نظم الإسلام العلاقة بين الزوجين في شكل حقوق وواجبات ووضع لها أسساً ثابتة تحميها من المشكلات العاصفة والخلافات التي قد تنتهي أحياناً بالطلاق، وتكون النتيجة خراب البيوت وتشريد الأبناء . . وحتى تستقيم العلاقة الزوجية منح الإسلام الزوج حق القوامة وألزم الزوجة بطاعة زوجها في كل شيء مادام لم يطلب منها معصية للخالق عز وجل .
لكن للأسف بعض الرجال يرون أنه ليس لزوجاتهم حقوق عليهم سوى النفقة والإعفاف وتوفير المتطلبات الحياتية، وتناسوا تماماً أن لها حقوقاً أخرى معنوية مثل الحوار والمشاركة والتواصل في اتخاذ القرارات لأنهما شريكان في حياة وأسرة تخصهما معاً ولا يجوز لأحد الطرفين سواء كان الرجل أو المرأة أن ينفرد بالقرار داخل الأسرة خاصة في القرارات المصيرية والعلاقة الزوجية التي يختفي الحوار بين طرفيها تكون الأكثر عرضة لإعصار المشكلات، والأسرة التي لا يتحدث فيها الزوج والزوجة عن كل ما يتعلق بهما معاً تكون متفككة .
سألنا علماء الشريعة الإسلامية وأساتذة علم الاجتماع والطب النفسي عن أهمية الحوار بين الزوجين وخطورة افتقاده وهل يمكن أن يعيش زوجان في سعادة وأحدهما ينفرد باتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهما وبالأسرة .
فهم خاطئ
في البداية يؤكد الدكتور عبد الله بركات عميد كلية الدعوة في جامعة الأزهر سابقاً أن الزوجين شريكان في الأسرة وفي تربية أولادهما، ولا يعقل أن تستقيم الحياة دون مشاركة إيجابية من الطرفين وإلا اختلت الموازين وانعكس ذلك سلبياً على الأطفال .
وقد حمل النبي صلى الله عليه وسلم كلاً من الرجل والمرأة المسؤولية المشتركة عندما قال: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، فالقوامة التي شرعها الإسلام لا تعني الاستبداد والتحكم في الزوجة، وإنما رئاسة الرجل في البيت شورية لا استبدادية ومقيدة بأوامر الشريعة ونواهيها، والرجل العاقل من يستشير زوجته ويحترم رأيها ويتحاور معها حتى يصل إلى القرار الأصوب ولابد أن نتعلم كأزواج وزوجات احترام كل منا لرأى الآخر، ويجب أن نربى أولادنا على الحوار منذ الصغر، والزوجان يجب أن يكونا قدوة لأولادهما في الحوار واحترام الرأي الآخر مهما كان مخالفاً .
ومن هنا ينصح الدكتور عبدالله بركات الأزواج بألا يمنعوا زوجاتهم من حقهم المشروع في إبداء الرأي في أمور الأسرة والأخذ به في حالة الصواب ويقول: إن الرجل الذي ينفرد بالقرار داخل الأسرة على الرغم من أن المرأة شريكته في الحياة الزوجية يهدر حقاً من حقوقها المشروعة، فبيت الزوجية يحتاج إلى رأي الطرفين، فلا يصح أن يستبد الرجل بالرأي بل عليه أن يستشير المرأة ويأخذ برأيها، فإن الشورى حق للمسلمين بصفة عامة لقول الله تعالى: وشاورهم في الأمر .
ويشير د .بركات إلى ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، عندما لم يستجب الصحابة إلى الأمر بالتحلل من الإحرام وتوقفوا عن النحر والحلق، فلما أخبر نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم السيدة أم سلمة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله لا تلمهم فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم من غير فتح . ثم قالت: يا نبي الله اخرج ثم لا تكلم منهم أحداً كلمة حتى تنحر وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج وفعل ذلك فقاموا وجعل بعضهم يحلق بعضاً .
تهميش مرفوض
الدكتور سعيد أبوالفتوح أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة القاهرة يوضح أن قوامة الرجل على المرأة لا تعنى السيطرة والاستبداد ومصادرة حريتها كما يردد بعض الجاهلين بشريعة الإسلام بل القوامة تعنى الرعاية والمسئولية للرجل بعد أن سوى الله بينهما في الحقوق والواجبات بقوله: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة .
ويرى الدكتور أبوالفتوح أن الشورى والحوار بين الزوجين فرض عليهما معاً فلا يجوز لأحدهما الاستئثار بقرارات الأسرة وكأن شريك الحياة لا وجود له وقد أوضح الله سبحانه وتعالى الأسس التي يجب أن يقوم عليها البيت المسلم من التشاور والتناصح وعدم الضرر، وعدم التكليف فوق الطاقة، وبيّن سبحانه وتعالى ذلك في قوله: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما .
فإذا كان ذلك بالنسبة لفطام الرضيع، وهو من الأمور البسيطة بالنسبة للأسرة، فما بالنا بالأمور العظيمة كالتشاور مثلاً في زواج الأبناء وفي تسيير الأمور، والواقع الذي نعيشه والكلام لايزال للدكتور أبوالفتوح يؤكد أن هناك اختلالاً في ميزان الأسرة المسلمة، فإما نجد رجلاً يهمل وجود زوجته تماماً وإما نجده يسلم لها الزمام، فتصبح سيدة البيت بما فيه الرجل وتكون المتصرفة في كل شيء ولا يحكم على شيء .
ولو نظرنا إلى الشريعة الإسلامية لوجدناها نجحت في وضع أسس قوية ومبادئ رصينة لإدارة البيت المسلم وصيانته من كل الهزات والمشكلات التي قد تعترضه، لكننا انسقنا وراء تقاليد وعادات بالية جعلتنا نفسد حياتنا ونضيع لحظات السعادة التي بين أيدينا، فأصبحنا نتخذ قرارات عشوائية لا دافع من ورائها إلا العناد والمكابرة والتسلط والرغبة في التحدي . لكن بعض الرجال أساء استخدام حق القيادة فظنوه مطلقاً وحكماً ديكتاتورياً وطاعة مسلمة ففهموا الأحاديث الواردة في طاعة المرأة لزوجها فهماً غير صحيح حيث فهموا من قوله صلى الله عليه وسلم: لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها بأنه يأمر المرأة بالخضوع المطلق لزوجها مع أنه يمنع المرأة من الخضوع والذلة إلا لله، والحديث النبوي لا يقصد أن تتحول المرأة إلى جارية في بيت زوجها .
ذكاء الزوجة
الدكتورة سوزان عبدالحميد الحسيني أستاذ علم الاجتماع في جامعة الأزهر تؤكد أن الحوار بين الزوجين هو مفتاح التفاهم والانسجام، الحوار هو القناة التي توصلنا إلى الآخر لكن بعض الأزواج يفترضون أن الزوجة تتصرف كما يتصرف هو من حيث أسلوب التفكير والمحادثة، والبعض الآخر يستهين بشكوى الزوجة ويعتبرها من أساليب الزوجة النكدية، وهناك من يستخف باقتراحاتها لحل المشكلات المطروحة نظراً لعدم الثقة بقدرتها على إيجاد الحلول المناسبة .
والكثير من المحيطين بالزوج يوهمونه بأنه قد وفّى بكل مطالب الزوجة وأدى واجباته المالية من حيث السعي والعمل والإنفاق وهكذا يكون قد أدى دوره، خاصة أن الزوجة بطبعها كثيرة الثرثرة فمن الأفضل عدم إعطائها الفرصة للتحدث والعمل على إيقافها عند اللزوم .
وترى الدكتورة سوزان الحسيني أنه كي يكون الحوار بين الزوجين ناجحاً عليهما أن يلاحظا أمرين مهمين أولاً: على الزوج أن يتفهم حاجة الزوجة للكلام، ويستوعب حاجتها لأذن مصغية .
ثانياً: على الزوجة ألا تضغط على زوجها ليتكلم حين تجده غير مستعد للحديث، وألا تسيء تفسير موقفه، وعندما يبدآن في الحوار فعليهما بالصراحة التامة فهي شرط أساسي في العلاقة بين الزوجين وفي كل حياتهما وفي الحوار بينهما بشكل خاص، كما يجب على كل منهما احترام رغبات وخصوصيات الطرف الآخر، ثم الإصغاء وكذلك الهدوء وخفض الصوت ضروري، وفي كل الأحوال يجب اللجوء إلى النقاش والحوار والإقناع لا إلقاء الأوامر .
الدكتورة هناء أبوشهبة أستاذ علم النفس في كلية الدراسات الإنسانية في جامعة الأزهر، تؤكد أننا لو بحثنا في أسباب المشكلات التي يعاني منها المجتمع من إدمان وطلاق وخلافات زوجية وعنف وشك وغيرها، لوجدنا أن السبب الأول هو غياب الحوار داخل الأسرة، فالصمت والتسلط جعلا من الزوج أو الزوجة طرفاً سلبياً في العلاقة الزوجية، وبالتالي فلن يتعامل مع الطرف الآخر من منطلق الحق، وإنما سيتعامل معه على أنه قدره المحتوم الذي لا يستطيع تغييره .
وتقول: إن كل زوج يهمش زوجته في القرارات الأسرية وخاصة المصيرية منها يرتكب خطأ فادحاً لأنه يحكم على مشاعرها وعواطفها بالإعدام ويضيع الفرصة في أن يبني معها علاقة صداقة، بل إن أولاده دائماً ما يأتون في صف الزوجة دون أن تطلب منهم ذلك لأنهم يشعرون بأنها الطرف المقهور ويحاولون تعويضها ومبادلتها حباً بحب في حين يتجنبون التعامل مع الأب كثيراً وتصبح العلاقة بينهم روتينية لا أكثر .
وتحذر الدكتورة أبوشهبة الزوجات من أن يدفعن الأزواج إلى الاستبداد بآرائهم ومحاولتهم فرض السيطرة على الأسرة دون مشاركة أحد من أفرادها معه، وذلك حينما تكون الزوجة عنيدة وتحاول التعامل مع الزوج بطريقة ندية فتصر على التدخل في تفاصيل حياته وترفع صوتها ولا تشعره بأنه رجل البيت وقد يصل الأمر إلى أن تمطره بالإهانات الجارحة أمام الأبناء، عندها لا يجد الزوج مفراً من التعامل معها بقسوة ويهمشها والحل في هذه الحالة هو تدريب الطرفين على إجادة فن الاستماع وفهم الآخر وقبول الخلاف .