تتكرر الإشارة في القرآن الكريم إلى أنه قد أنزل عربي اللغة ليهدي الناس كافة. الدليل المباشر هنا أن سبحانه قد اختار اللغة العربية لتكون أداته لنشر دينه لبني البشر أجمعين. إن هذا الاختيار المبدئي والتأكيد عليه في مواقع متعددة من آيات القرآن لابد وأن يكون له مغزاه وأن ينطوي على دلالات بالغة الحيوية. هذه الدلالات إذ هي مؤشر على وجود فجوة واسعة بين حالة اللغة العربية عند نزول القرآن وظرفها الحالي، لكنها أيضاً تقدم مفتاحاً للأمل بإمكانية تجسير التباين بين وضع اللغة العربية القائم والطموح القادم. واستناداً إلى مركزية دور اللغة العربية في حياة الأمة، فالقناعة قائمة في أن في هذا التجسير تكمن بذور نهضة الأمة وانبعاثها في مرحلتها التاريخية الراهنة.
فما هي هذه الدلالات؟
ابتداء، يأتي التأكيد على عربية لغة القرآن في الآيات الكريمة متتابعاً وحاسماً. بدايتها يجيء في مطلع سورة يوسف: إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون (يوسف/2). وهذا التأكيد تكرر في العديد من آيات القرآن الكريم في تتابع سوره. (الرعد/،37 النحل/،103 طه/،113 الشعراء/،195 الزمر/،28 فصلت/،3 الشورى/،7 الزخرف/،3 الأحقاف/12).
إن هذه الشواهد القرآنية الصريحة في تأكيدها للموقع المتميز للغة العربية الذي منحه إياها القرآن لابد وأن تحمل في طياتها العديد من المضامين الحيوية، تلك التي نحاول استخلاص أهمها مختصرين في الآتي.
دلالات الاختيار
يكمن مبدئياً في اختيار اللغة العربية لتأتي الرسالة القرآنية بلسانها تشريف لهذه اللغة لم تبلغه من قبلها ولن تبلغه من بعدها لغة أخرى.
لقد كتب لهذه اللغة الخلود المتميز من خلال الاختيار مادامت البشرية قائمة، وسبحانه حافظاً لقرآنه الذي أنزله على رسوله الأمين. (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر/9).
لما كان الإسلام خاتمة الرسالات السماوية، فإن لغة قرآنه أضحت بدورها خاتمة اللغات التي تحمل رسالة إلهية لبني البشر.
وتميز الاختيار هذا للغة يكون منطقياً أن يسري بدوره على حاملها، وهم العرب المتحدثون بها. إن في ذلك تثبيتاً من الخالق الأعلى سبحانه أن هذه الأمة تمتلك من المقومات والسمات ما يؤهلها لحمل الرسالة ونشر الدعوة الجديدة.
مهما تدنى واقع اللغة العربية (كما هي الحالة عليها اليوم)، يبقى مجيئها لغة للقرآن الكريم مرجعية لها وهدفاً يسعى إليه وتعزيزاً لها لمحاولة إعادتها إلى وضعها المتميز الذي كان لها حين النزول.
لا بد وأن يكون للاختيار حكمة. فتلك مشيئة ربانية، وبالتالي فإنه لا يمكن أن يكون عشوائياً بل مستنداً إلى حقيقة دافعة وهي أن اللغة العربية ذاتها قد بلغت المرحلة العليا من النضوج أضحت فيها قادرة على الإفصاح بقدرة وكفاءة عن كلام الله كما أراده سبحانه وبمستوى يبلغ الإعجاز الذي احتواه كتابه، شكلاً ومضموناً. إذن النوع المتميز للغة العربية في معرض النضوج الذاتي هو الذي أعطاها الأفضلية في المقارنة بين اللغات الأخرى وبالتالي أفرد لها موقعها في الاختيار الرباني.
مستوى الإدراك اللغوي
رغم أن القرآن الكريم قد ورد بلغة عربية فصحى بالغة الرفعة والإعجاز، ولكن ذلك لم يحل دون فهمه وإدراك معانيه وفحواه لعامة الناس حينها. وهذا دليل قاطع على أن اللغة العربية الرصينة كانت لغة العامة وكذلك لغة الخاصة. فهي اللغة المتداولة في مفرداتها والتي يفهمها ويستوعبها الجمهور دون تكلف أو واسطة. وأنه الدليل أيضاً على وحدة البنية اللغوية بين المكتوب والمتحدث بها.
وتعميقاً لهذا البعد، فلقد ضرب صاحب الرسالة الكبرى الرسول الأمين المثل الأعلى، استناداً إلى حقيقة كونه أٌمياً. فإن يكن سيد الخلق ملهماً بالروح الإلهية ومزوداً بها لتمكينه من فهم معاني القرآن، فإن هذه الصفة المختارة لم تتوفر لبقية الناس لكي تساعدهم على إدراك كنه كلمات الرحمن في قرآنه. إن هذه المقارنة بحد ذاتها تؤكد المستوى المتميز للمعرفة باللغة العربية الذي كان فيه العرب عند نزول الرسالة السماوية في قرآن عربي اللغة.
قبيل نزول القرآن كانت اللغة العربية السائدة تمثل لدى أهلها قمة التعبير عن الذات والوجدان والوجود. فهي رمز الهوية، ومصدر الفخر والكبرياء، وملهمة الانتماء، ووسيلة العطاء والإغناء. ولنا في المعلقات الشعرية شاهد حي لما مثلته اللغة في موقعها المتميز، تأكيداً لواقع قائم وهو أن الشعر ديوان العرب. غير أن مجيء القرآن بما انطوت عليه لغته من بلاغة ورفعة دفع باللغة العربية إلى مستويات عليا ما كان لها أن تطالها دونه. ولقد أدى هذا إلى تعزيز الروابط وجعلها أعمق وأكثر وثوقاً بين اللغة وأهلها. فتعاظم الارتباط بها والإحساس بالعزة لهذا الرقي اللغوي الجديد الذي ينتمون إليه.
قبول الدعوة الإسلامية
مما لا ريب فيه أن نزول القرآن بالصورة التي حصلت وبلغة هي القمة في البيان عمق الشعور بالانتماء لدى العرب أهل الجزيرة العربية حينها، كما كان عاملاً حيوياً في جذبهم إلى الدين الجديد وقبول دعوة نبيه الأمي. فلقد بهرهم إعجازه في لغته كبعض من مجمل معجزاته، وفي المقابل ملأ قلوب المشركين بالرهبة منه دافعاً بهم إلى محاولة منع ذكره. ولنا في إسلام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشاهد الحي على الكيفية التي لامست فيها لغة القرآن البشر كأنه القدر.
والحالة موضوع البحث تقدم الدليل النموذجي على العلاقة بين القرآن الكريم كمضمون مركزي لغاية الدعوة الإسلامية وبين اللغة العربية كوسيلة إليها. فالثابت من العديد من الشواهد أنه ما لم يحصل تناغم بين الوسيلة والغاية، فإن النتيجة إما أن تكون فشل الوصول إلى الغاية أو الإحباط من عقم الغاية ذاتها. إن الذي حصل فعلياً في حالتنا القائمة هو أن الانسجام المتميز بين الغاية والوسيلة كان مطلقاً: فالوسيلة مكنت غايتها من بلوغ مداها، والغاية رفعت وسيلتها إلى مستواها. وفي كلتا الحالتين تعزز الانجذاب إلى الدين الجديد، اعتزازاً به من حيث واسطته اللغوية، وإيماناً به من حيث المضمون والغاية.
متطلبات القرار
ومن بعد هذا، جدير بنا أن نتساءل: هل يمكننا أن نستقي عبرة معاصرة نستوحيها مما فات لكي تسعفنا على بيان حالة أمة في إنسان غمرته الأحزان والمعاناة؟
الحقيقة الكبرى التي تتبدى من مقارنة وضع اللغة العربية بين ماضيها وحاضرها أنها قد تحولت من حالة خصب إلى ظرف جدب. فوضعها الراهن بالتأكيد يأتي مختلفاً عما كانت عليه وفي العديد من المواقع. فهي اليوم لغة الخاصة وليست لغة العامة، تتسع الفجوة فيها بين حالتيها المكتوبة والمتحدث بها، تملأها الشوائب الأعجمية، ثم ينحسر استخدامها كلغة علم ومعرفة.
مجازاً، يمكننا أن نصف اللغة بكونها ثقافة في حالة حركة. وهي في تلك الحالة لا تأتي من فراغ إنما تتشكل في محيط مجتمع معروف الخصائص والسمات. عندها يمكن القول بإمكانية احتوائها في ثنائية مترابطة: فهي إفراز لحركة المجتمع، وفي الوقت ذاته تشكل أداة لتحريكه من خلال ثقافته. وفي كلتا الحالتين تتحيد إمكانية عزل اللغة عن مرحلة التطور التي يعيشها أهلها المتحدثون بها لأنها تمثل جزءاً عضوياً من وجودهم. وهنا نقف مباشرة عند تجارب تاريخية بليغة في معرض المحاكاة بين اللغة وتطور المجتمع، أي بين التطور المادي والثقافي. ومن تلك العبر أن التطور يظهر وجود فجوات واضحة في مساره بين التقدم المادي السابق والتطور الثقافي اللاحق، وكأن الأول في توسعه يمهد الطريق أمام الثاني في تفتحه. هكذا كان الأمر بالنسبة للحضارة اليونانية حيث ازدهرت الثقافة والعلوم المعرفية في فترة متأخرة كان فيها التقدم المادي قد تجاوز قمته مُتجهاً نحو الانحسار. وما يشابه الظرف ذاته تكرر لدى الرومان. وكذلك لم يشذ تطور الحضارة العربية الاسلامية عن ذلك حيث برز العطاء المعرفي والإبداعي في فترة متأخرة ولاحقة للتطور المادي، كما حصل في عهد المأمون حينما كانت علامات التراجع المادي وضعف السيطرة المركزية للدولة قد بدأت تتعاظم في جسم الحضارة العباسية.
واقع الأمة العربية الراهن يشير بوضوح إلى غياب القدرات على الإنتاج المادي الذاتي والذي يأتي مترافقاً مع انحسار ثقافي يصل إلى مستوى الهامشية. فكلاهما قد فقد أصالته الذاتية وأضحى في معظمه ترديداً روتينياً للسيل المتدفق من الخارج. وفي خضم هذا الانحسار، أُهمل الدور الفاعل للغة العربية الذي بات هو الآخر هامشياً في تأثيره على حركة المجتمع. إن هذه الصورة لحالة اللغة العربية يحكمها ظرف صارخ في تناقضه بين دورها المتميز تاريخياً والدور المطلوب منها راهناً. فوضعها الحالي يشكل بالفعل إساءة غير مقبولة لها في أطر هذا الدور، وبالتالي يصبح مجافياً لمسؤوليتها تجاه ذاتها وكذلك تجاه عموم الإنسانية لكونها حاملة رسالة سماوية.
بالمقابل، فإن الظرف الراهن للغة العربية ذاته يقدم حالة لا تغيب عنها الإثارة. فرغم ما تواجه من عوامل تسعى حتى إلى إلغاء وجودها، مازالت تفرض نفسها لغة للهوية القومية وبالتالي رمزاً للتراث العربي الإسلامي. إن في ذلك الدليل على الحيوية الكامنة في اللغة العربية والتي ترفق الرضوخ الأمر الذي يجعل من حتمية التغيير الجذري خياراً لا خيار فيه.
وفي غمار الموجة العولمية الجارفة وتأثيرها الطاغي على البعد المادي للتطور، فإن إمكانات التغيير تجد أفضل فرصها الفاعلة في إطار المسار الثقافي واللغة هي رائدته. وهنا يكمن جوهر المنطلق المطلوب: فالحاجة الحرجة تفرض حتمية التوجه نحو البدء بعملية تستهدف إحياء للغة العربية وعلى الصعد كافة بما فيها المناهج التعليمية، حقوق المعرفة العلمية المختلفة، قطاع الأعمال، ثم الترجمة بضمان مواكبتها للتطورات العلمية والمعرفية الخارجية. وتلك مسؤولية تقع على عاتق الجميع الأمر الذي يستوجب المشاركة الكلية لأنها تشكل مرتكز البدء باسترجاع حيوية الحياة الدافعة للأمة للقادم من سنوات وجودها. وإمكانات التحقيق ها هنا قائمة. وكل ما تحتاجه لكي تكتسب زخماً هو القناعة والاختيار، ثم الإرادة في القرار. وفي ذلك شرط للنهضة وبداية المسار.
التحدي الشامل
حينما اختيرت اللغة العربية واسطة الرحمن لمخاطبة عباده، تجسد في هذا الاختيار وفي آن واحد التميز والتحدي. وقد جاء التحدي كاسحاً وقاطعاً في بيانه مستهدفاً صميم الوجود العربي ممثلاً بلغته، كما تجود في بيانه الآيات القرآنية:
(وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله) (البقرة/23).
(أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) (هود/13).
(فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون) (الدخان/58).
(ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين) (الأحقاف/4).
(هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) (الجمعة/2).
(أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) (النساء/82).
إذن الإشارة واضحة في ظاهر ومضمون التحدي. فهذا التحدي لم يقتصر على كمال البناء وجمال اللغة ويسرها الممتنع فحسب، بل تعداه في رمزية بليغة في واقعة أن حامل الرسالة كان أٌمياً بين قومه. إنه التحدي الشامل كيفما نظرت إليه ومن أية جهة تلمسته.
e-mail: [email protected]