قال صلى الله عليه وسلم: اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله . وفي قول الرسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله توجيه نبوي كريم للإنسان لكي يعيش عزيزاً كريماً فمن أراد العفة والغنى والكرامة وبدأ السير في طريق العمل الجاد، وعزف عن السؤال فإن الله يعينه على العفة والغنى .
يربي الرسول صلوات الله وسلامه عليه المسلم على الفضائل، ويبني شخصيته على المكارم فالعفة والاستغناء عما في أيدي الآخرين طريق الحياة الكريمة، وقد كان صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة في العفة وغنى النفس والرضا والقناعة .
ومن العفة وغنى النفس أن يرضى الإنسان بما رزقه الله وأن يقنع بما في يده وأن ينظر دائما إلى من هم أقل منه نصيبا في الدنيا، ولا ينظر إلى من هم أكثر منه غنى وثراء وصحة حتى يعيش راضياً قنوعاً، والرسول صلى الله عليه وسلم يستهدف من عبارته الكريمة ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله بناء شخصية المسلم على أسس الإيمان والرضا فلا يتمرد إنسان على نعمة ربه ورزقه، ولا ينظر إلى ما عند غيره من مال أكثر منه، فإنه لو نظر إلى من هو أقل منه مالاً لأدرك قيمة النعمة، يقول صلوات الله وسلامه عليه: إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه من المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل هو عليه، ويقول أيضاً: انظروا إلى من هم أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم .
غنى النفس
والرسول عليه الصلاة والسلام بهذه الأقوال الكريمة والتوجيهات السديدة يرسم للمسلم الطريق إلى غنى النفس، ويحدد السبيل إلى ذلك بالرضا، بكل ما تنطوي عليه كلمة الرضا من معنى، فالغنى الذي يحقق السعادة للإنسان ليس غنى المال، فقد يكون من ورائه شقاء كبير إذا لم يعصمه خلق أو دين، فالذي يجعل الدنيا أكبر همه يتحمل من أجلها كل الصعاب، ومثل هذا الإنسان لا تهمه قيم أدبية ولا مبادئ خلقية ويجلب لنفسه المهانة .
وأوضح لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الغنى الحقيقي الذي يوفر للإنسان سعادته هو غنى النفس وعفتها وعزلتها وكرامتها، والذي ساعد على ذلك إيمان بالله يضع كل الثقة والرجاء فيه، وإيمان بحقيقة الحياة التي لا تستقر على حال، وإيمان بأن قيمة الإنسان مرهونة بما يملكه من رصيد خلقي وعمل خيري، يعيش به محبوبا بين الناس، مرضياً عنه من الله، وقد لخص رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مظاهر هذا الغنى الذي يرتقي بالإنسان في حديثه الصحيح الذي يحمل كلمات قصيرة ومعاني كبيرة فقال: ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس .
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عن عمل إذا عمله أحبه الله وأحبه الناس فقال له عليه الصلاة والسلام: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد في ما في أيدي الناس يحبك الناس .
والمراد بالزهد كما يقول الدكتور إسماعيل الدفتار أستاذ السنة النبوية بجامعة الأزهر عدم تعلق القلب بالدنيا تلعقاً يمس الشرف، ويذهب الكرامة، ولقد تربى السلف الصالح على هذا الهدي الكريم، وآمنوا بأن القناعة كنز لا يفنى، فارتضوها شعاراً عاشوا به ملوكاً بين الناس، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، قليلة أموالهم لكن كبيرة نفوسهم، رقيقة أحوالهم ولكن عالية هممهم .
تربية نبوية كريمة
يقول الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية: لقد ربانا رسول الله صلى الله عليه وسلم على عفة النفس، غرس فينا كل معاني الكرامة والاعتزاز بالنفس حتى ولو كنا فقراء أو بسطاء لا نملك مالاً أو سلطاناً أو نفوذاً، وغنى النفس الذي غرسه فينا رسولنا صلوات الله وسلامه عليه يحقق للإنسان السعادة الغامرة والأمان من الجشع المادي، والتمزق النفسي، لأن غني النفس راضٍ بما في يده، قانع بما عنده، لا يتطلع إلى غيره، ولا تستشرف نفسه إلى ما في يد سواه، إنه ينفق مما عنده على نفسه وأهله وفي الوجوه المشروعة من دون تهافت على المال، أو تطلع وتكالب، فيراه أمامه كافياً، ويرى نفسه به سعيداً وراضياً وغنياً .
أما الذي يرى الغنى في سعة الثروة، ووفرة المال وكثرة العرض والمتاع، فإن مطالبه لا تنتهي عند حد، ولا تقف عند درجة فيظل متطلعاً إلى الزيادة، ومهما أوتي لا يقنع، ومهما نما ماله لا يشبع ولا يستريح به الحال، ولا يطمئن القلب، ففكره حائر بين أمواله، وقلبه مشدود إلى صفقاته، ولذلك يحرص الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يلقي الضوء على هذه الحقيقة، مبينا كيف يكون الغني الحق الذي لا تلهث معه خطى الحياة، ولا ينزلق به فكر الإنسان .
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة في غنى النفس والرضا والقناعة وكانت بيوته نماذج للقناعة وغنى النفس، لدرجة أن هذه البيوت الشريفة التي كانت ملتقى النور السماوي مرت بفترات لم يكن فيها لدى أمهات المؤمنين من الأطعمة ما يطهى بالنار مدة طويلة في أول الأمر، وكان غنى النفس وكانت القناعة شعار الإيمان والرضا .
وهكذا كان السلف الصالح الذين تربوا على أيدي الرسول صلى الله عليه وسلم أمثلة نادرة في القناعة والرضا بما في الأيدي بل ببعض ما في الأيدي، كانت عفة النفس وغناها هي شعارهم وقناعتهم .
أقبل وفد من اليمن على النبي صلى الله عليه وسلم بزكاة أموالهم فجزاهم بأحسن ما جوزي به وفد إلا غلاماً قال له: والله ما أخرجني إليك يا رسول الله إلا أن تسأل الله أن يغفر لي ويرحمني، وأن يجعل غناي في قلبي فدعا له بذلك، فعاش بين قومه غني النفس يحدثون عنه فيقولون: لو كانت الدنيا تقسم من حوله ما نظر إليها .
الإيمان والرضا
ويضيف د . هاشم: الإسلام حين يبني شخصية المسلم على غنى النفس، لا يحرم عليه استمتاعه بالطيبات، ولا استثماره للمال أو طلبه بالطرق المشروعة وبالمنهج الحلال، وإنما يستهدف الإسلام من غنى النفس بناء الشخصية الإسلامية على أسس الإيمان والرضا، فلا يتمرد إنسان على نعمة ربه ورزقه ولا يعترض على ما عند غيره من مال أكثر منه، فإنه لو نظر إلى من هو أقل منه مالا لأدرك قيمة النعمة، وليس الأمر قاصراً على المال فحسب، بل يشمل الصحة والأبناء وغير ذلك من الأمور التي يتفاوت فيها الناس . فإذا نظر الإنسان إلى من حوله من الناس وجد منهم من هو أكثر منه مالا ومن هو أقل، ومن هو كامل الخلق ومن هو ناقص السمع أو البصر أو غيرهما، ومنهم من رزق بالأبناء ومنهم من لم يرزق وهكذا، وهنا يوجه الإسلام شخصية المسلم إلى طريق الشكر والعرفان بالنظر إلى من هو أقل لا النظر إلى من هو أكثر لئلا ينتقص الإنسان نعمة ربه، وهنا يرشدنا ويوجهنا رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه إلى هذا الخلق فيقول انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أقدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم، وقال صلوات الله وسلامه عليه: إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه . هكذا يرسم الإسلام الطريق إلى غنى النفس ويحدد رسول الإنسانية لكل إنسان طريق العزة والكرامة .