القضاء الإداري كان شبه مؤسسة للنظر في شكاوى الشعب ضد رجال الإدارة والحكم في الدولة، أسسها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ونظر فيها علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه)، وشيد لها غرفة بسيطة يرمي الناس من شباكها ظلاماتهم من موظفي الدولة. وقد تبلورت فكرتها في العصر الأموي، فكان عبد الله بن مروان أول من أفرد لها يوماً للنظر في شكاوى المتظلمين من رجال الإدارة.

وفي العصر العباسي، كان أبو جعفر المنصور أول من عين في بغداد موظفاً لهذه المؤسسة، هو الحسن بن عمارة، وفي خلافة المهدي (158 159ه/774 775م)، عين ابن ثوبان في وظيفة المظالم، فكان يجلس للناس بالرصافة يستلم مظالم الناس وشكاواهم من أنحاء القطر كافة، فإذا مُلئ كساؤه رقاعاً رفعها للمهدي لينظر فيها.

ديوان مظالم الشعب

وهناك ديوان مظالم الشعب، وهو مؤسسة قضائية يمارس فيها صاحب المظالم (الخليفة أو الوزير) سلطة قضائية واسعة، تفوق سلطة القاضي، فهي أشبه ما تكون بالقضاء المستعجل، تعالج من خلاله الكثير من تجاوزات المؤسسات الإدارية على الشعب خصوصاً في نطاق زراعة الأراضي، وتوزيع المياه والضرائب على الحرفيين والعمال الصناعيين خاصة.

وقد اندفع الناس الى اللجوء إليها لحسم الكثير من قضاياهم مع رجالات الدولة، اعتباراً من الخليفة نفسه وإلى أصغر موظف للجباية في القرى الصغيرة. والجدير بالملاحظة أن الخليفة العباسي كان لا ينظر فيها بل يحيلها الى أحد قضاته لينظر فيها. وقد حدث مثل هذا مع المنصور والرشيد والمأمون.

يجلس الخليفة في دار الخلافة، في يوم محدد من الأسبوع وخصص المأمون للشكاوى يومين في الأسبوع (الجمعة والأحد) فيعرض عليه صاحب الحوائج مظالم الناس حسب تسلسل استلامها، وهم حضور أمامه، ويستغرق حسمها كثيراً من الوقت. فالطبري يذكر أن الخليفة الهادي كان لم يزل ينظر في المظالم الى الليل. وبعد أن تقرأ عرائض الناس من أولها الى آخرها، يأمر الخليفة بالتوقيع فيها، على شكل هامش، ثم تحرر العريضة بنسختين، تختم الأولى وتدفع الى صاحبها، بينما تبقى الثانية في ديوان المظالم، ليتابع موظف مختص تنفيذ أوامر الخليفة بحق الموظف الذي رفعت الظلامة ضده. وكانت بغداد عاصمة الخلافة العباسية يأتيها الناس من سمرقند، والأندلس والشام، ومصر، والموصل، وسامراء، يشكون مظالمهم للخليفة، من الأمير، من عامل الخراج، ومن القضاة، والشرطة. وانصب كثير من الشكاوى على الوزراء، لتعسف وكلائهم واغتصاب حقوق الناس. وأوامر الخليفة في رفع هذه المظالم لا تقبل غير التنفيذ الفوري.

دار العدل

لقد كان دور هذه المؤسسة خطيراً وحاسماً تصدت فيه الى قضايا خطيرة جابهت المكانة الإدارية للدولة، واستطاعت بما تملك من قوة النفوذ والسلطة التصدي لها وعلاجها بسرعة.

ولذا أطلقت المصادر على المكان المخصص لمجلس (الخليفة) الذي ينظر في مظالم الشعب الموجهة لموظفيه اسم دار العدل.

إلى ذلك، فرض القضاة على بعض الجرائم عقوبات محددة سميت بالحدود، مثل حد السرقة، بينما فرضت على البعض الآخر عقوبات سميت بالقصاص، وترك بعضها بلا عقوبات محددة، حيث ترك تقدير العقوبات والتي تسمى بالتعزيرات للمسؤولين.

وكان فرض هذه العقوبات على مستحقيها مسؤولية كل من القاضي ممثلاً للسلطة القضائية، وصاحب الشرطة ممثلاً للسلطة التنفيذية، فلم يكن في صدر الإسلام والعهدين الراشدي والأموي، فصل دقيق بين السلطتين. لكن الاتجاه العام، ومنذ بداية العصر العباسي صار يميل الى اعطاء الشرطة صلاحيات أوسع في التطبيق وتنفيذ القانون الجنائي بين الناس.

وفي العصر العباسي، عين الخليفة الرشيد علي بن ظبيان العبسي على قضاء العسكر، وصار عرفاً أن تحال الدعوى الى قاضي العسكراذا كان أحد طرفي الدعوى من الجند.

نقابة الطالبين

كذلك كان لأهل بيت الرسول، من آل أبي طالب، قضاء مستقل بهم يتولاه نقيبهم الذي يعينه الخليفة العباسي. ولدينا كتاب عهد بتقليد أبي أحمد الحسين بن موسى نقابة الطالبين في العراق سنة 354ه، ويتضح من هذا الكتاب أن النقيب هو الذي يقضي ويحكم في النزاع بين سائر أفراد الشعب.

وتشير المصادر الى تولية النصارى واليهود الروحانيين مهمة القضاء في السنين الأخيرة من الدولة العباسية بعهد من الخليفة نفسه. فقد تركت لهم الحرية التامة في اللجوء الى القضاء العام، الذي يحتكم له الناس أو الى قضاتهم الخاصين بهم. ويقول المستشرق هلب: كان اليهود والنصارى في العراق يتمتعون بالحرية التامة في العبادة والحياة الخاصة بهم.

كما كانت هناك محكمة تشكل بأمر من الخليفة لمحاكمة بعض كبار المسؤولين في السلطة العليا للدولة، أو لمحاكمة بعض من اتهموا بالانحراف أو المروق عن الدين بشكل يهدد أمن الدولة واستقرار المجتمع.

وكان القضاة في العصر العباسي يسمون قضاة أمير المؤمنين، وهم يولون ويعزلون من جهته مباشرة وصارت الدولة تولي قضاة على جميع المدن تقريباً، بحيث يمكن القول: ان الوحدات القضائية ازدادت بشكل واضح وكبير في ذلك العصر.

ولدينا قوائم بأسماء قضاة هذه المدن تدلل على صحة ما ذهبنا اليه، ذكرها وكيع في أخبار القضاة والخطيب في تاريخ بغداد، والقرشي في كتابه الجواهر المضية في طبقات الحنفية. نذكر منها: بغداد، الموصل، البصرة، بابل، الأنبار، تكريت، هيت، واسط، اربيل.

* أستاذ في الجامعة اللبنانية