باتت الكتابة الساخرة تحتل مكانة مرموقة في الأدبين العربي والعالمي لما لها من خصوصية ومقدرة عالية على جذب المتلقين، لتكون من ضروب الكتابة الأكثر إقبالاً عليها من قبل القراء . وللكتابة الساخرة غوايتها، وسحرها، وألقها، لا سيما أنها تتخلص من كل ضرورب الزركشة، والتأنيق الكتابيين، من خلال اخلاصها لتناول اللقطة المؤثرة في متلقيها، والتي تحقق هدفها بأكثر ما يمكن لغيرها من الكتابات الرصينة أن تفعله . ولعل سبب توسع دائرة مثل هذه الكتابة هو أنها تفلح في التقاط نبض هذا المتلقي، وتشخص معاناته، ومن ثم تجسد رؤيته، وحلمه، لتكون صوته الخاص في وجه الأخطاء الموجودة، مادام أنها تتناولها على نحو كاريكاتيري . وثمة قراء لبعض الصحف ووسائل الإعلام المقروءة يؤكدون أنهم فور حصولهم على هذه الصحيفة أو تلك، فإنهم يبدأون قراءتها من الزوايا الساخرة التي تضمها، وهو ما يدفع عادة بالكثير من المنابر إلى استكتاب كتاب ساخرين، توثق من خلالهم العلاقة مع منابرهم، أو من أجل تنويع المواد التي تضمها هذه المنابر . والكتابة الساخرة تركز على المفارقة، وغيرها من العناصر التي من شأنها خلق روح الدعابة المريرة، وذلك من أجل تقديم فكرة معينة، وايصالها إلى المتلقي بشكل جد مختصر.
** يقول الكاتب جلال عامر: أنا لا أعدّ نفسي كاتباً ساخراً، فأنا على باب الله، فالكتابة الساخرة الآن أصبحت مهنة من لا مهنة له، وفي السنوات الأخيرة أصبحت موضة، أما كتابها الحقيقيون فيغرقهم كمّ كبير جداً ممن دخلوا إلى المجال استسهالاً، الأمر الآن يشبه شارع كله محالّ، إذا فتح أحدهم محل ألوميتال قلده الجميع، وإذا فتح أحدهم سايبر قلده الجميع أيضاً .
وأضاف: عندنا نصف دستة من الكتاب الساخرين الجيدين، وإلى جوارهم زهاء 600 ضيف، ولكن الأكيد أن الجميع قام بدور في الثورات العربية الحالية، يكفي أنهم هزوا صورة الحكام، أمام الناس العاديين، وأزالوا هالة القداسة التي كانت تحيط بهم، عبر السخرية وإظهار عيوبهم، وأوجه النقص فيهم، باعتبارهم بشراً كباقي البشر، وقد كتبت سلسلة مقالات اسمها ألف نيلة ونيلة صورت فيها مبارك على هيئة شهريار، كما أظهرته في صورة الشخص العاجز عن اتخاذ القرار، وبالطبع أسهم هذا في هز صورة مبارك .
وأوضح عامر أن الزهد والسخرية من مذاهب المتصوفين، والعامة يقومون من خلالها بإنزال كل متكبر عتيد عن عليائه، لكن ربنا يستر على هذا النوع من الكتابة .
** وتؤكد الناقدة هويدا صالح أن الكتابة الساخرة انتشرت بصورة كبيرة، وكانت رد فعل طبيعياً على الفساد وغياب الحريات والديمقراطية، وقد حاول من خلالها الكتّاب السخرية من المشكلات التي لا يستطيعون حلها، كنوع من التعالي على الواقع، ورأينا كتباً مثل الله الوطن لما نشوف لسلوى أنور ومصر من البلكونة لمحمد فتحي، لكن هل سيستمر هذا بعد الثورات التي نراها الآن؟
أتصور أن الكتابة الساخرة ستأخذ منحى آخر لأن المبرر السابق للسخرية لم يعد موجوداً، فالديكتاتوريات تتساقط والشعوب تنال حريتها، وهذا النوع من الكتابة سيفقد معناه، ولن يكون له الوقع نفسه الذي كنا نشعر به أثناء حكم مبارك، وفي المقابل سنرى صعوداً للكتابة الدرامية .
وتشير إلى أن الكتابة الساخرة أدت دوراً مهماً جداً في إذكاء الثورات العربية، إذ أسهمت في فضح المسكوت عنه، وشحنت الشباب الذين مثلوا الشرارة الأولى للثورة، عبر تلك الأعمال التي تحقق فيها شروط الكتابة الثقافية المبنية على وعي وخلفيات ثقافية، فلم تكن سخرية لأجل السخرية .
** ويقول الكاتب الصحفي محمد بركة إن وجود روح السخرية في نسيج النص الأدبي حالة قديمة جداً في الكتابة المصرية منذ زمن بعيد، ولعل أشهر نموذج على ذلك كان محمد عبد القادر المازني في مجموعاته القصصية، ويأتي بعد ذلك، محمد مستجاب الذي أسس مشروعاً أدبياً قائماً على السخرية، وتوليد المفارقة بين الأحداث، والاستفادة منها .
هؤلاء لهم مشروعات أدبية قامت من الألف إلى الياء على السخرية، أما الآن فلا نرى مشروعات مماثلة، ولكن عندنا عشرات التجارب التي تعد فيها السخرية عنصرًا أو ملمحًا بين عناصر عدة في العمل، كما هو الحال عند حمدي أبوجليل في روايته الفاعل، وزهرة البستان لخالد إسماعيل . في هاتين الروايتين نرى الحسّ الساخر عالياً، لكنه لم يطغ ليكون الأساس، ولم ينضج كي يكون هو الملمح الرئيس للمشروع الأدبي .
ويرى بركة أن السخرية في مصر سهلة وصعبة في الوقت نفسه، الأمر أشبه ببيع المياه في حارة السقايين، فالمصري يرتكن لمخزون حضاري، وتلقائية مرحة، الروح الخفيفة والفكاهة تجعلان الكتابة الساخرة أمراً سهلاً، ولكن المتلقي العربي والمصري عنده حساسية شديدة لإقحام وتوظيف الفكاهة بطريقة غير مبتكرة، ويسميها استظرافاً .
ويؤكد أن الكتابة الساخرة كالنداهة، تأخذ الكاتب من عالم الإبداع الأدبي إلى عالم الصحافة، وعندنا تجربة قوية جداً في عالم الكتابة الساخرة هو الراحل محمود السعدني، كثيرون لا يعرفون أنه بدأ كاتباً للقصة القصيرة، وعنده قوة شديدة في حجم موهبته الساخرة، استهلكته ماكينة الصحافة واشتهر ونجح فيها، فتراجع وتوارى عن العالم الأدبي، وللأسف فإننا نفتقد الآن وجود أدباء يقوم مشروعهم الأدبي بالكامل على السخرية . وأضاف بركة: وسط الواقع القاسي الذي يعيشه الوطن العربي الآن تبرز الحاجة إلى روح الدعابة والفكاهة لتلطيف وتخفيف الأحداث، كما أنه من بين ركام المآسي ترصد المفارقات على طريقة شر البلية ما يضحك، خاصة أن السخرية هي فن مهاجمة الأقوياء، وتحويلهم إلى مادة للضحك، وهي فن مهاجمة السلطة سواء كانت سلطة سياسية بمعناها المباشر، أم سلطة الزوجة في البيت .
** الكاتب والإعلامي إلياس الديري المشهور بتوقيع زيان في زاويته النهارية اليومية، يستمر أحد القلائل الساخرين، وحيث يكتشف القارئ، أن خلف ما تحمله كلمات زيان قضية عربية ساخنة محلياً وعربياً ودولياً، يتطرق إليها ببساطة السهل الممتنع . ويرى من خلال متابعاته الأدبية والنقدية اضمحلال الكتابة الساخرة التي تضفي على النقد شيئاً من الحبور، وحسبه أن الإبداع النقدي تراجع بصورة عامة في الوطن العربي مع انتشار الأنظمة الشمولية القمعية التي فرضت نوعاً أو لوناً واحداً من الكتابة . . المديح وحصرت مديحها بالحكم والحاشية التي لا تختلف عن إمرة القيصر لأنها فوق الشبهات .
في الإطار نفسه، يلفت الديري إلى أن الكتابة الساخرة حتى الضحك باتت أقرب إلى العملة النادرة، خصوصاً في مهدها المصري، وحتى في أرجاء العالم، حيث تراجع الإبداع وانحسر الاهتمام إلى ما تجود به مخيلة التكنولوجيا عبر أجيالها المستعجلة والواسعة الانتشار .
مذكراً بالنقد الراقي في لذعته وسخريته حين كان لهذا النقد زمن ورجال . . يضيف: أذكر دائماً سيد السخرية الإنجليزية جورج برناردشو، وأيضاً سعيد تقي الدين ومارون عبود وفؤاد حداد وأعود إليهم وإلى آخرين من قدامى المحلقين في حقل الكتابة الساخرة .
وفي معرض أسفه على الساخرين العمالقة، يؤكد الديري أن النقد بمجمله، وبكل حقوله ومستوياته، يكاد يكون منعدماً في هذا العصر المستعجل الذي بهتت إبّانه مكانة الثقافة، ودهم الإهمال دورها في معظم البلدان الأوروبية، وتحديداً فرنسا الحاضنة الأولى للمبدعين بكل مدارسهم، والمشجعة بلا حدود لكبار المفكرين والروائيين والشعراء والرسامين الخلاّقين .
أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية والبلدان التي تدور في فلكها، فما من وقت لا للكتابة الساخرة ولا حتى للكتابة الجادة . تكنولوجيا حاف، والباقي لا حاجة إليها به .
وفي المقابل لا ينفي زيان أن ثمة كتابات تتوسل النقد المتفلّت، لكنها حسب رأيه تسيء بمعظمها إلى هذا الفن وتستفز القارئ لفرط ما يشوبها من إسفاف وركاكة وانعدام تام في الموهبة والثقافة والاطلاع والإلمام والمعرفة والثقة .
** على النسق ذاته يتساءل الإعلامي والكاتب فيصل سلمان عن مفهوم الكتابة الساخرة الذي يعده من أصعب الكتابات لأنه يقوم على ثقافة وتراكم معرفة، لافتاً إلى أن الكاتب الساخر ينجح بمقدار ما يكون خفيف الظل أصلاً ويمتلك حساً نقدياً متقدماً بدعمه يوماً بيوم بالاطلاع والمعرفة .
ويشير سلمان إلى أن الصحافة اللبنانية والعربية عرفت بشكل عام أسماءً لامعة في الكتابة الساخرة، خصوصاً مرحلة الستينات والسبعينات من القرن الماضي لانتشار الصحف والمطبوعات، ثم تراجع هذا النوع من الكتابة لأسباب كثيرة ومنها كما يقول: إن اختيار السخرية كأسلوب تفرضه مجموعة عوامل، أهمها الرغبة في مواجهة واقع سياسي قمعي تغذيه ضوابط قاسية، اجتماعية واقتصادية ومعيشية، تدفع العديد من الكتاب إلى هذا النوع احتيالاً على الرقيب أو السلطة بأشكالها، وبما يشكل مع الوقت متنفساً للكاتب والقارئ على حد سواء .
ويرى سلمان أن ما بين ستينات القرن الماضي والعقد الأول من هذا القرن، تكاثرت الهموم على الكاتب وعلى القارئ حتى تمكن منهما اليأس في التغيير، معتبراً الكتابة الساخرة هي بالطبع أحد أهم الأسلحة في التعبئة، وبتراجعها تراجع الأمل وأحبطت الأنفس وتقدّم جيل من الكتاب الذين اختاروا أساليب أخرى مباشرة وغير مباشرة أمام تناقص كبير في عدد كتاب السخرية . ورأى أن الكاتب الساخر نادر ندرة، رسام الكاريكاتير وهو مثله يمشي على حد السيف، يحاذر أن يسقط ويحاذر أن يمسك بالشفرة القاطعة .
وحول مدى تأثير الكتابة الساخرة في الأحداث الساخنة التي تشهدها المنطقة العربية مؤخراً، رأى سلمان أنه سؤال لا يمكن الإجابة عنه مباشرة . مع الرغبة في أن تكون سبباً من الأسباب . وقال للكتابة الساخرة فعل النكتة المضحكة المبكية، وتراكم النكت قد يؤدي إلى انفجار أو إلى ثورة أو إلى انتفاضة . فالنكتة بهذا المعنى سلاح فعّال، واعتقد أن أي ثائر لا يمكن أن ينجح إذا لم يكن يتذوق السخرية والنكتة .
** الكاتب محمد فال ولد القاضي يقول لا شك في أن الغلبة اليوم أصبحت للكتابات الجادة على حساب الكتابة الساخرة بسبب الطفرة الكبيرة التي شهدتها وسائل الاتصال ونجاح هذه الوسائل في الوصول إلى المتلقي أينما كان، وكذا سرعة تداول المعلومة، مما جعل هذا المتلقي يبحث عن المزيد ولو على حساب نوعية الكتابة المرغوبة لديه، الشيء الذي أدى إلى انحسار كبير لهذا اللون من الكتابة خاصة في وطننا العربي بعد أن كانت فنا قائما بذاته ضمن فنون الكتابة، حتى قال البعض إنه فن ولد عربياً كتجسيد للمثل العربي شر البلية ما يضحك، غير أن الكتابة الساخرة شهدت تراجعاً لافتاً على الرغم من كثرة جمهورها والمكانة التي يحتلها الكاتب الساخر في نفوس القراء .
وإذا كان عدد الكتاب الساخرين قليلاً في الوطن العربي كما يرى بعض المهتمين بهذا اللون من الكتابة، فإن هذه القلة استطاعت أن تنهض به لتعطيه بعداً إنسانياً يعكس هموم الإنسان العربي في ما يتعرض له من اضطهاد وقهر وتشرذم للوطن الواحد، فها هو محمد الماغوط يكشف لنا كيف قسمنا الوطن وأضعناه إذ يقول: في مرحلة الفطام وأنا أحبو باكياً خلف أمي المنشغلة عني في الكنس والمسح ونفض الغبار، كنت آكل كل ما تطوله أظفاري الغضة من تراب العتبة والشارع وفسحة الدار، ويبدو أني أكلت حصتي من الوطن منذ ذلك الحين، ويقول عن النكبة: سنقطع الجبال سيراً على أقدامنا لنصل إلى قبر بلفور الشهير في بريطانيا، وهناك ونحن نتحلق حوله سأضع قدمي على قبره وأقول له بصوت تخنقه الدموع نحن ضحايا الحرقة العربية نريد وطناً قومياً جديداً ولو على مزبلة .
ولقد برع الكاتب الساخر فخري قعوار في تصوير ما وصلت إليه النخب العربية الحاكمة من فساد من خلال حوارات موغلة في السخرية اللاذعة، لعل أكثر سخرية هذا الحوار الذي ترك فيه حرية استبدال الوظائف للقارئ بحيث يمكن للمدير أن يكون وزيراً أو حتى رئيساً:
الحمارة : مستحيل أن يصير واحد مثلك مديراً!
قال الحمار باستخفاف وثقة : وما الذي يمنعني أن أصير مديراً؟!
أنسيت أنك حمار؟!
لا لم أنس أني حمار ، ولكني أرى أن ( الحمورية ) ليست سبباً لعدم تعييني مديراً!
تنهدت الحمارة وقالت : دنيا!
وخلال الثورات التي شهدتها البلدان العربية في الآونة الأخيرة طفا على السطح كم هائل من الكتابات الساخرة أسهمت في تعرية حقائق طغاة الحكام التي كانت مطمورة عن عين المواطن العربي، وأدت دوراً كبيراً في كسر حاجز الخوف الذي ظل واقفاً في وجه هذا المواطن، وقد استطاع أصحاب هذه الكتابات إيصال رسائل سياسية تشي بتنامي الوعي لدى الإنسان العربي الذي قدّم ولايزال يقدم ثمناً غالياً لحريته المسلوبة .
** الكاتب حبيب الله ولد أحمد، وهو أحد رواد الكتابة الساخرة في موريتانيا، يقول لم تنفصل الكتابة الساخرة يوماً عن الكتابة الجادة في الوطن العربي، فالغصن الناضر لا يتخلف عن شجرته الأم، وهذان النمطان من الكتابة رضيعا لبان، كما يقال، وتضج الساحة العربية على المستويين الأدبي والإعلامي بالكتابات الساخرة نثراً وشعراً لدرجة أن المواطن العربي العادي حوّل نكتة الشارع إلى مادة أدبية متداولة عبر كل الوسائط الإعلامية المتاحة، وأرسلها إلى خيالات الشعراء والكتاب ليتم تكريرها فتخرج في صيغ أدبية وشعرية جاهزة للتداول والانتشار في الآفاق الرحبة .
ويلاحظ في الفترات الأخيرة خاصة مع اندلاع ثورات الشارع العربي، الخارجة على مفهوم الحرابة المقنعة ذات الأهداف المرسومة بعناية وفقاً لمقاسات نظريات المؤامرة على العرب أقطاراً وشعوباً وثروات، يلاحظ الاهتمام اللافت بالأدب الساخر باعتبار أنه ملجأ ظليل ومعبر آمن للهاربين من تعقيدات تحول الأحداث في ظل ظروف بالغة الصعوبة يعيشها المواطن العربي سواء في دول عاشت الثورة السلمية أو العنفية، أو ما تعيشه بلدان أخرى تنعم بالاستقرار ظاهرياً وتتخبط عميقاً في أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية خانقة .
يمكن القول ومن دون مبالغة، إن الكتابة الساخرة اليوم تؤدي دوراً مهماً في الأحداث العربية الراهنة، ويظهر تأثير الكتابة الساخرة في الأحداث الأخيرة من خلال ما يتم تداوله من أفكار وردت في مقالات أو قصائد ساخرة تتناول جوانب خفية من تلك الأحداث، وهي أفكار بقيت راسخة في أذهان الناس حتى بعد انتهاء بعض الأحداث في بلدان عربية، وعلينا القول إن تأثير الأدب الساخر عموماً على المواطن العربي أكثر من تأثير الكتابة الجادة، فالعربي بطبيعته يرتاح لخفة الدم ويستأنس بالتحليل الساخر للأحداث وهو تحليل يصادف هوى في نفسه دائماً ويستعين به على تبسيط الأمور وفهم خوافيها وملابساتها من دون إفراط في تعقيدها أو تفريط في التنبه لتبعاتها وتجلياتها في مختلف مناحي حياته اليومية .
** يقول الكاتب عبدالرضا السجواني: ينطلق الأدب الساخر حاملاً على عاتقه قضية مهمة منبعها صلب المجتمع أو المجتمع العربي بوجه عام . ولم يكن يوماً لدى أي أديب جاد ضرب من الضحك أو التسلي أو ما يشابه ذلك بقدر ما هو هم متأصل لدى الأديب الساخر يفرزه بسخريته اللاذعة راشاً عليه شذرات من الكوميديا أحياناً، وأحياناً أخرى دبابيس من الدعابة الموجعة قاصداً من ورائها هز المجتمع في شريحة من أفراده ورجوعه إلى رشده واعادته إلى حيز الصواب .
ومن كتّابه الأجانب الذين لا تتمكن الذاكرة من نسيانهم أو حتى اغفالهم الأديب الروسي غوغول والفرنسي جي دي موباسان والذي كان يقطن منطقة بيكال وكل همه رصد تحركات وتصرفات المرأة الفرنسية في سذاجة تفكيرها وإقدامها على حركات وسلوكيات كانت تدعوه إلى أن يستل قلمه ليكتب نماذجه الإبداعية الرائعة في قصص ساخرة لا تخلو من صبغة الإضحاك . ومروراً بكتّاب من العرب كحسيب كيالي من سوريا ووليد معماري ومحمود السعدني ومحسن الصفار في كتابه مجنون يحكي وعاقل يسمع وغيرهم كثر قد افرزتهم الأوضاع العربية هنا وهناك من الوطن العربي، وهدفهم فضح الواقع المعيش بروح ملؤها الدعابة والكثير من السخرية الهادفة متلمسة الحياة الهانئة .
ويوصف هذا اللون من الأدب بأنه أمضى من الحراب إلا أن رعاته من الكتّاب الساخرين لابد وأن يتمتع كل منهم بمزايا تؤهله للتميز والرقي في هذا المجال من الأدب الذي يتمتع بحس وافر من الدعابة والاضحاك وبوازع جيد من السخرية وإمكانات راقية، والكاتب الحاذق المتمرس هو الذي يمتلك زمام هذا الفن الراقي، أما الكاتب الذي لا دراية له على الامساك بلجام هذا النمط من الكتابة فلابد أنه واقع في وحل السخرية من قبل المتلقي .
فمن لا يمتلك السهام الحادة، الصائبة لبلوغ الهدف المنشود، في ولوجه عالم الكتابة الساخرة، والتي لها مقوماتها وشروطها، التي تسعى في ما تسعى إليه بلوغ قمة المثاقفة والوعي في استعراض قضايا ومشكلات اليوم بأسلوب سلس جاذب لفكر القارئ يثير ضحكه ويلسع نمط أو شريحة من شرائح المجتمع، فإن لم يتقو الكاتب بهكذا مقومات فحتماً هو يكون مدعاة للضحك من قبل قارئه .
ولقد كتبت هذا اللون من الكتابات على مستوى القص عبر تجربتي الإبداعية والتي بدأت عام 1970 1971 . وهي تلح عليّ بين فينة وأخرى للمستجدات الكثيرة التي اتوقف عندها من مطبات أو هفوات لأفراد من المجتمع، وفي خبيئة ذهني ثمة إضاءات أو لفت انتباه ووعي مستنير لابد أن يأخذ مكانه الصحيح من حياة مجتمع اليوم .