلة منها طابعاً وشعاراً .

فضل العلم

إذاً فإن الآيات الأولى التي نزلت من القرآن في الليلة المباركة قد أمرت بالقراءة مرتين، وذكرت مادة العلم ثلاث مرات، وذكرت القلم، وأما الآيات التي نزلت بعد فترة الوحي، فقد بدأت بحرف من حروف الأبجدية: نون، وتضمنت أول قسم أقسم به الله سبحانه في القرآن، وكان هذا القسم بالقلم: ن، والقلم وما يسطرون . وتتوالى الآيات القرآنية في فضل العلم، وفى الحث على التعلم، وتمجيد العلماء . وقد أمر الرسول الكريم أن يلجأ إليه متضرعاً داعياً وقل رب زدني علماً . وهذا الدعاء يُعد من أروع الأمثلة في التربية، لأنه يبين أن الإنسان، مهما بلغت به المنزلة، ينقصه الازدياد من العلم، والعلم في النظرة الإسلامية من وسائل تثبيت الإيمان، وزيادته، وتقويته إنما يخشى الله من عباده العلماءُ . وإذا كان الله سخر لنا البحار والأنهار والجبال والشمس والقمر والكواكب، وسخر لنا الكون كله، ولأجل أن نصل إلى السيطرة عليه باكتشاف القوانين الطبيعية . منح الله الإنسان العقل ليكتشف به ما يهيئ له الخلافة في العالم المادي، المحسوس حيث يكتشف النواميس المحكمة ليطوع الكون كله، في أعماق البحار ومجالات الجو . إن عالم التشريح يرى الدقة في الصنع والإحكام، وعالم الفلك يشاهد بمرصده ويتصور بذهنه هذه السعة الشاسعة المذهلة للكون، وإن العلماء ورثة الأنبياء .

وهكذا يستمر الإمام الأكبر في طرح خواطره وتصوراته عن المادة الأولى من الدستور الإسلامي، متدفقاً في تفسيره وقراءته، مُستهدياً بالقرآن، مسترشداً به في مجالات عدة .

إن كتاب القرآن في شهر القرآن للإمام الأكبر، الدكتور عبد الحليم محمود، الذي أصدرته دار المعارف بمصر في 176 صفحة ويحتوي على فصول وخاتمة، يعتبر خطوة في سبيل إيضاح الطريق إلى نهج الصدر الأول في الاستهداء بالقرآن عملياً ، سواء كان عبادة أو ضرباً في الأرض، بادئاً بالعلم وهو أساس الحضارة والبعث والنهضة، حيث لا تنهض أمة لم تتخذ العلم أساساً من أسس نهضتها . ولما كان الكتاب عن القرآن الكريم، وكان الحديث عن أول آية نزلت منه، فقد تحدث فضيلته عن فضل القرآن ، واستفاض في بيان أوصافه من القرآن نفسه . فتعبيره كله توجيه للمسلم وبيان له عن مصدر هدايته .

الذكر والدعاء

ولأن شهر رمضان المبارك: شهر الذكر والدعاء، فقد تدفق قلم المؤلف في موضوعهما ، لأنهما من أهم وأصدق مظاهر التعبير عن العبودية لمالك الملك، وفيهما الاستغناء عمن سواه، وإذا حقق المسلم العبودية لله، فإن الله يتكفل بنصره إن تنصروا الله ينصركم .

وجاء الفصل الأول عن بداية الوحي، فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح . وقد كان يخلو في غار حراء، ليتعبد فيه الليالي قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك؛ حتى جاءه الحق وهو في الغار، إذ جاءه الملك، فقال له: اقرأ، ثلاث مرات، وهو يرد عليه: ما أنا بقارئ؛ إلى أن قال له: اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم ؛ ويعود محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، إلى بيته مرتجف الفؤاد . وسميت هذه الليلة المباركة ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر في شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هُدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان . وعن هذه الليلة المباركة يأخذ الدكتور عبد الحليم محمود في تدبر آيات القرآن ، متواصلاً مع معانيه العظيمة، موضحاً أنه ينبغي أن يكثر الإنسان المسلم الدعاء في شهر رمضان الكريم (شهر القرآن)، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا تُرد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم، يرفعها الله فوق الغمام، وتفتح لها أبواب السماء . .، وينهي مؤلفنا كتابه بالحديث عن القوانين الثابتة في القرآن الكريم والتي إذا عمل الإنسان على تحقيقها في جانب الخير، وعلى اجتنابها إذا كانت في مجال الشر، فإنه يسعد لا محالة . وهذه القوانين للإنسان وللمجتمع، وما على الإنسان إلا أن يتدبرها في كتاب الله الذي يهدي للتي هي أقوم .

إن القرآن في شهر القرآن رسم لمنهج التدبر في كتاب الله، والعمل على أساس رسالته الدائمة الباقية، إنه كتاب جدير بالقراءة والتأمل في شهر رمضان الذي هو شهر القرآن حيث نزل فيه هُدى للناس .