يقول الله تعالى: «أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً».
تذكر كتب التفسير أن قرآن الفجر في هذه الآية الكريمة هي صلاة الفجر، وسميت قرآناً لأن من أركانها قراءة القرآن، كما سميت مشهودة لبيان فضلها وعظيم شأنها وكبير أجرها، فهي في وقت يصعب على الإنسان القيام فيه من نومه الهنيء ودفء فراشه المريح، لكن المؤمنين تتجافى جنوبهم عن المضاجع اللينة ويستيقظون في أعماق الليل متقربين لخالقهم بالدعاء، والصلاة.
وسميت صلاة الفجر مشهودة كذلك، لأنها في وقت يكون الإنسان فيه على أحسن حال، بعد نومه بالليل وراحة بدنه وعقله وأعصابه وسمعه وبصره من متاعب النهار ومشاغل الحياة، فالإنسان يستعيد في وقت النوم قواه البدنية والعقلية والعصبية، فيصفو عقله وتهدأ أعصابه وتتجدد خلايا بدنه، فيتجدد نشاطه وحيويته بعدما كف لفترة مناسبة عن الحركة والتفكير وقضى الليل في هدوء وسكون، ولا شك أن الذهن المستريح يكون أكثر استعداداً للفهم والخشوع من الذهن المرهق بالعمل، وليس من المعقول أن تكون حال العقل والجسم قبل النوم كحالهما بعد استغراقهما في نوم عميق طويل.
ويأتي دور العلم الحديث ليلقي بعض الضوء على الإعجاز القرآني في دعوته إلى الاستيقاظ المبكر فيبين جانباً من الفوائد التي يجنيها الإنسان بيقظة الفجر، ويكشف عن المزيد من معنى آية كريمة حجبه أولاً ذلك النطاق العلمي الضئيل المعروف عند عرب الجاهلية. وما تكذيب الكفار للقرآن وقت نزوله إلاّ لأنهم اعتزوا بما علموا، وما أتفه علمهم آنذاك. فعدّوا كذباً كل ما لم يتفق مع علمهم، فشهد القرآن الكريم بجهلهم وعاب ذلك عليهم في قوله تعالى: «بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله...»، ويمكن إجمال رأي العلم في بيان فوائد يقظة الفجر وبركة البكور فيما يأتي:
تكون أعلى نسبة لغاز الأوزون في الجو عند الفجر، وتقل هذه النسبة تدريجيا حتى تضمحل عند طلوع الشمس، ولهذا الغاز في حدود النسبة الطبيعية المقدرة له تأثير مفيد للجهاز العصبي، ومنشط للعمل الفكري والعضلي، بحيث يجعل الإنسان في الصباح الباكر في ذروة نشاطه الفكري والعضلي، ولعل الإنسان قد استطاع بخبرته العملية أن يستشعر نشوة لا مثيل لها عندما يستنشق نسيم الفجر العليل.
تكون نسبة الأشعة فوق البنفسجية القادمة مع أشعة الشمس أكبر ما يمكن عند الشروق، وهي الأشعة التي تحث الجلد على تكوين فيتامين»د»، اللازم لنمو العظام وتقويتها. والاستيقاظ الباكر يتيح للإنسان الفائدة القصوى من هذه الأشعة بالاستعداد لاستقبالها، ناهيك عن منظر شروق الشمس ذاته وما يبعثه لون الأشعة المائل إلى الحمرة من إحساس جميل في النفس.
تبين أن النوم على وتيرة واحدة لساعات طويلة يعرض الإنسان للإصابة بأمراض القلب، لأن النوم ما هو إلا حالة سكون يؤدي استمرارها طويلاً إلى ترسيب المواد الدهنية على جدران الأوعية الشريانية، ولا شك أن الاستيقاظ الباكر وقطع النوم الطويل فيه وقاية للإنسان من أمراض الأوعية الدموية.
من الثابت علمياً أن أعلى نسبة للكورتيزون في الدم تكون وقت الصباح، وأقل نسبة تكون في المساء، ومن المعروف أن الكورتيزون يزيد من فاعليات الجسم وينشط أجهزته لعملية التمثيل الغذائي بوجه عام.
وإذا ما أضفنا هذه الفوائد إلى تلك التي يجنيها المسلم من الوضوء والصلاة، نجد أن حكمة الإسلام لا مثيل لها في دعوة الإنسان إلى الاستيقاظ مبكراً، حيث تكون إمكاناته الذهنية والنفسية والعضلية على أعلى مستوى.
النائب السابق لرئيس جامعة القاهرة
[email protected]
القرآن.. ومكاسب الاستيقاظ المبكر
28 يوليو 2017 05:10 صباحًا
|
آخر تحديث:
28 يوليو 05:10 2017
شارك
د. أحمد فؤاد باشا