التعامل بالربا ليس جديداً على الأمة العربية اليوم، لأن المجتمع الجاهلي عرفه قبل الإسلام، وكان الربا موجوداً بنوعيه: ربا الفضل وربا النسيئة .
لذلك جاء القرآن الكريم ليقول للناس: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة (الآية رقم 130 من سورة آل عمران) .
وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم ليقول في حجة الوداع: وإن ربا الجاهلية موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تُظلمون، وقضى الله أنه لا ربا، وإن أول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبدالمطلب (رواه البخاري) .
ومعروف أن ربا العباس كان ربا النسيئة وهو الزيادة مقابل الأجل، ولايزال الناس ماضين في التعامل بربا العباس، متجاهلين قول الحق سبحانه: لا تأكلوا الربا .
يستمرون في التعامل بالربا، ويرون بأعينهم كيف تنتقم السماء من الأرض، فيفرحون بالفوائد غير المنطقية التي يجنونها من وراء الأعمال الربوية، ولا يأخذون بعين الاعتبار العقوبات الإلهية التي تنزل على تلك الأموال، فيخسرونها في غمضة عين .
تلك العقوبات يسمونها أزمات اقتصادية عالمية، ولا يفكرون في أنهم لو تورعوا واجتنبوا الربا، لبارك الله في أموالهم وسلمها من بين أموال العالم، وصدق الله إذ يقول: يمحق الله الربا ويربي الصدقات (الآية 276 في سورة البقرة) .
ونلاحظ أن بعض المسلمين اليوم يبرر ما يفعل ويمارس من أعمال ربوية، بأنه يقترض لاستهلاكاته الخاصة، أو أنه يُقرض غيره لاستهلاكه .
ولا يفكر مثل هذا أنه لا فرق بين القرض الاستهلاكي وبين القرض الإنتاجي، والإسلام عندما حرم المسكر لم يفرق بين قليله وكثيره، وكذلك في الربا لم يفرق بين قليله وبين كثيرة .
ثم بعد ذلك إذا كان المطلوب منا نفع الناس، فلماذا لا نمنحهم القرض الحسن الذي شرعه رب العالمين في الدنيا، ونحصد ثمرته في الآخرة؟
فعندما نقرض الناس قرضاً بدافع حاجاتهم الضرورية التي سميناها الاستهلاكية، أليس ذلك القرض استنزافاً لثرواتهم؟
ولا يخفى على الجميع اليوم أن الناس الآن لم يقفوا عند الحاجة والضرورة، فتراهم يقترضون للسفر في الصيف أو ليشتروا سيارة آخر موديل .
أسألك بالله: هل مثل هذه القروض تسمى بالضروريات التي وردت في القاعدة الفقهية: الضرورات تبيح المحظورات؟ أم أن الضرورة هي التي تتوقف عليها حياة الإنسان؟
نعم . . . إن الضرورة تبيح لنا أن نأكل الميتة وهي حرام، وأن نقترض من البنوك الربوية وهو حرام، لكن الضرورة تقدر بقدرها كما تقول القاعدة الفقهية، فلا يجوز أن أقترض من البنك لأبني لي قصراً أنافس به فلاناً، وعندي بيتي الذي ورثته من والدي، يسترني ويسد حاجتي .
كما لا يجوز أن أقترض لأشتري لتنقلاتي سيارة فخمة بنصف مليون درهم، وبإمكاني أن أشتري سيارة بمئة ألف درهم، وهي تؤدي الغرض نفسه .
ثم إن الحاجة إذا حملتك على أن تقترض من البنوك الربوية، وتدفع الفوائد لها مقابل دفعها لك ما أردت، فإن ذلك لا يبيح لك أن تقرض غيرك وتأخذ منه فوائد بحجة أنك محتاج، أو أنك تنفع وتستنفع .
وأعتقد بعد هذا أن الحلال بين وأن الحرام بين، وحتى الأمور المشتبهات صارت واضحة، ولكن قاتل الله الجشع .