يوسف أبولوز
احتاج الإنسان للقماش فاخترعه، ثم «رمّزه»، ثم تاجر به، ثم اخترع قماشاً آخر غير ذلك القماش الفطري، الذي صنعه من ألياف النبات، وفي كل علاقة الإنسان بالقماش لم أعثر على نص يُفيد بأنه عبده، كما عبد الشمس والريح والصنم..؛ لكن القماش الذي جاء بديلاً للجلد؛ كي يستر عري الإنسان، وعورته في الأرض، كان له معادلاً آخر لستر العورة في السماء؛ عندما أكل آدم وحواء من الشجرة، التي حرمها أو نهاهما الله عن الأكل منها؛ لكن الشيطان وسوس لهما بالشجرة، وهكذا سيهبطان إلى الأرض، وقد عرفا ما يسترهما في السماء، ولم يكن قماشاً؛ بل كان ورق الجنة «فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ»(سورة الأعراف، الآية 22).
القماش نقيض العري وساتر جسد الإنسان، ثم فيما بعد سيكون زينته، وفي السماء مرة ثانية، سيكون القماش وعداً إلهياً في الجنة «أولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا» (الكهف، الآية 31)،
والسندس، كما يعرف القارئ، قماش ناعم يعمل منه ثياب كالقمصان ظاهره وباطنه من الحرير، أما الإستبرق فهو كما يأتي في المعاجم قماش غليظ الديباج، وفيه بريق، والعرب عرفت هذا القماش من الفرس.
وفي حين يرتبط القماش باللون الأخضر في النص القرآني، وتالياً سوف ترتبط ثياب القماش الأخضر بالمتصوفة تحديداً، وبعض رجال الدين في الإسلام، فإن القماش باللون الأرجواني هو ثياب الملوك والكهنة والأباطرة، وكانت الثياب المصنوعة من الأقمشة الأرجوانية هي حكر على ملوك الفرس في الفترة من 330 إلى 550 قبل الميلاد،.. ولكن، ماذا تخبرنا الأسطورة، وبخاصة الفينيقية عن مصدر الأرجوان، ومن أين جاء؟، تقول الأسطورة: إن اكتشاف الأرجوان يعزى إلى الإله ملكارت هيراكليس.. في حين كان يتنزه على الشاطئ مع الحورية تيروس، اكتشف كلبه صدفة الموريكس ومضغها، فتلون فكه بالأرجواني. أعجبت الحورية بهذه الصبغة وطلبت من ملكارت أن ينفذ لها ثوباً من هذا اللون الجميل، فطلب الإله جمع العديد من أصداف الموريكس، وتم إعداد الصبغة واللباس القرمزي المطلوب؛ لإرضاء الحورية؛ ولكن أصداف الموريكس هذه التي مضغها كلب الإله ملكارت هيراكليس كم ينبغي الحصول منها؛ لإنتاج صبغ أرجواني، وكم يكلف ذلك من مال ومن وقت، نحن في حاجة إلى 10 آلاف حلزونة بحرية، لكي نستخلص منها جراماً واحداً فقط من صبغة الأرجوان الأصلي، الذي يصبغ ثياب الملوك، وفي مرحلة من مراحل تاريخ القماش الأرجواني كان يحظر على العامة من الشعب خياطة أو ارتداء هذا القماش، وبذلك، فالقماش الأرجواني كان يرمز للسلطة السياسية، وكذلك يرمز للسلطة الدينية، وحتى اليوم نلاحظ أن بعض القساوسة وبحسب مرتباتهم الدينية يرتدون الثياب الكنسية الأرجوانية أو القرمزية.

أرجوان الملوك

اللون الأرجواني الذي يصبغ الثياب الملكية والكهنوتية له، إذاً، امتياز اجتماعي، ومن أجل الحصول على الصبغة الأصلية للأرجوان؛ فلا بد مما يمكن أن يُسمى المغامرة في أعماق البحر؛ للحصول على تلك المحارات أو الصدفات الحلزونية، وإفرازاتها الثمينة التي تعادل في قيمتها المادية والاجتماعية قيمة اللؤلؤ، فمن ناحية لا يستطيع الفقراء شراء قماش أرجواني، ومن ناحية ثانية، لا يستطيع شخص مقتدر عنده المال أن يرتدي قماشاً أرجوانياً؛ لأن رمزية هذا القماش تتصل بالمكانة الاجتماعية والسلطوية لأشخاص بعينهم؛ من أجلهم يجب إبادة 10 آلاف حلزون؛ للحصول على جرام واحد من الأرجوان الأصلي، ولكن الفئة الاجتماعية الواقعة في السلم الطبقي الأدنى تحت الملوك والأباطرة والكهنة، استطاعت من خلال حرفييها القمّاشين والخيّاطين والحاكة أو الحائكين إنتاج أرجوانها الاجتماعي الخاص، وربما استعان القمّاشون بالرسامين الفطريين القدامى، عندما مزج هؤلاء اللون الأحمر (الحار)، مع اللون الأزرق (البارد)، فانتجوا أرجوانهم الشعبي الأقل كلفة مالية من الأرجوان الملكي، وأخذ القمّاشون يخترعون، مع مرور الوقت، الأختام الخشبية ويعملون فيها الحفر الغائرة والحفر البارزة ثم يطبعون على القماش صوراً ورسومات وزخرفات ستكون موضع إعجاب النساء، وبشكل خاص المبهورات عادة بالألوان والقماش والذهب.
إن هذه الأختام الخشبية التي عرفتها الحضارة الفينيقية منذ فجر التاريخ، وكما يقول الفنان والباحث التشكيلي د. محمود شاهين «مصنوعة من خشب الأجاص والبلوط، والجميز، والصفصاف والزيزفون..»؛ لكن الطباعة على القماش كحاجة اجتماعية حرفية تعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد، وتوصل عقل الفنان الأول إلى استعارة رسومات من مثل = الشمس المذيلة، والشمس المجنحة= ليطبعها على قماشه القديم ذاك، ويتباهى به، ثم يتاجر بهذه السلعة المربحة، فيما بعد.

رموز

إذاً، استولى «القمّاشون الفقراء» على أرجوان الملوك وخاطوا، تالياً، قماشهم.. قماش أجسادهم، وقماش أغطية رؤوسهم (العمائم)، وقماش نسائهم وغير ذلك من قماش كثير وطويل.. أطول من جسد الإنسان العادي وغير العادي؛ من حيث الصحة والقامة والهيئة البدنية العامة، فالمهم هنا، هو الجاه، والمكانة، وما يرمز إليه القماش من قيمة اجتماعية، ثم إن الأبهة الأرجوانية الملكية سوف تصعد لمواجهتها وحتى خدش هيبتها السلطوية أبهات قماشية أخرى في الشرق بشكل خاص، فالمرأة الهندية سوف تستخدم قماش (الساري) ثوباً ملوناً «ملكياً».. بالنسبة لها، وهي مهما كانت قامتها.. قصيرة أكانت أم طويلة فهي لكي تبدو في (الساري) مثل ملكة أو أميرة فهي تشتري 6 أمتار من القماش المكلف في بعض أنواعه.. نعم 6 أمتار من القماش تلف به جسدها النحيل، وعلى الرغم من ذلك، تبدو في (الساري) مثل شجرة ملونة في مجتمعها العام، وفي قلب ثقافته الشرقية.
في اليابان، وكما تقول الباحثة «تيري ساتسوكي ميلهاوبت» في كتابها الذي يتحدث عن تاريخ زي «الكيمونو»: «يجسد الكيمونو بهيئته الخارجية المعروفة على شكل حرف (T) وبكميّه الواسعين الفضفاضين، وقطعتي القماش الرأسيتين المنسدلتين من أعلى الكتف؛ دولة اليابان: الحقيقية والرومانسية والأجنبية»، وعادة ما يمثل الكيمونو كما تقول ميلهاوبت الزي الياباني الوطني، وتحول، من ثوب يرتدى يومياً إلى أيقونة ورمز لدولة اليابان.. ولكن كم يحتاج ثوب «الكيمونو» من قماش؟ إن لفة القماش الواحدة منه، يتراوح مقاسها من 34 إلى 40 سنتمتراً عرضاً، ومن 11 وحتى 12 متراً طولاً.. «.. قسمت لفة القماش إلى سبع قطع؛ قطعتين للجسد، وقطعتين للأكمام، وغطاءين أماميين، وياقة، ورتقت جوافها المستقيمة معاً باليد كي يصنع الثوب».. ولكي نميز «كيمونو» المرأة عن «كيمونو» الرجل «أصبح يشار إلى شكل الأكمام أو طريقة وصلها بقطعة القماش الخاصة بالجسد ليميز ثوب المرأة عن ثوب الرجل».
يميل الجسد الياباني، عموماً، إلى القصر والخفة، ومثلما، اقتصر الأرجوان على الملوك والكهنة، اقتصرت ثياب الإمبراطور الياباني والعائلة الإمبراطورية على ثياب خاصة أيضاً مصنوعة من قماش «إمبراطوري»، لكن هذا الجسد الياباني الصغير، عندما احترق بالنووي الأمريكي في ناجازاكي وهيروشيما عام 1945 أصبح كما يبدو أكبر من «الكيمونو» الذي نظر إليه الغرب بنظرة إعجاب وفضول أيضاً، وأصبح الياباني متقشفاً وعملياً في أقصى سرعته وانضباطه؛ ليعوض بلاده ما كانت قد دمرته الحرب، وكان عليه ألا يلتفت إلى بذخ القماش، بقدر ما عليه أن يلتفت إلى تغذية عقله العلمي الصناعي التقني؛ ليأخذ العالم بعد ذلك بإدراك الرمزية التاريخية ل«الكيمونو».
ومرة ثانية إلى الأبهة القماشية المحيطة بالجسد البشري على نحو باذخ في الثقافة الشعبية العربية هذه المرة، فالرجل الموريتاني يحتاج إلى 10 أمتار من القماش؛ ليخيط له ما تُسمى «الدّراعة»، وتسمى أيضاً «الفضفاضة»؛ وهو ثوب واسع يحيط بجسد الرجل مصنوع من قماش يُسمى (بازان) وأنواعه الفاخرة تستورد من ألمانيا، وهناك قماش آخر يستعمله الموريتانيون لخياطة «الدراعة» يستورد من الصين، ولكن بسعر أقل من (البازان) الألماني، وتنتشر هذه «الدّراعة» التي تتطلب هذا القماش الكثير في جنوبي المغرب، وشمالي مالي، ومناطق عديدة من السنغال مع الاختلاف في التصميم والزخرفة من بلد إلى آخر، ومن الملاحظ، أن البلدان التي تنتشر فيها «الدّراعة» ذات الأمتار العشرة مهما كانت قامة الرجل طويلة أم كانت قصيرة إنها بلدان فقيرة لا يستطيع فيها رجل معدم أن يشتري كل هذا القماش؛ ولكن مع ذلك، فإن دّراعة العشرة أمتار ثابتة ومعروفة عند الخياطين والقمّاشين فلها دلالة اجتماعية تؤشر على الجاه والأبهة، والرجل الذي يشتري دّراعة مؤلفة من ثمانية أمتار أو أقل فكأنه ينقص من قيمة نفسه، وربما ينظر إليه، اجتماعياً، نظرة دونية.
أما العمامة التي يلفها السودانيون على رؤوسهم فيبلغ طول قماشها ثمانية أمتار، وهي في الغالب أو بعضها من الحرير لمتطلب اجتماعي هو «الفخفخة»، أو لنقل، من زاوية العقل الباطن الاجتماعي، هي عمامة مضادة لذاكرة الأرجوان التي تحيل إلى السلطة؛ بل، بذخ السلطة.

تنشيط الذاكرة

هل يمكن لك أن تتخيل القماش «بريداً» للرائحة، وبالتالي، اعتبار القماش مادة «منشطة» للذاكرة؟.. نعم، يحتفظ القماش مهما كانت خفته أو ثقله بالرائحة.. رائحة الجسد أو رائحة عطر الجسد، والغريب هنا، أن رائحة جسد الإنسان تألف ثيابه، أو أن القماش يألف مسام الجسد البشري، كما لو أن خيوطه وأليافه تنام في هذه المسام.
يقول «شارل بودلير» في قصيدة له بعنوان «العطر»: أيها القارئ، هل استنشقت أحياناً/ بنشوة وشراهة بطيئة/ هذا البخور الذي يفعم كنيسة/ أو المسك المكين في جراب ما/ فتنة عميقة، ساحرة، تثير فينا/ الماضي المستعاد في الحاضر... ومن شعرها اللدن الثقيل/ جراب حي، كمبخرة المخدع/ تصعد رائحة، برية، وحشية/ ومن الثياب.. الموسلين أو القطيفة، المشبعة بشبابها الصافي ينبعث عبق الفراء».

الكتان والموت

يرتبط قماش الكتان بالموت كما يرى «ليوناردو دافنشي»، يقول في «الأعمال الأدبية»: «الكتان منذور للموت، ولتفسخ الموتى: للموت؛ إذ يستخدم لصنع الفخاخ وشباك صيد الطيور والحيوانات والأسماك، وللتفسخ، إذ تحاك منه ملاءات التكفين التي يلف بها الموتى عند دفنهم؛ حيث يتعفنون من ثم في تلك اللفائف، وفوق ذلك، هذا الكتان لا ينفصل عن غصنه الجاف ما لم يفسد ويتفسخ، ومنه هو ينبغي أن تصنع أكاليل وزينات الجنازات».