كل قارئ واع للقرآن الكريم، يعلم علم اليقين أنه جاء بجملة من المبادئ السامية والآداب الكريمة والهدايات الرفيعة لتنظيم الحوارات والخلافات والمناظرات بين الناس بشكل يجعلها تحقق أهدافها، في إطار من المنطق السليم والفكر القويم والجدال بالتي هي أحسن .
يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة الإسراء: وَقُل لعِبَادِي يَقُولُواْ التِي هِيَ أَحْسَنُ إِن الشيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِن الشيْطَانَ كَانَ لِلإنسان عَدُوّاً مبِيناً .
حول سبب نزول قوله تعالى: وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن . . . يقول القرطبي في تفسيره: نزلت هذه الآية في عمر بن الخطاب، وذلك أن رجلاً من العرب شتمه، وسبه عمر وهم بقتله، فكادت تثور فتنة، فأنزل الله فيه: وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن .
والمعنى: قل أيها الرسول الكريم لعبادي المؤمنين أن يقولوا عند محاورتهم لغيرهم الكلمة التي هي أحسن، والعبارة التي هي أرق وألطف، وذلك لأن الكلمة الطيبة تزيد في المودة التي بين المؤمنين، وتكسر حدة العداوة التي بينهم وبين أعدائهم .
قال تعالى: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم.
مجادلات موسى وفرعون
لقد علمنا الحق سبحانه في العديد من النصوص القرآنية الواضحة، ضرورة أن يقوم الحوار بين الناس على الصدق وتحري الحقيقة، بعيداً عن الكذب والسفسطة والأوهام، وساق لنا الحق سبحانه ألوانا من المحاورات التي دارت بين الرسل وأقوامهم، وبين المصلحين والمفسدين، وعندما نتدبرها نرى الأخيار فيها لا ينطقون إلا بالصدق الذين يدمغ الأكاذيب، وبالحق الذي يزهق الباطل . . والأمثلة كثيرة ومتنوعة في كتاب الله من بينها المحاورة التي تمت بين سيدنا موسى عليه السلام وأخيه وبين فرعون اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى، وقد تعددت صور ومراحل هذا الحوار، وانتهى بانتصار الحق على الباطل، والصدق على الكذب، والخير على الشر، والعدل على الظلم، والصراحة والوضوح على الالتواء والخداع، ففي كل ما رد به موسى على فرعون لا نرى إلا الصدق الذي لا يحوم حوله كذب، وهذا الصدق إنما هو وليد نفس طاهرة نقية من الغل والحسد، وصادر من قلب سليم لا يعرف الغش أو الخداع، ونابع عن عقل راشد استطاع بعون الله تعالى وتأييده أن يكشف بفطنة وذكاء وحكمة عن باطل فرعون وغروره وصلفه ومزاعمه الكاذبة .
ومن حوارات ومناقشات ومجادلات سيدنا موسى مع فرعون، والتي سجلها القرآن الكريم يتضح لنا أن الحوار البناء الذي يقصد به الوصول إلى الحق والعدل ومكارم الأخلاق، هو الذي يكون لحمته وسداه الصدق في القول، والعفاف في السلوك . . أما الكذابون والجهلاء والسفهاء وأصحاب الهوى والمصالح الخاصة، والذين امتلأت قلوبهم بالحقد والجبن والغرور . . فهم الذين يجادلون غيرهم بالباطل، ويكابرون من دون حجة أو دليل، ولا يقيمون دعاواهم إلا على الكذب والغرور والبهتان والزور .
التزام الموضوعية
كذلك علمنا القرآن الكريم ضرورة التزام الموضوعية في الحوار عن طريق إبراز الدليل الناصع والبرهان الساطع والمنطق السليم، وهذا هو منهج القرآن الذي تجلى لنا فيما ساق من حوارات ومجادلات وخلافات دارت بين الرسل عليهم السلام، وبين أقوامهم فقد حكى لنا القرآن الكريم ما قاله قوم نوح عليه السلام وما رد به عليهم فيقول: قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين فيرد عليهم بقوله: قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين، أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله مالا تعلمون .
وقوم هود يقولون له: وإنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين، فيرد عليهم بقوله: قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين، أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين .
وأعداء الحق جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من القضايا، وساق القرآن شبهاتهم بأمانة، وردود الرسول عليهم بما يقطع الشبهات، وكانت هذه الردود منتزعة من واقع كلامهم، ومن دون أي خروج عن موضوع الخلاف بينه وبينهم . . ومن هذه الحوارات والمجادلات التي دارت بين رسولنا الكريم وأعداء دين الله قوله سبحانه: وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالا تعلمون .
أيضاً قوله سبحانه: وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله مالا تعلمون، بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .
الحوارات السابقة وحوارات أخرى كثيرة دارت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والجاحدين لرسالة الحق، ذكرها لنا القرآن تؤكد أن العقلاء دائماً عندما تتضح لهم الحجة، ويظهر لهم البرهان ويرون الدليل الساطع على صحة المسألة يقتنعون بذلك ويعترفون بالحق، أما السفهاء والجهلاء والمغرورون، فإنهم يصرون على باطلهم ويجحدون الحق عن علم به، لسوء نواياهم، وضعف عقولهم، وانطماس بصائرهم .
القرآن وحرية الرأي
والقارئ للقرآن الكريم بتدبر، يتأكد أنه أرسى مبادئ حرية الرأي والتعبير، وجعلها فريضة على الإنسان ويرفض ما يسمى بالتبعية الفكرية والتقليد الأعمى .
والحرية الفكرية التي جاء بها القرآن لا تعني إشاعة الفوضى بين الناس ومصادرة حق الآخرين في الخلاف والنقاش، بل هي تعني ضرورة إفساح المجال أمام الآخرين للتعبير عن آرائهم ووجهات نظرهم من دون مصادرة لقول إنسان أو إساءة إلى شخصه . . فالقرآن يعلم كل من يتحاور ويتناقش أن يفسح المجال أمام المناقش، لكي يعبر عن رأيه بحرية ويرد على المخالف له بأسلوب مهذب وبمنطق سليم، وبأدب جم، وبحرص تام على تبادل الاحترام فيما بين المتحاورين والمتنافسين والمتجادلين .
وقد ترجم فقهاء الإسلام الموقف الحضاري للقرآن من حرية الفكر والرأي والإبداع إلى سلوك عملي في أقوالهم وكل ما صدر عنهم من اجتهادات، فلم يتشبث واحد منهم برأيه أو اجتهاده، بل كان التواضع هو سمة حواراتهم، والكلمات المهذبة الراقية هي أدواتهم، والوصول إلى الحقيقة هو هدفهم . . ولذلك رأينا أحد الفقهاء الكبار يقول: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، ونتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه .
يقول المفكر الإسلامي، الدكتور محمود حمدي زقزوق، وزير الأوقاف المصري الأسبق: حرية التفكير والتعبير تربية قرآنية، وهي مكفولة في القرآن بلا حدود، فالله سبحانه وتعالى جعل من خصائص العقلاء أنهم قوم يتفكرون، ويعقلون وعاب القرآن الكريم على الذين يعطلون قواهم العقلية والحسية عن أداء وظيفتها فجعلهم في مرتبة أحط من مرتبة الحيوانات . . والقرآن الكريم يشتمل على عشرات الآيات التي تحض على العلم وتعلي من شأن العقل، وتجعل من عمارة الأرض تكليفاً إلهيا للإنسان، ومن التفكير واجباً دينياً، فالبحث العلمي مطلوب وحرية التعبير مصانة، طالما كان ذلك من أجل خير الإنسان .
وثقافة حرية الفكر والتعبير والإبداع التي رسخها القرآن لا تعني أبدا التطاول على العقائد والشرائع السماوية . . فكل أمة لها معتقداتها التي تسري في كيانها، ومقدساتها التي تعتز بها، وقيمها التي تحرص عليها . . ولذلك لا يجوز لأحد مهما كان علمه وفكره واجتهاده أن يتطاول على الثوابت باسم حرية الفكر، أو يحقر من شأن المقدسات بالقول أو بالفعل أو بالسخرية . . فهذا إسفاف مرفوض ويعرض صاحبه للمساءلة والعقاب .