تختلف الساعات واللحظات الأخيرة في حياة الصحابي الجليل ذي النورين وثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان رضي الله عنه، عن تلك التي مر بها الصديق والفاروق رضي الله عنهما، حيث مر بظروف صعبة وحدث جلل وفتنة عظيمة حاصرته داخل داره لمدة كبيرة من الزمن، ومنع المتمردون عنه الماء والطعام، وكان ونيسه - رضي الله عنه وأرضاه - في هذه المحنة القرآن الكريم والصيام. فيروى عن زوجته السيدة نائلة بنت الفرافصة أنها قالت له يوم مقتله: أفطر، فنظر رضي الله عنه من النافذة، فوجد الفجر قد لاح، فقال: إني نذرت أن أصبح صائماً.
فقالت السيدة نائلة: ومن أين أكلتَ ولم أرَ أحداً أتاك بطعام ولا شراب؟ فقال رضي الله عنه: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم اطّلع عليّ من هذا السقف، ومعه دلو من ماء، فقال: اشرب يا عثمان. فشربت حتى رويت، ثم قال: ازدد. فشربت حتى نهلت، ثم قال صلى الله عليه وسلم لعثمان رضي الله عنه: «أما إن القوم سينكرون عليك، فإن قاتلتهم ظفرت، وإن تركتهم أفطرت عندنا». فاختار رضي الله عنه لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لشوقه إليه، ولِيَقِينِهِ بأنه سوف يلقى الله شهيداً ببشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم له.
«أسألك الصبر على بليتي»
ويذكر الدكتور سيد بن حسين العفاني في كتابه «أحوال الطيبين الصالحين عند الموت»، أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان قال حين طعنه الغادرون والدماء تسيل على لحيته: «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم إني أستعينك على جميع أموري وأسألك الصبر على بليتي». وقيل: إنه عندما وصل المتمردون إلى الدار ليقتلوه كان عثمان بن عفان جالساً في حجرته يقرأ في كتاب الله، وقد بلغ قوله تعالى: «الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل». وحين أصابت إحدى ضرباتهم الآثمة كفه لم يزد على أن قال: «والله إنها لأول يد خطت المفصل وكتبت آي القرآن». وحين رأى دماءه تتفجر طوى المصحف حتى لا تطمس الدماء بعض آياته ثم ضمه وهو يسلم الروح إلى صدره. وعن مسلم أبي سعيد مولی عثمان قال: «إن عثمان بن عفان رضي الله عنه أعتق عشرين مملوکاً له، ودعا بسراويل فشدها عليه، ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام، وقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم البارحة في المنام ورأيت أبابکر وعمر، وإنهم قالوا: اصبر، فإنك تفطر عندنا القابلة. ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه فقُتل وهو بين يديه».
الحسن يعرض المؤازرة
ودخل عليه - وهو محصور - الحسن بن علي وعليه سلاحه فقال: يا أمير المؤمنين، ها أنذا بين يديك فمرني بأمرك. فقال له عثمان: «يا ابن أخي. إن القوم ما يريدون غيري، ووالله لا أتوقی بالمؤمنين، ولكن أوقي المؤمنين بنفسي». فقال له أبو قتادة: يا أمير المؤمنين، إن كان من أمرك كون، فما تأمر؟ قال: «انظروا ما أجمعت عليه أمة محمد، فإن الله لا يجمعهم على ضلالة. كونوا مع الجماعة حيث كانت». وقال بشار بن موسى العجلي: فحدث به حماد بن زيد، فرق، ودمعت عيناه، وقال: رحم الله أمير المؤمنين، حوصر نيفاً وأربعين ليلة، لم تبد منه كلمة يكون لمبتدع فيها حجة.
وصية عثمان
ويروي أبوبكر عبدالله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب «المحتضرون»، أنه «عندما ضرب عثمان رضي الله عنه كان يقول: اللهم اجمع أمة محمد، اللهم اجمع أمة محمد، اللهم اجمع أمة محمد، ثلاثاً». وقال هارون بن يحيى السلمي، عن شيخ من ضبة: إن عثمان جعل يقول حين ضرب والدماء تسيل على لحيته: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)، (سورة الأنبياء الآية: 87). اللهم إني أستعديك عليهم، وأستعينك على جميع أموري، وأسألك الصبر على ما ابتليتني.
ويقول الحافظ أبوسليمان محمد بن عبدالله في كتاب «وصايا العلماء عند حضور الموت»: «عن العلاء بن الفضل عن أبيه قال: لما قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه فتشوا خزائنه فوجدوا فيها صندوقاً مقفلاً، ففتحوه فوجدوا فيه حقة فيها ورقة مكتوب فيها: هذه وصية عثمان بن عفان: بسم الله الرحمن الرحيم، عثمان بن عفان يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الله يبعث من في القبور ليوم لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد، عليها يحيا، وعليها يموت، وعليها يبعث، إن شاء الله عز وجل».
ويؤكد الإمام جمال الدين أبوالفرج بن الجوزي في كتاب «صفة الصفوة»، أن مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة، ويقال لثماني عشرة خلت من سنة خمس وثلاثين. واختلف في قاتله فقيل: الأسود التجيبي من أهل مصر، وقيل جبلة بن الأيهم، وقيل سودان بن رومان المرادي، ويقال: ضربه التجيبي ومحمد بن أبي حذيفة، وهو يقرأ في المصحف، وكان صائماً يومئذٍ. ودفن ليلة السبت بالبقيع. وعن عبدالله بن فروخ قال شهدت عثمان بن عفان دفن في ثيابه بدمائه، وقيل صلى عليه الزبير وقيل حكيم بن حزام وقيل جبير بن مطعم.